الشعب الصومالي بين الشفاهية والكتابة

لم تكن الأمة الصومالية في تاريخها الطويل أمة تدون الأحداث وتكتب الوقائع والأخبار، وتسطر التأريخ والماضي العريق، بل كانت أمة غارقة في الوسائل البدائية وتستخدم المشافهة والتلقي كوسائل رئيسة للاتصال اليومي، سواء كان هذا الاتصال داخليا أو خارجيا، وكانت الأمة تحفظ ثقافتها وأساطيرها، وألعابها الفلكلورية ورقصاتها الشعبية، وأيامها المشهورة، وحكاياتها المتناقلة جيلا بعد جيل بالمشافهة والارتجال، مما جعل الأرشيف الصومالي مليئا بالتراث الشفهي الخازن للماضي بكل تفاصيله، كما حفظ التراث الشفهي الصومالي بين دفتيه المحفوظة في الذاكرة الحية للصوماليين عادات وأعراف، وفنون، وأغاني، وأهازيج، وأشعارا شكل القلب النابض للثقافة الصومالية .

وتعد ثقافة الشفاهية والارتجال ثقافة شائعة وعادة منتشرة بين الشعوب والمجتمعات بشتى أنواعهم وأعراقهم وبلدانهم ، إذ نجد أنها كانت أعرق طريقة عرفتها البشرية لنقل الأخبار وحفظ التراث وتخليد اسم الحضارات، كما أنها كانت الوسيلة الوحيدة التي يعبر الناس فيها مشاعرهم وأحاسيسهم وخواطرهم الإنسانية، وكان الشعب الصومالي من بين هذه المجتمعات التي اعتمدت على طريقة النقل والتلقي ولم تعرف الكتابة والتدوين إلا لاحقا.

والأسباب الرئيسة التي جعلت الشعب الصومالي لا يكتب هو بعده عن المدن والتمدن، و الأنماط السلوكية السائدة للفرد الصومالي المائل إلى سرد الأفكار والأحداث وحفظ الوقائع والتفاصيل بدل الكتابة والتوثيق، إضافة إلى طبيعة الحياة التي كانت تدور أحداثها في البادية ومتعلقاتها، من المواشي، والزراعة، والفروسية، والأشعار، والحروب، سواء كانت الحروب صراعات خارجية ضد الأباطرة التي حكمت البلدان المجاورة، والشعوب القاطنة في شرق القارة، أو الحروب القبلية الداخلية التي كانت تبدأ من المساقي ومواطن الكلأ، أو الإبل محبوب الصوماليين في كل العصور، أو السمراوات الطوال وحفظ شرفهن، كما كانت أمة بدائية لم تصل إليها الكتابة وأدواتها التي دائما ما يعد صنوا للتمدن والحضارة.

ومن المفارقات العجيبة أن الأمثال والحكم والألغاز والأساطير والأدب والتأريخ والحكايات الصومالية الشفهية المتناقلة عبر الأجيال التي لم تُكتب بعدُ تُعتبر مخزونا ثقافيا هائلا وموردا علميا كبيرا فقدناه بسبب عدم التدوين والكتابة، كما يعتبر أكثر بكثير من المكتوب سواء كتب في اللغة الصومالية، أو العربية، أو الإيطالية، أو الإنجليزية لاحقا، وهذا مما جعل الصومال بلدا غامضا تأريخيا، وشعبا لا يُعرف عنه إلا النزر القليل حتى بين أبناء محيطه الإفريقي والعربي.

إذ من العجب أن نجد أن معظم شعوب العالم لا يعرفون شيئا عن ماضي الصومال وتأريخه وتراثه، رغم أن أعدادا هائلة من الصوماليين يعيشون في جميع القارات المأهولة، وذلك بندرة الكتب المتناولة لهذه القضية بعيون صومالية منصفة تعرف الماضي بكل ألوانه وتفاصيله، وتحمل لهذا الوطن حبا يقود إلى الحقيقة وسبر أغوار الماضي، والانعزالية الفطرية للإنسان الصومالي الذي لا يحب أن يشارك مع غيره أحداثه الخاصة، وحكاياته الشعبية، إضافة إلى التعصب الشديد للغة الصومالية المحلية، والحالة الشفهية السائدة إلى يومنا هذا في حياة الصوماليين.

ولا يجد الباحث الغربي أو العربي كتبا تتعلق بالشأن الصومالي أرضا وشعبا، سواء كانت سياسية أو ثقافية أو دينية لقلة الكتابة والتأليف عكس الروايات الشفهية التي يحفظ منها الشعب الصومالي كما هائلا منها، ورغم التغير الكبير الذي طرأ على الحياة الصوماليين من الحروب والصراعات والهجرات الكثيرة إلى شتى أنواع القارات المأهولة، مازالت الرواية الشفهية سيدة الموقف والطريقة الوحيدة التي يتناقل عبرها الأجيال أحاسيسهم ومشاعرهم وحالاتهم الإنسانية.

وبعد الانهيار والهروب إلى أصقاع العالم أنتج التبعثر الجغرافي حالة جديدة للشعب الصومالي، وحوّل الصوماليين من شعب شفاهي لا يكتب بل ينقل الأخبار والأحاديث والتأريخ والخلجات الإنسانية والخواطر اليومية في الأشعار والحكم والألغاز ، إلى شعب يكتب ويسجل ويساهم في تنمية وإثراء المعرفة، ويعرض تأريخه وتراثه للخارج عبر الكتابة المنظمة والسطور المقروءة، ورغم أن المحاولات الخجولة للكتابة بشتى أنواعها بقيادة العلماء وأهل التصوف والطرقات الدينية كانت موجودة في الماضي، إلا أنه ظهر من الصوماليين كتاب ومؤلفين وروائيين عالميين في النصف الثاني من القرن المنصرم أمثال: نور الدين فارح، و أو جامع عمر عيسى، وإبراهيم عبد الله ماح، وآخرون قدموا إسهامات جليلة وكتب نفيسة عرفت العالم الصومال بلدا وشعبا.

ورغم ذلك يعتبر الجيل الحالي من الصوماليين الأكثر إنتاجا وأغزر كتابة، ومن أحسن كتاب هذا الجيل أي مواليد بعد الثمانينيات من القرن المنصرم:

  • محمد علي ديرية صاحب الرائعة الشهيرة (إلى كراكاس بلا عودة) وهي رواية أدبية شائقة نالت الإعجاب محليا وعالميا، كما ألف رواية جوع الضفاف رغم أنها لم تصل بعد إلى الصومال حسب علمي.
  • أنور أحمد ميو صاحب كتاب تأريخ القبائل الصومالية، ونيل الآمال في تراجم أعلام الصومال
  • محمود محمد حسن عبدي الكاتب والأديب الصومالي صاحب القاموس الأول الذي هو أول قاموس عربي صومالي.
  • محمود عبد الصمد صاحب كتاب الصحوة الإسلامية في الصومال.

ومن الكتاب المتميزين أيضا فاطمة على أبو بكر، وعمر على باشا، وكمال الدين شيخ محمد عرب، وسمية عبد القادر شولي، عبده مهد شرحبيل، وجبريل الكتبي، ومحمد الحمراوي، ورحمة شكري، ومصطفى البيدواوي، وفاطمة الزهراء أحمد، وآخرون شكلوا الأساس المتين لفن الكتابة في القطر الصومالي.

تعليق واحد

  1. فاطمة محمد حاجي حوش

    مقال رائع جداً .. والتدوين نحتاجه الآن أكثر من أي مرحلة زمنية معينة .. الأحداث التي شهدت الصومال في عقدين الماضيين يتطلب تدوين علمي بعيداً عن أي توجهه وبكل حياديه .. ربما مقالك يكون داعي لكتابة تاريخ الصومالي المعاصر .. اجدد شكري .

%d مدونون معجبون بهذه: