ثقافة السلام في الإسلام

إن السَلام من أسماء اللـه الحسنى قال تعالى (هُوَ الله الّذِي لاَ إِلـه إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدّوسُ السّــــــــلاَمُ)……فالله هو السلام أي الذي تسلم ذاتُه من العيب وصفاتُه من النقص وأفعاله من الشر…. وهو عزّ وجل خالق السِّـلم والسلام، ويُحب السّــلام لذلك سمّى أفضل ليالي السنة – ليلة القدر– سلام هي…. وجعل أعظم بيوته وأفضل بقاع الأرض بيت أمنٍ وسلامٍ وعبادة (ومن دخله كان آمِـنا…) وضمن للنّاس الســلام بما شرعه لهم من مبادئ وأحكام تمنع الاعتداء والبغي والظلم، فهو تعالى مصدر السّلم والسّـلام والأمن والأمان والخير والفضيلة.

فالله هو السلام وإليه يرجع السّلام ومنه يأتي السّلام، وجعل تحيتنا السّلام. والإسلام كلُه نزل في ليلة سلام وأمْن وراحة.… والإسلام ســلام في عَقيدته بين العقل والإيمان….. وسلام فيما بينه وبين أصحاب الأديان….. وســلام وإحْسان في مطالب الحياة الخاصة…. وسلام وبر فيما بين الآخذين بمبادئه وبين سائر الناس ما لم يقاتلونا في الدّين أو يُخرجونا من دِيارنا فعندئذ فقط يُسمح للمسلم أن يُصبح حربا على الظُلم والعُـدوان وذلك أيضاً في سبيل الســلام ومن أجل الســلام.

 والسلام لغة: مأخوذ من مادة سِلم، وهى تعنى السِـلم، والسَـلام، والسَـلامة، والتسليم، والاستسلام والسلام في الاصْطلاح: الاستعداد واتخاذ كل الوسائل المادية والمعنوية التي تمنع العدو من الاعتداء والإفساد والقتال الذي يُهدد النفس والعرض والعقيدة والأوطان حتى يتحقق السلام العام لكل الناس بل لكل الكون.

 وقد جعل الله بعثة حبيبنا محمد عليه السلام رحمة للكون كله {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} فكان الرحمةَ المهداةَ من السماء لسَـلام أهل الأرض الذي جعل المؤمنين به إخوة مُتحابين في الله مُتعاونين على الخير متسابقين إلى العلم والحكمة تحت شعار قوله الكريم (الخلق كلهم عيال الله، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله). وهو حمل لواء السّلام والمَحبة إلى البشرية كلها الهُدى والنور، والرحمة والرأفة. (إنما أنا رحْمة مُهداة)…. فالرّحمة والسّلم والسلام جاء بهما الإسلام للناس كافة. ولذلك كان من أشْهر مَواقفه وأقواله التي رسختْ معنى السلام والأمان… اذهبوا فأنتم الطُـلقــاء… وعندما كانوا يعتدون عليه كان يقول: “اللّهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون

 والسّلام في الإسْـلام يعنى الأمان والاطمئنان بمعنى أنك إذا سلّمتَ على إنسان فردّ عليك السلام فقد دخل مِنك في عهد وأمان من أن تناله بسُـوء. ثم إن لفظ الإسْـلام مأخوذ من مادة السِـلم والسَـلام. والسّــلام والإسْــلام يلتقيان في توفير الطمأنينة والأمن والسكينة لكل الناس.

والناس صنفان كما قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق. 

وإن من يراجع آيات القرآن الكريم ويتدبر فيها يُدرك ويتأكد أنّ الأصل في التعامل مع غير المسلمين هو تقديم السّـلام على الحرب، واختيار التفاهم وتبادل المنافع لا التصارع، ويكفي أنّ كلمة السّلم بمشتقاتها قد جاءتْ في القُـرآن الكريم مائة وأربعين مرة، بينما جاءتْ كلمة الحرب في القرآن الكريم بمشتقاتها ست مرات فقط! .

مَحطات نتزود فيها بالسلام:

تحـية الإسْـلام: إن الإسلام جعل السلام شعاره الأعلى واختاره تحية للمسلمين، حيث إن المُسلم إذا التقى بمسلم قال السلام عليكم…. وردّ عليه الآخر وعليكم السلام ورحمة الله…. بل المسلم مُطالبَ بإفشاء السلام على من عرف ومن لم يعرف. فالمسلمون دعاة إسْـلام وسَـلام…. “فالسّلام تحية لمِلتنا وأمان لذمَـتنا” وكأنّ السلام هو الآية التي ترددُها الألسن على أوتار القلوب ونغماتها في كل مناسبة. والسلام هو التحية العظيمة في ذلك اللقاء الرائع في الدار الآخرة بين المؤمنين وخالقهم حيث يبدؤهم بتحية السلام «تحيتُهم يومَ يلقونه ســلام وأعدّ لهم أجـراً كريماً». والملائكة أيضاً تستقبل وفود المؤمنين بهذا النشيد «ســلام عليكم طِـبتم فادخُـلوها خالدين».

 الصلاة تُختتم بالســلام: في آخر كلِ صلاة يُردّد المُصلي كلمة السلام ثلاث مرات حيث يقول: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) وهو سَلام على القائد والإمام الأعلى الهادي إلى صراط الله المستقيم محمد عليه السلام ثم يقول: (السـلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين) وهو سلام على المجموعة الصَالحة من العباد، وفي الختام يقول: (الســلام عليكم ورحمة الله وبركاته) وهو سلام على جميع من ينطبق عليهم الخطاب من المؤمنين الحاضرين والملائكة الشهود وبقية المخلوقات التي شهدتْ أداء فريضة الصلاة.

 فاتِحة الزِيارة: في أول كل لقاء بين مُسلمين وفي كل زيارة يكون شِعاره «فإذا دخلتم بيوتاً فســلّموا على أنفسكم، تحية من عند الله مُباركة طيبة» وتحية الإسلام تربط الإنسان بأخيه الإنسان وتُقوي الصِلات بينهم. وأولى الناس بالله وأقربهم إليه من بدأهم بالسّـلام، وإفشاء السَّـلام جُزء من الإيمان أيضا… لأنّ البادئ بالسّلام بريء من الكِـبر والحِقد والحسد والعداوة….. والمُسلم من سلم الناس من لسانه ويده… وهو في مجتمع يسلم منه ويُسالمه… وهو أيضاً الواقع العملي في سُلوك المسلمين حين لقائهم وفراقهم بتبادلهم شعار «الســلام عليكم». وحتى جوابهم رداً على الجاهلين هو السلام (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَــــلاَماً)

 الســلام في سُـورة القـدر: ويظهر من الآية المباركة في سورة القدر أن الله تعالى يُقدر السلام في كل شيء ولكل شخص، فإن الملائكة في ليلة القدر يأتون بمقدّرات العباد وبكل ما يكون في السنة المقبلة إلى الأرض: غائباً مستوراً أو ظاهراً مشهوداً، ويكون ذلك سَلاماً في كل أمر، سواء كان السلام فردياً أم اجتماعياً، وسواء كان في المال (الســلام الاقتصادي) أم في الأسرة كسلام الزوج والزوجة، وسلام الآباء والأولاد، أو في الصحة بدنيا أو نفسياً أو غير ذلك.

 الجنة دار السلام: فالجنة دار السلام كما قال الحقُ: (لَهُمْ دَارُ السّــلاَمِ عِندَ رَبّهِمْ) فإنها مستقر الصالحين. وأهل الجنة لا يسمعون من القول ولا يتحدثون بلغة غير لُغة السلام (لاّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاّ سَلاَماً)… وبهذا يظهر أنّ السّـلام هو شِعار المسلم يعيش من أجل الســلام وغايته الســلام – دار الســلام، وهذا هو السَّـلام الرُوحي هو الذي دعا إليه الرسول عليه السلام ملوكَ العالم وأمراء العرب بقوله في خطاب كل منهم «أسلم تســلم»…. فديننا ســلام في اسْمه، وســلام في تحيته….

وتحية اللـه للمؤمنين هي السّــلام (تَحِيّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَــلاَمٌ) وتحية الملائكة للبشر في الآخرة سلام (وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سَــلاَمٌ عَلَيْكُم).

وهنا أسئلة مهمة ينبغي أن يجيب عنها كل إنسان مُسلم صادق مع نفسه يُحب أن يكون من أهل السلام وممن ينشرون السلام .

هل أنا أعيش في سلام وأمان وطمأنينة مع نفسي مع ذاتي؟

أعيش في سلام وطمأنينة مع أهل بيتي وأسرتي وأقاربي؟

هل أنا مصدر سلام وأمان لأمتي التي أعيش فيها وأنتمي إليها؟

هل أنا مصدر رحمة وأمان للعالم والكون كله: أحب الخير للجميع، وأنشر الرحمة؟

وحتى تكون من أهل دار السلام في الآخرة، فهل أنت من صُناع السّـلام والخير والمحبة في الدنيا.

تعليق واحد

  1. Ac?aad ayad u mahadsanyahay ustadka weyn .wana lobahanyahay cilmigaan.

%d مدونون معجبون بهذه: