الصومال واليمن… هجرات متبادلة

الصومال واليمن من البلدان العربية والإسلامية، ولهما حدود بحرية، وهي البحر الأحمر، والبلدان لهما علاقات حميمية وتاريخية على مر العصور.

بعد انهيار الحكومة المركزية في الصومال هاجر الصوماليون بمختلف أعمارهم وأجناسهم إلى العالم برا، وبحرا، وجوا، وخاصة إلى دول الجوار، واليمن من البلدان التي هاجر إليها الصوماليون عابرين البحر الأحمر، وكذلك عندما يذهبون إلى المملكة العربية السعودية كان اليمن ممرا لهجرتهم غير الشرعية إلى بلاد الحرمين.

والجدير بالذكر أن مدينة بوصاصو الساحلية الخاضعة لإدارة بونتلاند الصومالية هي مركز المهرِّبين الصوماليين الذين يأخذون مقابلا ماليا متواضعا من المهاجرين الصوماليين والإثيوبيين الذين يرغبون في الوصول إلى اليمن وبعد ذلك إلى السعودية بحثا عن عيش أفضل كما يعتقدون، وإدارة بونتلاند حاولت محاربة التهريب ولكنها في الحقيقة فشلت في ذلك.

وبحسب روايات من خاضوا تلك التجربة فإن المهرِّبين يستخدمون سفنا مصنوعة من الخشب لا تلائم إلا عددا قليلا من الركاب، وبعد وصول السفينة منتصف البحر تبدأ الحسرة والندم ويخاف المهربون أن تغوص السفينة تحت سطح الماء، وأن يغرق الجميع، ثم يبدأ الصراخ والبكاء بين الركاب، وبعد ذلك يجبر المهربون أشخاصا من ركاب القارب على إلقاء أنفسهم في البحر مثل البضائع لتخفيف الوزن من السفينة، وهذا أمر معلوم لدى الجميع؛ ومع ذلك يصر كثيرون على سلوك نفس الطريق دون خوف من ويلات عملية التهريب وسوء معاملات المهربين.

وبعد سفر طويل وشاق تصل السفينة إلى شواطئ اليمن، وينزل المهاجرون الناجون إلى الأرض جائعين لا يملكون شيئا، ويتجهون إلى مقر المفوضية السامية اللاجئين في اليمن لتسجيلهم ولمساعدتهم، ثم يتم نقلهم إلى المخيمات المشهورة لدى الصوماليين مثل مخيمات الجحيم والخرز وبساتين في اليمن.

والأمر المؤسف هو أن الذين تم رميهم في البحر أثناء السفر تطفو جثثهم بعد أيام على شاطئ البحر، ويتم دفنها هناك دون علم أهاليهم وأقاربهم.

والنزوح أو الهجرة من وطنك إلى وطن أجنبي فقير مشكلة كبيرة جدا؛ لأنك أول مرة ستغير اسمك الحقيقي، وتصبح لاجئا ثم تعيش حياة غير صالحة، ولا تجد مقومات الحياة الأساسية مثل مياه صالحة للشرب، ومسكن مريح ، وتعيش تحت مخيم ضيق لا يتسع أفراد العائلة، وليس هناك تعليم أساسي، وستكون مشروعا لا ينتهي لمنظمات غير حكومية لا ترحم بل ترعى مصالحها الخاصة، انظر ماذا يجرى في مخيم دداب، نصف مليون صومالي يعيشون هناك، ولا يستطيعون العودة إلى وطنهم لأسباب معروفة وغير مفهومة في بعض الأحيان.

وبعد حروب أهلية ونزوح دام ٢٤ سنة تقريبا في الصومال تحولت الأمور إلى عكس ذلك.

في عام ٢٠١١م عندما بدأت الثورات العربية أو ما يسمى بالربيع العربي، اليمن كانت من بين تلك الدول، وواجهت زلزالا سياسيا وصراعات داخلية ومظاهرات شعبية أدت إلى الإطاحة بالنظام السابق، ولم تهدأ الأمور بعزل الرئيس السابق، بل اشتدت الأحوال سوءا بعد سنتين تقريبا عندما ظهرت جماعة الحوثى المسلحة المدعومة من قبل إيران، وأصبحت شريكا مع الرئيس المخلوع، وبدأوا يسيطرون على المدن والمنشئات الحيوية للدولة حتى حاصرو الرئيس هادي في القصر الرئاسي في صنعاء وأجبروه على التنحي من السلطة، ولكن بعد أيام اختفى الرئيس هادي من محبسه ودخل عدن متسللا ، ومنها إلى السعودية ، وأعلن في الرياض أنه الرئيس الشرعي لليمن، وأنه تم انقلابه من قبل الحوثى والمخلوع.

ومع بداية هذا العام بدأ تحالف عربي مكون من أكثر من عشر دول بقيادة السعودية غارات ضد الحوثيين والمخلوع، وسميت هذه الحملة بعاصفة الحزم، مما أدى إلى مقتل وجرح الآلاف في صفوف المدنيين، وفرار المواطنين اليمنيين واللاجئين الصوماليين معا إلى الصومال بنفس الطريقة التي دخل الصوماليون إلى اليمن قبل عشرين عاما؛ ألا وهي السفر عبر البحر الأحمر، ولكن هذه المرة بسفن منظمة وهجرة شرعية ليست كسابقتها، والسفن تنطلق من ميناء مدينتي المكلا والمخاء، ويصل يوميا الفارون إلى مدينتي بوصاصو أو بربرا الساحليتين في شمال الصومال، ويظهر من وجوههم أثر الجوع، والعطش، والتعب، واليأس، والحزن، ليس لديهم شيء، بعضهم مرضى، وربما مات بعضهم في السفينة أثناء السفر.

ولكن بفضل الله قام الشعب الصومالي المعروف بالكرم والضيافة، وبدأت حملات إغاثية لمناصرة الصوماليين العالقين في اليمن؛ ليعودوا إلى وطنهم ثم وصولهم إلى مناطقهم الأصلية.

وأيضا إخواننا اليمنيون غادروا وطنهم ولأول مرة فارين من القصف المدفعي الثقيل وحرب الشوارع التي اندلعت في المدن، بعضهم فر إلى جيبوتى والبعض الأخر إلى الصومال تاركين بيوتهم وأموالهم بسبب الحروب الدامية في وطنهم، وجاءوا إلى الصومال الجريح، وأصبحوا ضيفا عزيزا لدينا ؛ لذلك يجب على الصوماليين استضافتهم ومساعدتهم؛ لأننا كنا مثلهم قبل عشرين سنة، واستضافونا ورحبونا بوطنهم.

 ونرجو أن تثمر كل جهود المصالحة للفرقاء اليمنيين؛ لتستقر الأمور، وليعود المهاجرون إلى وطنهم سالمين.

وندعو الله أن بجعل العالم العربي آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين.

%d مدونون معجبون بهذه: