الوقوف على الحياد

 في فترة الحرب الباردة التي دارت رحاها بين أمريكا وحلف ناتو وبين الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو ، تأسست منظمة عدم الانحياز ليبتعد أعضاؤها من تأثر أو تأييد سياسات الحرب الباردة ، ولكن الحقيقة الظاهرة للعيان لم تكن الحركة حيادية بالمعنى الرسمي ، بل كان غالبية هذه الدول توالي سرا أو علنا في بعض الأحيان أحد المعسكرين غربا أو شرقا .

 وتدعي شركات الإعلام في العالم كلها من مقروءة أو مسموعة أو مرئية بتبنيها مبدأ الحيادية في نقل الأخبار أو إتاحة الفرصة المتساوية بين الفرقاء المختلفين ، أو الحياد في التحليل والتقديم للبرامج المقدمة للجمهور ، ولكن هذا الادعاء يذهب أدراج الرياح عندما يتناول الأمر أو الخبر في مصالح الدول والشركات الكبرى ، أو لا يتوافق مع أطروحات مقدمي ومعدي البرامج .

وفي عالم الرياضة بأنواعها المختلفة يدعي الحكماء بين الفرق المتنافسة الحيادية وعدم مناصرة فريق على فريق في الظاهر المرأى ، ولكن إذا دققت النظر في تصرفات بعض الحكام ستجد بأن الحيادية اختف بسرعة كالبرق .

 ليس المراد الوقوف على الحياد أن يكون الإنسان محايدا بين الحق والباطل أو بين الظلم والعدل ، أو بين الجلاد والضحية ، أو بين القوي والضعيف ، بل يقف مع الحق والعدل ويناصر الضعيف والضحية ، ويعلي المساواة ، ويرفع القيم والخلق الكريم .

 والحياد الذي نعنيه من هذه الكلمة هو الحياد الذي ينبغي أن يتمثل الشخص عندما يرى خلافا في الرأي بين الأصدقاء أو بين أعضاء حركته وجماعته ، أو بين من يحبه ومن لا يرفع له رأسا ، ما دام الأمر يدور حول أمر يجوز فيه الأخذ والرد ، و لا يتعارض هذا الاختلاف والتنوع مع مسلمات الدين وقواعده الكبرى.

 والعجيب أن كثيرا من طلبة العلم لا يقبلون هذا الحياد ، بل يصرون بأن تكون معهم في كل شيء أو تُصنف في باب المعارضة أو تنطبق عليك مقولة ” إما معي أو ضدي ” ، وهذا الفهم المعوج يدل على مراهقة عقلية لم تفهم بعد بأن اختلاف العقول إثراء للحياة .

 كان عضوا في إحدى كبريات الحركات الإسلامية العاملة في الساحة الصومالية ، والتي انتشر ووصل نشاطها في أغلب المدن والقرى ، وبعد سنوات من العمل الدؤوب تسلل إلى جسمها الخلاف والشقاق ، وكان الخلاف يدور حول أمور إدارية وتنظيمية في كيفية تصحيح أوضاع الحركة ، ولكنه لم يجد سبيلا إلى التفاهم ، فانقسمت الحركة إلى مجموعات وصل بها الحال معاداة بعضها بعضا .

ولما رأى هذا الاختلاف قرر أن لا ينضم إلى أحدهم ، وأن يحتفظ مسافة واحدة منهما ، وأن يتعاون معهما في مجال التعليم والدعوة ، ولا ينصر أحدهما على الأخر ، ولا يتبنى رأي فريق ، ولكن لم يشفع له هذا الحياد ، بل جرًّ له المتاعب ؛ لأن كلَّ فريق لا يقبل الحياد ، إما أن تكون معه وإلا ضدَّه ؛ لأنه حصر الحق في نفسه وجماعته ، فمن لم يوافقه فيما يذهب إليه فهو في عداد المعارضة ، فهنا يموت الحياد .

 فالحركات الدعوية الموجودة في الساحة ليست معصومة من الزلل والخطأ ، بل هي مجرد عمل بشري يخطئ ويصيب ، ولا تمثل الوجه الحقيقي للإسلام ، ولا ناطقة باسمه ، ولا يجب قبول اجتهاداتها ومرئياتها ما دام لا يستند إلى نص قطعي ، بل يبقى رأيا يصلح في إدارة أزمة ما في وقت من الأوقات ، ويمكن تطبيقه في مكان ما ، ولكنه لا يصلح في كل زمان ومكان .

 فوقوف الحياد في المناكفات الجدلية التي تدور بين الأخوة والحركات والمؤسسات الدعوية أمر جليل وعظيم في هذا الزمان الذي اختلط فيه الحق والباطل ، بل صُوِّر كثير من الاجتهادات الفردية والآراء الشخصية بأنها الحق الأبلج الذي لا مناص منه، ومن خالفه وُسِم بالجهل المركب الذي لا يفقه شيئا .

 وأخيرا ينبغي أن نربيّ أنفسنا ومن حولنا على مبدأ الحياد الذي لا ينقص من قدر الشخص ومكانته ما دام يتماشى مع الأصول المقررة والقواعد المتفق عليها بين بني الإنسان .

%d مدونون معجبون بهذه: