هل راودتك فكرة الهجرة اليوم ؟

الهجرة بمفهومها المتداول اليوم تعني انتقال شخص أو مجموعة من الأفراد من موطنهم الأصلي إلى بلدان أخرى بغرض الاستيطان والإقامة الدائمة، والهجرة وإن كانت ظاهرة واكبت حياة الإنسان منذ فجر التاريخ ، إلا أن قيام جموع غفيرة من البؤساء والفقراء برحلة يائسة في عرض البحر الأبيض المتوسط باستقلالهم لقوارب متهالكة تكاد لا تصمد في وجه أمواج البحر العاتية ، ووقوعهم في براثن الهلاك والموت الجماعي بغية الوصول إلى القارة الأوروبية حوّل الهجرة إلى قضية مقلقة ومؤرقة للمجتمع الإنساني والحكومات المعنية على حد سواء ، وبات الجميع يتحدث عن أهمية البحث عن الأسباب والدوافع الحقيقية التي تحمل المهاجرين علي المخاطرة بحياتهم ، ومواجهة الموت المحقق في أعماق الأبيض المتوسط، وإيجاد السبل والوسائل الكفيلة بوقف هذه الكارثة الإنسانية التي تتفاقم يوما بعد يوم .

المبررات التي تدفع المهاجرين بمختلف جنسياتهم وخلفياتهم الاجتماعية للتضحية بحياتهم وأموالهم وركوب قوارب الخطوب والمخاطر والارتماء في أحضان البحر المتلاطم الأمواج تكاد تكون متشابهة ، فالبطالة المستفحلة في بلدانهم والفقر المدقع وقلة ذات اليد وتدني مستوى الدخل والاضطهاد السياسي وانسداد الأفق وعدم القدرة على توفير متطلبات الحياة كلها عوامل تدفع الإنسان لمحاولة الانسلاخ من الواقع ، والنظر إلى مرآة الحياة من زاوية التشاؤم والشعور بالحرمان ، والارتحال نحو المجهول ، والهدف الأسمى الذي يحفز المهاجر لتكبد الأخطار والمصاعب واستسهال الأكدار والمتاعب هو تحقيق حلم ” الفردوس الأوروبي ” الذي لطالما تراقص في عينيه، والمتمثل في الحصول على فرص حياة كريمة ، وتأمين وظيفة مرموقة بعائد مادي واعد ، وتوفير مستلزمات الحياة من سكن لائق وتعليم راق وصحة جيدة ، لكن صورة الواقع المعيشي في ” جنة الشمال ” ليست وردية دوما كما يرسمها المهاجر في مخيلته ، فالمحظوظ من المهاجرين والذي نجا من أنياب الأبيض المتوسط ينتهي به المطاف إلى الإقامة بشكل مؤقت في مخيمات اللجوء التي تعاني من التكدس والإهمال في أوروبا ، ويجد صعوبة بالغة في الاندماج والتأقلم مع المجتمع الأوروبي المغاير له في اللغة والعادات والتقاليد وربما الدين ، ووارد أن يتراءى له شبح البطالة والفقر والحرمان من جديد بعد طيّه لمئات الأميال من الصحاري الجرداء والبحار الهوجاء فرارا منه !!

ينحدر معظم المهاجرين من دول أفريقية وإسلامية ، فالصومال مثلا يحتل مركزا متقدما في ذلك حسب تقارير الأمم المتحدة ، والمئات من الصوماليين ابتلعهم البحر أو ماتوا في ظروف غامضة على أيدي مافيا التهريب وعصابات النصب والاحتيال منذ سقوط نظام الرئيس محمد سياد بري عام 1991 ، وتعتبر نسبة الهجرة المرتفعة إلى الغرب استنزافا بشريا هائلا للصومال ، نتيجة لتوجه مئات الآلاف من أبنائه نحو الهجرة والارتحال ، ولم تعد حمى الهجرة تصيب الفقراء وذوي الدخل المحدود من الصوماليين فحسب ، وإنما تعدت للطبقة الوسطى من المجتمع وبعض الميسورين والمتعلمين؛ حيث تبين أن عددا لا يستهان به من الطلبة الصوماليين الدارسين في جامعات دول الجوار قاموا برحلات محفوفة بالمخاطر في السنوات الأخيرة للوصول إلى السواحل الإيطالية ؛ وذلك بعد التخرج أو أثناء الدراسة الجامعية ، وهذا أمر له دلالته وخطورته على الأصعدة كافة؛ لأن هجرة الأدمغة والعقول تشكل انتكاسة كبيرة وخسارة فادحة لأي مجتمع خاصة لو كان في طور التطور والبناء .

 قضية الهجرة الجماعية بين أوساط الشعب الصومالي من مختلف الشرائح والخلفيات الاجتماعية والفئات العمرية لم تلق حظها من الاهتمام والمتابعة والبحث والدراسة ، بل اكتفى الجميع بسرد أرقام الضحايا الذين هلكوا إما غرقا في أعماق الأبيض المتوسط ، أو عطشا في صحراء ليبيا الكبرى ، ولم يكلف أحد نفسه بعناء البحث عن حلول جذرية لهذه المأساة المتصاعدة ، أو الأسباب التي تدفع الشباب في عمر الزهور لركوب ظهر البحر والتوجه نحو المجهول ، والمدهش أن كارثة الهجرة وما يحيط بها من مآسي وبوائق لم تحرك شعرة في رأس الحكومة الصومالية ولم تعرها الاهتمام اللازم ، حتى بعد تحول ” الأبيض المتوسط ” إلى مقبرة جماعية لمئات الفقراء والبسطاء الهائمين على وجوههم؛ حيث أعلنت منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة أن 1750 مهاجرا قد لقوا حتفهم في المياه الإقليمية الإيطالية منذ بداية العام الجاري ، وهو رقم ينبئ عن مدى فداحة الكارثة وخطورة المأساة ، وغني عن الإشارة أن نسبة كبيرة من هذا العدد من الصوماليين والجنسيات الأفريقية الأخرى .

%d مدونون معجبون بهذه: