ماذا يعني أن تعايش المسلمين الجدد ؟

لقد يسر الله لي أن أعايش وأخالط حوالي 50 من المسلمين الجُدد من كل أنحاء أوربا طوال خمسة أيام متتالية من 24 أبريل إلى 29 منه، وفي مُخيم شبه مقفول. وحرصت أن أستمع إلى قِصصهم وأحوالهم والأسباب التي جعلتهم يعتنقون الإسلام ويتركون أديانهم وأعرافهم ومعتقداتهم القديمة بكل شغف، وبخاصة والأغلبية منهم قد دخلوا الإسلام في السنوات 12 الماضية – أي بعد أحداث 11سبتمبر 2001.

وكلهم من دُول الاتحاد الأوربي الذي يشُنّ إعلامه هجوماً شرساً على الإسلام والمسلمين ويتَهمُهم بالإرهاب والقتل وإهابة المرأة وعدم رعاية حقوق الإنسان وغيرها من التُهم الباطلة المعروفة.

وقد لاحظتُ ما يلي:

أن أغلبهم كان ممن يكره الإسلام كُرها شديدا ولا يكاد يسمع اسم الإسلام إلا وقد أصابه الغضب الشديد والاشمئزاز، فمنهم ما كان مُتدينا ومُتعصبا إلى دينه الكاثوليكي أو البروتستانتي، ومنهم من كان مُلحدا لا يؤمن بدين ولا بإله ولا بأي عقيدة بل كانت تسُوقه الأهواء والشهوات والموضة والإعلام وغيرها. وقال كل واحد منهم بلا استثناء: إنه لما فكّر في الدين وجاءه الظرف القاهر لتغيير حالته الدينية فكّر في المسيحية الأخرى وفي اليهودية وفي البوذية ولم يفكروا في الإسلام إلا مُضطرين عندما انسدتْ أمامهم الأبواب الأخرى كلها.

والأدهى من ذلك أنهم لم يجدوا من المسلمين من يدعوهم إلى الله ويأخذ بأيديهم ويُقدم لهم الدعوة بأسلوب صحيح؛ الكلمة الطيبة، والكتاب الجميل، والصُحبة الصالحة، والموقف الصحيح، والدعوة إلى المسجد أو إلى المُحاضرة أو إلى المؤتمر الإسلامي…. وغيرها. ويا حسرتنا على ما فرطنا في ديننا الذي علّمنا (ومن أحسن قولا مما دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين…) (ولئن يهدي الله بك رجلا واحد خير لك من حُمر النِعم…)

بل الأخطر من ذلك كله أن بعضَهم عندما اقتنع أو كاد يقتنع بدخول الإسلام ذهب إلى المسجد – إلى المركز الإسلامي طلبا للمساعدة والتوضيح فوجد العكس تماماً : الإعراض والإهمال، بل بعضُهم نُصحوا من المسجد بعدم الدُخول في الإسلام والبقاء على دينه… عِـش رجـبا ترى عجـباً!!!.

وتأسفت كثيرا لمدى تقصيرنا في أداء واجب الدعوة إلى الله والسّعي لإقناع الناس ودعوتهم بالحُسنى وبالأساليب الشيقة الجميلة كما قال الحق (وقل لهم في أنفسهم قولا بليغاً…)

ومن البديهي إنّ الإنسان حتى بعد ما يقتنع ويدخل في الإسلام يحتاج إلى المتابعة والمصاحبة والمرافقة وتعليمه مبادئ الدين بطريقة مُيسرة ومُتدرجة ومتوافقة مع جنسه ومرحلته العُـمرية ومستواه التعليمي…. وتضمن له في الوقت نفسه كرامته وخصوصية حالته… بل أكثر من ذلك يحتاج إلى النصح والمشورة في أموره العملية – الوظيفية والعائلية والمستقبلية فضلا عن الدينية.

أما قصص أسباب اقتناعهم بالإسلام فهي العجب العُجاب فمنهم من كان سبب دخوله في الإسلام بسبب مرض نفسي ألم به وأتعبه حتى أصابه اليأس من الشفاء ثم وجد من يقول له ربما لو دخلت في الإسلام يكون فيه علاجك!! وهو يكره الإسلام….إلخ.

هل سبق لأي مسلم أن فكّر في حال امرأة أسلمتْ بعد معاناة شديدة وكان لها زوج وأولاد وأملاك وأقارب وأصحاب…. والجميع يبدأ يعاديها ويشتمها ويُهينها وتضطر أن تترك بيتها وزوجها وأولادها وأملاكها… وليس معها أحد من المسلمين ينصحها ويُرشدها ويواسيها ويقف إلى جانبها!!! فتقول أبيت الليالي الطوال: أدعو ربي أن يُيسر لي من أمْري رشدا…. وبعد ما يقرب من سنة بدأ زوجي يغير من موقفه قليلا وفكّـر في اعتناق الإسلام… فتستبشر بأن الله قبل دعوتها وفرّج كربتها.

ومنهم من كان سببُ تعرفه على الإسلام أحداث أليمة وقعتْ عليه وأوجعتْه وأفقدتْه مكانتَه وعملَه ثم بدأ يُفكر في النجاة والخروج من المأساة التي هو فيها وقاده حُسن طالعه إلى السؤال عـن الإسلام والتَعرف عليه!!!

ومنهن من كانتْ محظوظة؛ وتزوجتْ رجلا عربيا (ليس له من تعاليم الإسلام نصيب كبير…) وبعد مُدة أخذها إلى المسجد وقال للإمام لقنْ لها الشهادة… وأرجعها إلى البيت دون أن يُعلمها أيا من تعاليم الدين، وبقيتْ معه هكذا لا تعرف ولا تُمارس أياً من أحكام الدين إلى أن يسّر الله لها من المجتمع المسلم من دعاها إلى المسجد والى الدروس حتى تعلمتْ وتحجبتْ…. والحمد لله .

وعدد قليل منهم كان سبب تعرُفه على الإسلام حُب الاستطلاع والبحث عن الجديد بعد أن ملّ مِن تعاليم الكنيسة المتناقضة وروتينها السيئ، وكانتْ الصّدمة أن إجابات القساوسة كانت أسوأ من مُعتقداتهم البسيطة فكان ردهم على القساوسة أن خرجوا من دوامة الإله المثلث أو الثُلاثي إلى البحث عن صفات الذّات الإلهية في الإسلام حتى وجدوا الإجابات الشافية في (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلدْ ولم يولدْ….)

وكان من بين الأشياء القليلة السارة أن بعضهم وجد بعد اقتناعه من يأخذه إلى المسجد، وعندما أعلن الشهادة وجد مجموعة من المسلمين تأتيه وتُعانقه وتُهنئه وتبارك له وتفرح بما فعل… فأصبح هذا الموقف نقطة تَحول كبير علقتْ في أذهانهم ويتذكرونها بكل فرح ومحبة وأصبح هذا اليوم بسبب هذه التهنئة العفوية محفورا في ذاكرتهم.

يا سبحان الله لنتخيل: ماذا كان يحصل لهم… لو وجدوا من المسلمين من يُقدم لهم الهدايا والاستضافة الجميلة (حق المؤلفة قلوبهم الواجب علينا في أموالنا وجُهودنا وأوقاتنا) ويسأل عن حالهم ويَعرض عليهم المُساعدة والمشورة…

وكان من الملاحظ أنهم يفرحون بكل ما يُقدم لهم؛ واحد منهم قال لي أنا سعيد؛ لأنني رفعت الآذان اليوم، وكان هذا حُلما كبيرا أن أرفع آذان الصلاة للمصلين.

وآخر وجد فرصة ليتحدث مع حارس الفندق وطلب منه أن يردد له ويُعلمه سورة الفاتحة (وربما كان المسؤول أقل مُستوى من السائل…)

وكان سؤال عجيب: ما هي أصعب الأوقات بالنسبة لهم منذ أن أسْلمتم؟

فكان جوابهم : إن أصعب أيامنا في الإسلام هي الأعياد؛ لأن المسلمين يذهبون لزيارة أهاليهم وأقاربهم وأصحابهم ويتركوننا نحن في بيوتنا وربما في المساجد!

وهم تركوا أهاليهم وأصحابهم وأديانهم وأعيادهم ومذاهبهم وربما أزواجهم من أجل ديننا وعقيدتنا، ولهم علينا حق أن نهتم بهم ونُواسيهم ونكون لهم أهلا وأصحاباً وأحبة بعد أن تركوا أهاليهم وأصحابهم وأحبتهم القدماء.

وهنا أحب أن أسأل نفسي وإخواني بشرط أن تكون إجاباتنا صادقة ومُعبرة عن ضمائرنا وأفعالنا

  • هل حرصْنا أن نكون سبباً في دخول أي أحد في الإسلام: بالدعوة المباشرة أو بالدعاء له أو بالمُصاحبة أو تقديم خدمة هادفة له أو غيرها من الوسائل؟
  • هل قمنا بأي جهد حقيقي لنشر ديننا ودعوة غير المسلمين إلى الإسلام بالحُسنى وبالحكمة؟
  • هل حاولنا أن نقدم أي مساعدة لمسلم جديد: مُصاحبته- تعليمه – التصدق عليه… أو غيرها لتثبيت إيمانه وتأليف قلبه على الإسلام؟
  • هل تأكد لدينا أن أي أحد ندعوه إلى الإسلام يكون لنا فيه أجر كبير، ونكون سبباً لنجاته من النار، نصْر للإسلام من غير حرب وخسارة على أهل الشرك والضلال….؟
  • هل حرصنا على أن نكون في مُعاملاتنا وأخلاقنا دُعاة إلى الله وسببا لمحبة الإسلام؟ أم نتعامل مع غير المسلمين بالكذب والخيانة والخداع فنُنفر من الإسلام ونُبعد الناس عن ديننا !!

وأخيرا أقول: [ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ](سورة الممتحنة: 5 )

اللهم اهدنا واهد بِنا واجعلنا سببا لمن اهْـتدى.

%d مدونون معجبون بهذه: