ربما ابني على متن سفينة إنقاذ

“ربما ابني على متن سفينة إنقاذ” هي عبارة مؤمِّلة ختمت بها إحدى الأمهات كلامها أثناء المُلتقى الذي عُقد في مدينة غرووي للتضامن مع الأسر التي تضررت من آفة التهريب برعاية من عدة وزارات على رأسها وزارة شؤون المرأة والأسرة بولاية بونتلاند الصومالية.

 وفي محاولة جاهدة منها لطمأنة وتصبير نفسها أكثر سردت تلك الأم للحضور قصتها، وذكرت أنها فقدت الاتصال بابنها في الثامن والعشرون من شهر مارس الماضي وهو على الشواطئ الليبية المتاخمة للبحر الأبيض المتوسط بعد أن أخبرها بأنه على وشك الرحيل، ومرَّت قرابة أسبوعين ولم تسمع منه أي خبر، كانت بحق أمّاً مفجوعة ، مفطورة الفؤاد ، تغالب الدمع ، كانت تتحدث بصوت تحاول أن تظهر بمظهر الشخص المتماسك القوي والقادر على مواجهة الأقدار بتجلد ولكن نبرة في آخر حديثها كشفت عن مقدار الخوف والألم وقلة الحيلة التي تعاني منها تلك الأم والذي يصح أن نصفها بأنها أم ثكلى لابن مجهول المصير.

وكل القصص التي ذُكرت بعد ذلك في نفس المحفل كانت متشابهة تحمل نفس القدر من المأساة ولكن مع فارق بسيط للنهايات ربما الأسعد حظاً من خُتمت قصته بالنجاة حتى وأن كانت النجاة بطعم الموت.

إن الحلم الأوروبي يستحق منا وقفه جادة وتأمل واقعي وتحليل عميق من جميع الجوانب التي تتضمن الأسباب والدوافع والمحركات الحقيقية والتي تدفع الشاب ليلاحق سراب حلم الهجرة وليس فقط سماع القصص والتعاطف المعنوي والمادي رغم أهمية هذا الجانب من باب الجسد الواحد إلا أن ذلك لا يكفي لأن هذا الحلم أستطاع أن يقتل بنجاح زهرة الوطن من يافعين ويافعات؛ وعليه هُدرت أموال الفقراء والأغنياء على حد سواء ، وبسبب هذا الحلم هناك من هو على فراش المرض أو فارق الحياة من وطأة الألم وصدمته ، إلا أن التجول على جبال الألب ونهر الويلز ومرتفعات هولندا وجليد السويد مازلت أيقونة يتغنى بها الشباب الصومالي .

من البديهي إذا تحدثنا عن الأسباب التي تدفع الصومالي إلى الهجرة يتبادر إلى الأذهان عاملي الاقتصاد والأمن خصوصاً الاقتصاد الذي أصبح الشماعة التي يعلق عليها جميع مشاكل القرن الأفريقي ، وهذا لا جدال فيه كون المال عصب الحياة ، وإن ضرورة خلق بيئة اقتصادية ولادة للمال، والتي تتطلب تهيئة الفكر التنموي، والعمل على تأسيس بنية تحتية اقتصادية للوطن تنتج اقتصادا وتسترجع المال الصومالي المغترب ، وإعادة استثماره مرة أخرى داخل الوطن، وخلق فرص استثمارية جديدة هي عملية لابد من البت بها، وهي الأمر الذي يجب أن يتحدث أو الأجدر أن يخوض فيها الباحثون في المجال الاقتصادي والمسؤولون عنه بصورة جادة وبدون تأجيل.

وهناك أسباب أخرى لا تقل أهمية ولكنها أسباب يمكن أن نسميها أسباب تحت الستار مثل غياب روح الهوية الوطنية، وهذا نلمسه عند الفرد الصومالي بصور متفاوتة من خلال تنامي الانتماءات المناطقية والقبلية أكثر من انتماء وطني وارتباط نفسي وعاطفي لتراب البلد؛ بعيدا عن اقتصار حب الوطن باليوم الوطني وتغني بأمجاد الماضي أو لحظة شجن تجتاح الفرد الصومالي مع سماع الأناشيد والأغاني الوطنية تنهمل معها الدموع الآنية. في حين إن حب الوطن والدفاع عنه بكل الوسائل بما لا يتناقض مع روح الإسلام هو عقيدة إسلامية وضرورة إيمانية لإعمار وخلافة الأرض ، وبما أننا من هذا القطر على الكرة الأرضية فواجبنا يكتمل بذلك.

ومن الأسباب ما يمكن إرجاعها إلى وسائل المعاملة الوالدية والمجتمعية مع الأبناء خصوصاً في مراحل التنقل من الطفولة إلى المراهقة أو من المراهقة إلى مرحلة الشباب ، أو مرحلة طلب العلم وهي مرحلة الأخذ إلى مرحلة البحث عن الوظيفة، وهي مرحلة من المفترض أن تكون مرحلة عطاء، وأيضا من العزوبية إلى الزواج ، كل هذه التنقلات تتطلب من المحيطين بالأبناء تعاملا خاصا وتفهُّما للابن أو الابنة حسب الظروف النفسية والبيولوجية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي يمرون بها وكذا تفهُّم احتياجاتهم المرحلية الخاصة ، وليس المطلوب فقط تفهُّم وإنما أيضا القدرة على التعامل الصحيح مع الأبناء وفق أسس علمية أو الحد الأدنى من العلمية حتى نستطيع احتواء أبنائنا.

وحتى لا نبرئ ساحة الشاب الذي اختار المغامرة بروحه في غمار البحار نحمِّله جزءا من المشكلة؛ فهو مسؤول في تنامي هذه الظاهرة من خلال ما يؤمن به أو ما يحاول أن يقنع به ذاته من تغيُّر مفاهيم العمل والكسب لديه، واستعداده للإحباط السريع ، وعدم قدرته على تحمُّل أن يكون جزءا من الحل وتفهُّم وضع الصومال الخاص ، ومحاولة مجاراة مَن هم في غير ظروفه في بيئات الأخرى، وهنا نُقحِم الإعلام الذي نجح في تقديم صورة المرفَّه عن المغترب، والذي يعيش في نمط معيشي يطمح إليه الشاب المغامر، حتى وإن كانت هذه صورة غير واقعية في جميع جوانبها إلا أنها استطاعت أن تدغدغ عواطف أبنائنا وبناتنا ، وأيضا غياب الرؤية الواقعية لدى الشاب وعدم قدرته على رؤية الأشياء بمنظور واقعي ومحلي وغياب رؤية يشترك الشاب مع الأهل والمربين وربما بعض المصلحين والسياسيين، فكلنا على ظهر سفينة أشبه ما تكون بسفينة إنقاذ مستعدة دائماً لتقديم خدمات الإسعافات وترميم الجروح المستجدة الطارئة؛ وذلك بدل أن نكون على ظهر مركب له بوصلة توجهه وخريطة ورؤية وهدف وإستراتيجية يسير عليها ، ودفة قيادة مُحكمة تقوده على بصيرة.

وحتى كتابة هذه السطور تنتشر على شاشات التلفاز صورا لمئات الغرقى الذين قضوا نحبهم بطريقة مؤلمة لا تستطيع أن تصفها الكلمات وربما يسيطر علينا الشعور بالحزن من أجل تلك الأرواح التي أُزهقت في لحظة غاب فيها الوازع الإيماني وبغيابه تجاهل المغامرون أن أرواحهم أمانة من عند المولى – عز وجل – لا يجوز المجازفة بها تحت أي ظرف من الظروف ، كما أن ذلك مدعاة للألم والحزن لدى أهالي الضحايا، كتلك الأم التي تحدثنا عنها في بداية مقالنا والتي ختمت حدثيها معنا بقولها “ربما ابني على متن سفينة إنقاذ” الكل يريد النجاة، وإن لم يسلك مسالكها، والواقع هو أن كل جثة تلفظها الأمواج هي بمثابة ناقوس خطر يدق باب المجتمع الصومالي حتى يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لا أن نعلِّق آمالنا على ما يزيد من جراح الوطن.

%d مدونون معجبون بهذه: