طلاق قبل الفطام

 بعد أن قضت خمسة شهور فقط في عش الزوجية عادت زهرة إلى محضنها قبل الزواج ، عادت بقلب جريح وخاطر مكسور و بخطوات متباطئة؛ وهي تجر معها في ذات الوقت حقيبة ثقيلة تنبئ عن عودة طويلة إلى بيت الأهل وزيارة ليست بالقصيرة، وربما كان لديها نية مبيتة للاستقرار مرة أخرى في مربع الطفولة ، استقبلتها علامات استفهام عديدة، وأسئلة كثيرة على وجوه الأهل عن ماذا جرى ؟ ولماذا أتيت ؟ وما حدث ؟ وأين زوجك ؟ وما هذه الحقيبة ؟ ولماذا تبكين و .. و.. و.. نطقت زهرة بصوت بالكاد يسمع بـ ط ط طلَّقني، كانت هذه الكلمة كفيلة بأن تفسر كل شيء ، وأن تضع نهاية لكيان أسري مات باكراً قبل أن يعيش جميع مراحل حياته، وأن يضع زهرة وطليقها عضوين جديدين في نادي المطلقين .

صحيح الطلاق هو أبغض الحلال إلى الله ، و بأن كل الشرائع السماوية كانت حازمة مع موضوع الطلاق ، بل هناك من حرم الطلاق على أتباعه معتبرا إياه أنه حل هادم وضار للفرد والمجتمع بأسره ؛ لذا يظل الطلاق باتفاق الجميع حلاً مراً ، ويكون الطلاق أشد مرارةً و إيلاماً وجرحاً وأكثر وقعاً على النفس عندما يقع مبكراً في السنوات الأولى من عمر حياة الزوجية التي تعتبر فترة يبدأ فيها كل طرف التعرف على الطرف الأخر، ويكتشف فيها الشخصية الحقيقية للشريك، وهي السنوات التي يكون فيها الزواج بعمر الجنين الذي يحتاج إلى صبر ورعاية وتفهم خاص ونفس طويل ، فعندما يقع الطلاق قبل الأوان فإننا حكمنا على هذا الجنين الفِطام باكراً .

إن الإقدام على الزواج يكون في إدراك الشخص و شعوره بأنه في حاجه حقيقية إلى شريك يشاركه حياته يقاسمه اللقمة، يكمل نقصه ، ويستطيع أن يعبر عن عواطفه ومشاعره أمامه دون حواجز، يشبع فيه رغباته ، و يمر مع هذا الشخص بجميع منعطفات حياته حلوها ومرها.

وهذا الإدراك يكون مقروناً باستعداد روحي من منطلق أن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ، وكذا الاستعداد النفسي للتقبل وقبول هذا الشخص، قبوله بكل نواقصه وعيوبه وسلبياته وإيجابياته، والاستعداد للتعايش مع القصور البشري الذي قد يطرأ على هذا الشريك ، و أيضاً الاستعداد العقلي المتزن و الواقعي الذي ينظر للشريك من منظور كونه إنسانا من أرض الواقع، وليس شخصا من نسج الخيال أو مستخرجا من قالب الروايات والأفلام التي تصور الشريك بصورة يكون فيها محاطا بأحلام وردية ، وليالي حب رومانسية لا تنقطع ، ولديه قدرات خارقة على إسعاد الطرف الآخر، وبالتالي عندما لا يكون الشريك فتى الأحلام نستعجل في عملية الطلاق دون التفكير في تبعاته.

وعليه؛ فإن غياب الإدراك والاستعداد وغياب المسؤولية الاجتماعية في إعداد الفتى والفتاة ليحملا أعباء وتبعات الزواج وأيضا النقص المعرفي والعلمي بخصائص وطبيعة الحياة الزوجية، وندرة الدورات المتخصصة في نشر الوعي المعرفي بين المقدمين على الحياة الزوجية أو من هم على مركب الزواج ساعد على استفحال وانتشار ظاهرة الطلاق، خاصة داخل المجتمع الصومالي .

إن حالات الطلاق الكثيرة والمنتشرة داخل المجتمع الصومالي هي أمر يستدعي القلق والتحرك الجدي والبحث عن العلاج لتلافي حالات طلاق جديدة أو التقليل منها ما أمكن؛ لأن المراقب داخل المجتمع الصومالي يجد بأنه لا يكاد يجتمع جمع من أفراد سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً إلا ويكون من بينهم شخص على الأقل مر بتجربة الطلاق خاصة (الطلاق المبكر) وهذا أمر مرهق ويرهق كاهل المجتمع الذي هو بالأساس مرهق بهموم سياسية واقتصادية وإقليمية.

فهذا المجتمع ليس لديه الإمكانيات والقدرات للتعامل مع نتائج الطلاق الكثيرة من أمهات بلا دخل وعائل وأبناء بلا معيل و لا مربي مما يساهم في نشأة جيل مشتت نفسياً وأخلاقياً وسلوكياً. صحيح أن هناك من هم أبناء أسر لوالدين منفصلين نجحوا وتقدموا في حياتهم لكن السؤال كم عددهم مقابل من انجرفوا مع الحياة البائسة أو من هم على هامش الحياة؛ من الذين حرُموا من التعليم المناسب والتربية اللائقة والمأوى المريح ؟

حقيقة نحتاج إلى علاج وقائي وتوعوي يكون آني وحالي وفوري، وعلاج طويل المدى يبدأ مع بداية مرحلة المراهقة من خلال تدعيم المنهج الدراسي و التعليم الإضافي بالمواد الأسرية والاجتماعية والثقافة الخاصة بالحياة الزوجية حتى نزع في نفوس أبنائنا قدسية الحياة الزوجية وإن الدخول في رحابها يتطلب شروطا وقيودا يجب الالتزام بها وفق الأعراف الصحيحة والشريعة الإسلامية السمحاء.

4 تعليقات

  1. بالمعنى العام الفراق بين الزوجين جزء من معترك الحياة، والاسباب كثيرة، ولاعييب فيه عند انسداد الطرق،والمجتمع الصومالي افضل من غيره حسب العادات والمراسيم الأسرية، واستيعاب حالتي الامساك والتسريح باحسان، والغربة والفقر والثقافة والعنف والضرر المتبادل، والعناد ،و الحب الوردي الخيالي وووو اسباب كثيرة تهدد بيت الوئام، معالجتها تكون بمراحل النشاء والمراهقة وما قبل وبعد الزواج، وشكرا

  2. شكراً أخي وفعلاً الأسباب التي ذكرتها هي من بين دوافع القوية للطلاق صحيح انا لم اذكرها في المقال ولكنك استدركت ما فاتني في الموضوع. لك مني اخي جزيل الشكر

  3. الطلاق الكثير والمتكرر هي ظاهرة موجودة في كل ربوع الصومال حتى إنها عمت الصوماليين الموجودين في المهجر وأصبحت ملفتة للنظر عند الكثير من المجتمعات التي هجروا إليها، وقلما يوجد رجل صومالي لم يمر بتجربة الطلاق، ولعل واحدا من الأسباب التي تساهم في إنتشاره هي الزواج الرخيص من البداية، فقد علمنا من الشيوخ الكبار والأجداد الذين عاشوا في البادية قبل عقود أن الشاب كان يدفع عندما يتقدم للزواج من فتاة بمائة من الإبل وعددا من الماشية الأخرى من بقر وغنم وحصان وغيره من التكاليف إلى جانب المهر الغالي للفتاة ولذلك كان من الصعب الإستعجال في الطلاق ونادرا ما كان يحدث، أما اليوم فحدث ولا حرج.
    في رأيي الرخص في الزواج مسألة إيجابية من حيث المبدأ ولها مصوغات وجذور في الدين الحنيف وتساهم في الوقاية من أمراض متعددة مثل الإنحراف وظاهرة اللواط مثلا التي إنتشرت في مجتمعات كثيرة جعلت تكاليف الزواج عندها غاليا ولا تكاد تسمع في المجتمع الصومالي بسبب الزواج الرخيص وبالتالي عدم الإضطرار إليها عند الرجال حيث إن من السهل أن يتزوج الرجل وهو معدوم ويطلق بعد فترة وجيزة وهذا خير في كل الأحوال من الإنجرار إلى ظاهرة خبيثة مثل الفاحشة أو العادة الخبيثة وغيرها التي كان قد يفكر بها للتعويض عن حرمانه الجنسيي.
    وأمر آخر يساهم في كثرة الطلاق وتعجيله هو الخاتان الفرعوني، إنه مركوز في نفس المرأة الصومالية وطالما إنها مختونة بالختنان الفرعوني فهي لا تعطي لعش الزوجية الأهمية التي يستحقها ولا يعني لها الشيء الكثير بما أنها لا تجد منه الحلاوة القصوى لكى تفكر مرتين قبل طلبه من زوجها أو الموافقة عليه إذا تقدم به الطرف الآخر في البيت ومن هنا يصبح الطلاق والختان الفرعوني أمران متلازمان يجب محاربتهما بنفس الطريقة والمنهج وبالأدوات الحكومية بما أنها الجهة الوحيدة التي لها إجراآت عقابية. ويبقى الطلاق المستشري بمجتمعنا في نهاية المطاف مسألة تحتاج إلى دراسة متأنية للخروج بحلول مرضية تخفف عنه على الأقل أو تجعل له تبعات عقابية في الدستور الصومالي مثله مثل الختان الفرعوني تماما بالتمام.

%d مدونون معجبون بهذه: