زواج ترانزيت

 في ثرثرة نسوية جمعتني مع سيدة بدت لي وكأنها في العقد الرابع أو الخامس من العمر داخل إحدى الصالونات النسائية، وبدون سابق معرفة قررت هذه السيدة أن تقترب مني وتبدأ بحديث يصح أن نسميه بأنه كان حديثاً أحادي الجانب والمقصد منه ربما كان قتل لحظات الانتظار ، و بعد فترة قصيرة من تجاذب أطراف الحديث أخبرتني بأنها من مواليد مدينة مقديشو، وأنها تركت الوطن إثناء الحرب الأهلية، وطارت إلى كندا، وبعد فترة من إنجاب طفلها الأول قررت الهجرة مرة أخرى إلى السويد ؛ لأن الحياة هناك أفضل، وفي أثناء ذلك تنقلت بين السويد وبعض الدول الاسكندنافية ، وبعد إنجابها عددا من الأبناء رأت بأن تربية الأولاد لا يمكن في بلد لا يدين بدين الإسلام؛ فحزمت الحقائب، وكانت الوجهة شبه الجزيرة العربية، وتحديدا المملكة العربية السعودية، وبعد مضي سنتين في بلاد الحرمين تحركت نحو السفر إلى القاهرة،  ومنها إلى الصومال الذي دار فيه بيننا هذا الحديث.

 وطوال هذا الحديث لم أشارك فيه إلا بسؤالين، وهما : ماذا بعد الصومال ؟ فكان الجواب..  إلى القاهرة مرة أخرى ، وسألتها أين يقع بيت الزوجية ، فكان ردها مفاجئاً بالنسبة إليّ، فقالت : حسب الظروف نجتمع في بلد لمدة شهر أو شهرين كل سنة أو ربما كل سنتين؛ لأن الزوج يعمل في كندا، ويرفض مغادرتها ، وهي تعاتب عليه لتقصيره بحقها وحق الأبناء ، وإنها لا تجد له أي شفيع أو مبرر في هذا التقصير، ووعدت باتخاذ إجراءات لإنهاء هذا الزواج الذي وصفته بالشكلي بلا مضمون. وقبل انتهاء حديثي معها دعوت الله لها بوصول سالم وآمن إلى قاهرة المعز وأن تفكر جيداً بقرار الانفصال .

بعد ذلك استغرقت في تفكير بتلك السيدة التي أبدت الشجاعة والقوة والتي تصدرت المشهد العائلي، وتسلَّمت قيادة سفينة الأسرة منفردة، عوضاً عن المشاركة مع ربان السفينة الأساسي ، وهو (الزوج) في محاولة منها للوصول إلى نجاة دنيوية وأخروية ، وأيضا فكرت في الأسرة التي فقدت الاستقرار، وفي الزواج الذي أشبه ما يكون بزواج حسب الظروف . هنا لا أتحدث عن الأسرة التي فقدت الاستقرار، ولكن حديثي عن الزوجة التي قابلتها، والتي رغم ما أظهرت من قوة فهي ليست بتلك الصورة التي رسمتْها لنفسها، هي في الحقيقة أنثى رقيقة حملت فوق كاهلها مسؤوليات ضخمة شاءت الظروف أن تحمِلها، فهي تعيش حياة كلها تضحية وإثارة من أجل أسرتها، ومن جملة ما ضحت به (الزواج ) وما هذه السيدة إلا نموذجا لكثيرات يتشارك أفراد المجتمع الصومالي قصصهن على الأرض الواقع من زوجات فقدن المعنى الحقيقي للزواج .

وهي من الانكسارات التي أصابت الشعب الصومالي في العقدين الماضين، إنه انكسار عميق طال الحياة الزوجية؛ فتغيرت المفاهيم المتصلة بقدسية الزواج بسبب الظروف التي استجدت على حياة الفرد الصومالي من هجرة داخلية أو خارجية ، فبعد أن كان الزواج – من رغم بساطته – يبقى متيناً، ويستمر الزوجان في العيش تحت ظل الحياة الزوجية رغم من كل الظروف و تحت رعاية الأهل وتوجيهات الأكبر سناً ، والذي ساهم في تقليل نسبة الطلاق وساعد في رفع مستوى الاستقرار الأسري وشعور الأبناء والأحفاد بالانتماء النفسي والروحي للبيت الكبير والمحصن الثابت والمد المجتمعي المحيط، وهذا النوع من الزواج موجود إلى الآن ولكن الذي استجد هو أن العلاقة القائمة بين الزوجين غدت في بعض الحالات تخضع لظروف المحيطة، وأصبح من المتيسر أن تفقد العلاقة أحد أهم ملامحها مثل العيش المشترك في مكان واحد ، ضمن منزل قائم، ويتم التنازل عن هذا الركن الأساسي من أجل ظرف مثل الظرف الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو حتى التطويري لأحد أفراد الزوجين ، و لا يمكن تجاهل النتائج هذا التغير على كل من الزوج الذي يشعر بأنه مهمش ووحيد ومهضوم الحقوق ، وأنه يتحمل تبعات اقتصادية لا يعلم ما هي نتائجها ، وعلى الزوجة التي تعيش انقلاب الأدوار وتتابع المسؤوليات، ودون شعور منها أخذت المنحى الاسترجالي مما أرهقها وأضعف قدرتها ، وهذه التبعات ساهمت في تفاقم الخلافات الزوجية، وعمق فكرة الفردية لكل طرف؛ بحيث ينظر كلاً من الزوج والزوجة الأمور على أنها أمور شخصية تخصه هو ؛ مما يجعل التنازل أمرا صعب المنال ، في حين كان من المفترض نظر الأمور من منظار أوسع وأكثر مرونة و أكثر قابلية لتسوية الأمور حسب مصلحة الأسرة وأيضاً لإنجاح الزواج .

إن الهدف الرئيسي لتأسيس بيت الزوجية هو تحقيق السكينة بجميع معانيها ولا يتحقق ذلك إلا من خلال العيش المشترك في مكان واحد ، صحيح ” للظروف أحكام ” ولكن تبسيط الأمر و اعتباره تحصيل حاصل هو بحد ذاته يفتح مجالا لتبرير حالات الزواج الذي أسميته بزواج ترانزيت أو زواج محطات مؤقتة على اعتبار أن الزوج في مكان والزوجة في مكان آخر، ويتم الالتقاء في محطات متقاربة في بادي الأمر، وتغدو متباعدة مع طول المدة . وقد قال الحكماء إن الابتعاد والافتراق يوقدان من جديد الأشواق” وإننا نقول إن المبالغة في الابتعاد تهدم ما كان موجوداً في الأعماق .

3 تعليقات

  1. مقال رائع جدا، ويعبر حقيقة عن مشكلة حقيقية تعيشه كثير من أسرنا.
    أهنئ الكاتبة بطرق هذه الموضوعات الاجتماعية في وقت كثر الإغراق في المسائل السياسية والجدل الحزبي والإقليمي المشرذم!

  2. السلام عليكم ورحمته وبركاته وصلاة والسلام علي حبيبنا ورسولنا محمد وعلي اله واصحابه الكرام وبعد ان حال الأسر الصومالية حاله تصعب تحليلها او الكاتبه عنها وفي رايي المتواضع تحتاج الي دراسات متخصصة من علماء الاجتماع لان حال الاسره الصومالية خصوصاً في الدول الغريبه هي كحياة البدي الرحل تراهم كل عامين ينتقلون الي بلد جديد ويساعدهم سهولة التنقل بين الدول الاوربيه خصوصاً وعموماً سهولة التنقل بين الدول ما يسمي العالم الاول فتري الاسره الصوماليه تتنقل بين هذه الدول ليس للسياحة ولكن للعيش فيها فإذا اتصل احد الاقارب او الاصحاب وأخبرهم ان البلد الفلاني الحية أفضل شدوا الرحال اليه وإذا فشل ابنهم في التحصيل الدراسي انتقلوا الي بلد جديد وعادتاً ما تسمع مثل هذه السيدة قولهم لا تستطيع ان تربي أطفالك ال في بلد إسلامي وينسون ان مدارس تحفيظ القران ودراسة الدين في كل حي في كل بلده اوربيه حالياً وان المطلوب من اؤلياء الأمور ان يربوا الأطفال في مكان مستقر لكي يكونوا صداقات ويطوروا انتماءات في البلدان اللذي يعيشون فيه لكي يحسوا ان لهم قيمه في مكان ما وأنهم ممكن ان يتطلعوا الي ان يصبحوا مواطنين ذات قيمه في هذا البلد وفوق هذا ان يعرفو ان الاسلا اعتقاد وشعائر وطريقه في الحياة وليست مرتبطة ببلد إسلامي او عربي وياما هناك بلد غربي يوفر لك الفرص والامكانيات في ان تعيش حياه اسلاميه كريمه أفضل من كثير من البلدان الاسلاميه التي يعشقها الصوماليون وَيَا ما راينا الراكعون من هذه البلدان يهزون رؤوسهم لما تسألهم لماذا رجعت والشئ الاخر ان الآباء والامهات الصوماليون دائماً يلومون أحداً آخراً او بلداً آخراً او طريقة حياه لشعب اخر ولا يعترفون بفشلهم في تربية اطفالهم أبداً كم ان كل قبيله صوماليه تلوم جميع القبائل الآخري في ماسي الحرب الأهليه وما آلة اليه البد وكل السماء التي اهدرت فهي قبيله طاهره عفيفي وكل القبائل الآخري هم الاشرار و السلام

%d مدونون معجبون بهذه: