الفتح الإسلامي المزعوم في جامعة غاريسا

garisaاستوقفتني تلك الفتاة الكينية التي أطلت على شاشة التلفاز بعيون مرتعبة وملامح تختصر حكاية قصيرة في زمنها العمري وطويلة في أثرها النفسي والجسدي والمعنوي وهي تروي كيف عاشت يومان متوارية عن الأنظار داخل خزانة ملابس وتقتاد غسولاً للوجه؛ لكي تبقى على قيد الحياة لا لشيء وإنما حتى تتمكن من أن تروي للعالم ما حدث لصديقتها، وكيف قتلت تحت بصرها وكيف إن قاتلها صاحب هتافات تبشر بالفتح وأخرى تتوعد بالمزيد من حمامات الدم، ويبدو أن تباشير الفتح لم تصل إلى تلك الفتاة وكل ما وصلها أشلاء ودماء وخوف و صدمة وتساؤلات عن ماذا فعلنا حتى نستحق هذا الكره، وهل هذه رحمة الإسلام وإنصافه ؟!

   ذلك هو مشهد من مشاهد الخميس الدامي في جامعة غاريسا بشمال شرق كينيا، وكثير من المشاهد المشابه له في أماكن مختلفة تبين إن رسالة الإسلام في التعامل مع المخالف وعقيدة الجهاد الصحيحة لم تصل إلى أبنائي الغيورين على دينهم بطريقة سليمة، حتى يقوموا بواجبهم من مراجعة معتقدات الطرف الآخر من وجهة نظر إسلامية ودعوته إلى ” كلمة سواء ” على ضوء كتاب الله وسنة رسول الله ، ربما صادف هؤلاء من البعض الذين قتلوا على أيديهم من هم على ديانة الآباء دون قناعة أو إقناعه بأنه يجب عليهم أن يكونوا حيث أراد الآخرون أن يكونوا ، فاختاروا الطريقة الأقصر في الاعتقاد وهي التبعية للآباء ، واخترتم أنتم الطريقة الأقصر للإصلاح وهو القتل .

إن في الإسلام قوة عسكرية وجهاد ولكنه فرق في جهاده بين المعتقدات والمعتقدين ، والمسالمين والمعتدين ، فكان أشد من حارب المعتقدات الدينية المنحرفة ولم يتردد في نقد تلك المعتقدات نقداً صارماً  وإقامة الحجج التي تبين بطلانها، وفي ذات الوقت يدعو المعتقدين بالتي هي أحسن ، بل إلى البر والإحسان في التعامل مع من سالم المسلمين ، وعدم إكراههم على ترك دينهم . وهذا كان ديدن من سار على هدي المصطفى صلوات ربي عليه .

 يا أبنائي الفاتحين.. الإسلام هو الدين الذي لا يتعارض مع كل ما هو خير للبشرية  ، و هو دين المستقبل ، وهذا باعتراف من يدين بغير الإسلام ، فكيف لنا أن نُجره إلى حروب ليست حروبنا ، وإلى صراعات ليست لنا فيها ناقة أو جمل، وليس فيها أي إدراك لوقع الأمة الحالي ، ونقع في فخ مكر الأعداء ونغيب عن واقعنا الحقيقي، ونوضع في مواطن يطلب منا أن ندافع عن أنفسنا ، ونقدم التنازلات، وحتى نثبت للآخر بأن ديننا دين السلام يجب أن نتساءل عن المصلحة والمضرة التي تنتج عن تصرفاتنا، وإن كانت أعمالنا من أجل الإسلام .

  نحن نعيش في عالم متشابك تتقاطع فيه المصالح الحالية والمستقبلية مع ثقل وظلال التاريخ ، فعدائنا التاريخي وخلافنا الماضي مع بعض الأمم يُلزمنا قراءة الواقع بصورة أكثر عقلانية و واقعية حسب إمكاناتنا وقدرتنا مع الأخذ في الاعتبار حالة الضعف التي تجتاح الأمة المتمثل في الانفصال الذي حدث بين القيادة السياسية المتهالكة أصلاً من الخلافات والنزاعات الداخلية والقيادة الفكرية التي تتنافس فيما بينها في تصدر المشهد والسعي إلى  اكتساب أكبر قدر ممكن من تجميع التأيد والتصفيق من الشعوب وإقصاء من يخالفها من ميدان الإصلاح بحجج عديدة ، والذي نتج عنه هذا الطلاق البائن بين القيادتين بحيث تنظر كل قيادة للأخرى على إنها العدو والمنافس الحقيقي  الذي يجب إن يُقصى عليه ، مما أوقع الأمة في ضبابية فكرية وضياع البوصلة السياسية ، وعلى إثرها يشعر المسلم بالتناقض بين ما هو موجود في القرآن الكريم من عزة وتمكين  وما بشر به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وبين الواقع المعاصر ، فيستعجل النصر دون وعي حقيقي ، أو يصاب بالإحباط ويكتفي بالمشاهدة ، أو يكون مسلم ردات فعل حسب الوقائع والأحداث .

   إن دوام الحال من المحال و قيادة المسلم العابد الصالح للبشرية حقيقة لا غبار عليها، وقد ذكرها المولى عز وجل في كتابة الكريم حين قال  “وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عابدين ” سورة الأنبياء آية ( 104- 105) ، ولكن لابد أن يكون المسلم أهلاً لتلك القيادة من خلال الإعداد ما استطاع من قوة الديانة وقوة العلم و قوة الفكر وقوة الأخلاق وكل قوة تساهم في رفعة الإنسان المسلم.

ولا سبيل إلى ذلك إلا من خلال تحقيق الوحدة ورص الصفوف من جديد، ولا يعني ذلك القضاء على كل الخلافات التي بين المسلمين؛ لأن هذا محال ، وإنما  الهدف هو الحد  من تلك الخلافات حتى يتسنى للوحدة أن تقوم، وأيضا ترك مساحه للتعايش مع المخالف  حسب طبيعة  كل قطر من أقطار العالم الإسلامي ،  والاتفاق على أهداف الأمة العامة – إذا أمكن-  حتى نفوت فرصة ضرب بعضنا ببعض على العدو وإشغالنا عن رسالتنا الحقيقية ، وابشروا إن  الأمة إّذا شعرت حاجتها للتغير وبدأت بتغيير نفسها تكفل الله عز وجل بتغيير أحوالها .

ونتذكر أننا نحن أمة محمد بُعثنا مبشرين لا منفرين ، هداة لا مضللين ، دعاة لا قضاة  ، تصاحبنا دعوات الملائكة لا لعنات البشر ، رحمة للعالمين لا عذاب لهم ، وبما إننا كذلك فحتماً الفتح الإسلامي في جامعة غاريسا كان عكس هدي وفعل وقناعات أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، و بالتالي فإن جامعة غاريسا كانت العنوان الخطأ، ونرجو أن يكون ذلك بداية لتصحيح الأهداف العامة والعناوين ضمن خطة جماعية هادفة لتحقيق فتح إسلامي حقيقي قادم إن شاء الله تعالى.

%d مدونون معجبون بهذه: