صدى الأيام [3]

ومن الأسرة التي عاشت في جوف اللهب وكانت حياتها بطولة مطلقة للمعاناة بعد انهيار الحكومة الصومالية وانفراط عقد الأمة وبعدما ركب الأمن في كف عفريت أسرة (عَنَبْ) المكونة من خمسة أفراد حياتهم كانت تسير بدفء المحبة وروابط الاحترام المتبادل، ويعيشون حياة الرفاهية والكرامة في حي بونطيري في العاصمة الصومالية مقديشو.

الأسرة العريقة ذات التأريخ الناصع في السياسة الصومالية كان محمد الذي يعيش في إيطاليا منذ ثلاثة سنوات التي ذهب إليها ضمن البعثة العسكرية المرسلة من قبل وزارة الدفاع الصومالية نهاية عام 1987م بكرهم وولدهم المحبب؛ لأنه جاء بعد فترة طويلة من عدم الإنجاب مرت عليها الأسرة، فكانت ولادته حدثا طال انتظاره مما جعله مدلل الأسرة وحبيبها بدون منازع. اجتهد في الدراسة العسكرية ونال معظم الجوائز التشجيعية التي تمنحها المؤسسة العسكرية الإيطالية المدربة والمؤسسة العسكرية الصومالية على السواء، وبعد ثلاثة سنوات من التدريبات الشاقة والدراسة العسكرية المكثفة نظريا وعمليا قارب الانتهاء والتخرج من الكلية العسكرية في مدينة تورينو في الشمال الإيطالي.

الشوق يحدو محمد والأسرة معا رغم انه رجع إلى الوطن قبل ستة أشهر وتزوج زميلته في الثانوية هدن أحمد وذهبت معه إلى إيطاليا، وهناك وعلى ضفاف المدن الإيطالية الخلابة يعيشان حياة ملؤها الحب والهناء والتناغم والانسجام التام، أما أسرته هنا وخاصة أمه حوّاء فهي تعد الدقائق والثواني ولا تستطيع أن تنتظر عودة ابنها ومعانقته، وأن ترى أحفادها وهم يلعبون عندها. أما عمر فتخرج للتوّ من كلية الجيولوجيا لجامعة الأمة وأصبح معايدا لنفس الكلية وهو يحاول أن يجد دراسة في الخارج ليتخصص التراكيب الجيولوجية التي أصبحت متعته أثناء الدراسة، كانت الصفائح التكتونية والأخاديد العظمية والتكوينات الصخرية ونشوء الجبال تذهله، ومنتصف أعراف المحيطات وبداية العالم تجعله يتعلق بهذا التخصص الذي يعد بمثابة الطبيب للأرض.

أما الصغيرة جُباد التي يعني اسمها الحرية ولدت عام 1977م إبان الحرب الصومالية الإثيوبية أو حرب أوغادين كما اشتهر لاحقا، وكما يبدو على اسمها فهي ولدت مرحلة حساسة من النضال الصومالي المتجدد ضد التجزئة والتفرقة، واسمها يلخص أشواق الصوماليين في تلك الحقبة للحرية وتوحيد أجزاء الوطن، لقد كان الشعب الصومالي يتنفس الحرية وشرب النضال من أعلى شعرة في مفرقه إلى أخمص قدميه، وشاعت أدبياته بينهم وأحبوا المناضلين حتى اشتهر في تلك الحقبة إطلاق المواليد الجدد بأسماء المجاهدين ومن حملوا لواء التحرير والملاحم، أو إطلاق الحرية وألقاب الوحدة التي تدل على أن الشعب الصومالي كان متحد الأفكار، متناسق الأشواق والرؤى، قبل أن تنهار دولته وتنهار معها الأخلاقيات والقيم الصومالية النبيلة. جُباد في عامها الرابع عشر تعيش على كنف أمها وتدور حياتها في فلك الأم، والمدرسة، والألعاب الطفولية، وتدرس في المرحلة المتوسطة من المدرسة القديمة، ويعد من التراث العتيقة التي تحوي العاصمة مقديشو بين دفتيها، ورغم أنها صغيرة السن وحديثة العمر إلا أنها تحمل عقلا ناضجا وقلبا كبيرا وذاكرة قوية، وفي الليالي المقمرة تحب القصص الأسطورية الصومالية،عن طغطير وأدي بيقي(Oday Biiqe) و أرويلو، والقصص المرعبة التي تروي الأم لأولادها، والجدة لأحفادها ليخاف الطفل الذهاب إلى خارج المنزل أو لينقطع عن البكاء ويخلد للنوم.

وبكثرة القصص التي سمعت عن جدتها ــ التي ماتت قبل سنة ونصف بعد ما تقادم عليها العمر، وبعد صراع مع المرض ـــ أصبحت قاصة المدرسة تروي بسلاسة وتتذكر تفاصيل الأحداث بشكل غريب، كما تحسن سرد القصص وحفظ النكات المضحكة، كما حفظت كما هائلا من الألغاز، والحكم، والأمثال الصومالية. على هذا الزورق الهادئ والنمط النابض بالحب والحياة كانت تسير حياة هذه الأسرة الصومالية المثالية في تلك الحقبة المشرقة من تأريخ وطننا، نعم كانت مشرقة لأنها كانت فترة عاشت الأمة الصومالية متصالحة مع نفسها ومتعايشة مع محيطها الدولي والإقليمي، وكان الشعب الصومالي يعيش محترما بين الأمم، ولم نكن وصلنا بعد إلى هذا الحضيض وإلى الهوة السحيقة التي رمى إليها الشعب الصومالي نفسه، حيث أصبح مقرونا للفوضى العارمة، والحروب، والفساد، والجوع، والموت جماعيا على عرض البحر والقرصنة.

في شهر أكتوبر من عام 1990 الميلادي اكتملت عنب عامها السابع عشر، وقامت الأسرة حفلة ميلاد سعيدة لها، شارك فيها معظم الأصدقاء والأقارب، وأصبحت الحفلة مهرجانا كبيرا للمّ شمل الأصدقاء الذين تباعدوا بفعل الأعوام وتراكم السنين وأعباء الحياة، والأقارب الذين ابتلعتهم الغربة وغيبهم الترحال، ورغم نعومة أظافرها إلا أن من يرى وجهها الصبوحي وقامتها الفرعاء السمهرية يقطع الأيمان الغليظة وبدون حنث أنها في السنة الخامسة بعد العقدين. والدها إبراهيم عبدي هو كهل طويل القامة أبنوسي البشرة تكتمل على محياه جميع الملامح الصومالية، وفي السنوات الخمسة الأخيرة شابت مقدمة رأسه وتخلل لحيته الصغيرة بعض البياض، كانت حياته سيمفونية من الجهد والبذل والعطاء، في صغره عاش حياة الفقر والفاقة ومات أبوه وهو في بطن أمه، ولكن أمه التي كانت مناضلة بمعني الكلمة وإنسانة تؤمن الجد والكفاح رغم حظها القليل من العلم والمعرفة شمرت ساعد الجد لتعليم وتثقيف أولادها وأعدادهم ليكونوا في مقدمة المجتمع ومن يسوس حياة الأمة في قادم الأيام.

بدأ تعليمه في العاصمة الصومالية مقديشو وتربي في عهدة أمه وما لبث أن فتح الله عليهم أبواب الأرزاق، فبدأ ارتياد المدرسة، ولأنه كان ينتمي إلى أسرة عريقة ذات جذور تاريخية في الوطن كانت عليه أن يتحمل عبء هذه المسؤولية، خاصة في الشعب الصومالي الذي تمتد القرابة بامتداد القبيلة وأفرادها.

دارت الأيام دورتها المعهودة وصارت حياتهم تسير بشكل طبيعي، وبعد تخرجه من المدرسة التي كانت في تلك الفترة مقصورة في المرحلة المتوسطة انتسب إلى المؤسسة العسكرية التي كانت بدائية ووضع حجر أساسها في تلك الفترة، وبسبب تعليمه الجيد بالنسبة إلى زملائه في العسكر والثكنات أصبح قياديا يسند إليه المهمات حتى بات مشهورا بين الجيش وخاصة في مقديشو وترقى في السلك العسكري حتى وصل إلى درجة العقيد ونال تدريبات متنوعة، وكورسات عسكرية متعددة، وشارك مناورات عسكرية في الداخل والخارج.

وفي نهاية السبعينيات ترك الجيش وأصبح ضابطا رفيعا في السلك الدبلوماسي الصومالي لقربه إلى القيادات العليا للوطن وسلوكه القويم أثناء الخدمة العسكرية التي أبلى بلاء حسنا في كل ميادينها، ولأن الصومال كانت دولة عسكرية يقاس درجة المرأ وكرامته مدى الأوسمة والنياشين المرصعة على كتفه لم يكن غريبا أن يكون التواجد العسكري في هيكل الدولة لافتا في تلك الفترة، وفي منتصف الثمانينيات أصبح وكيلا للوزارة الخارجية، وفي نهاية هذه السنة أصبح سفيرا في إحدى الدول العربية في الشمال الإفريقي، وقبلها كان سفيرا للصومال في جنوب شرق أسيا ودولا أوروبية أخرى.

كان لطيفا ومعروفا بطيبة خلقه وحسن تعامله وكرمه الفياض وطبيعته الهادئة، أغدق حبه وحنانه لأفراد أسرته المكونة من خمسة أفراد، ولأصدقائه الكثر، ولقرابته الممتدة بامتداد الوطن، وكل من عاش في محيطه، كما كان رجلا بساما ومحبوبا للجميع، وفي أوساط السفراء والسلك الدبلوماسي كان نجما لامعا لأدائه الطيب وتمثيله الجيد للصومال في المحافل الدولية والمسارح العامة والمؤتمرات العالمية، كما كان وطنيا غيورا لأن المؤسسة العسكرية الصومالية كانت القابلة الرسمية للمواطنين الغيورين، ومؤسسة مبنية على الأسس المهنية والمعايير الصحيحة للمهنية، لذا كان العسكري ومازال وطنيا يحب وطنه وأمته. لذا لم يكن هذا البيت مثل البيوت الصومالية التقليدية أو حديثة العهد في المدينة ووهجها وضوئها وبريقها، بل كان الأسرة عريقة وضاربة في جذور التمدن وسحيق الثقافة والزعامة، إذ الجد الثالث من الأسرة كان من أعيان الشمال الصومالي أو ما كان يعرف بالصومال البريطاني آنذاك نسبة إلى المستعمر البريطاني، لأن الصومال خضعت لعدة دول مزق أجزائها وفصل جسدها الموحد، والدول التي استعمرت الصومال هي بريطانيا في الشمال الصومالي، والإقليم الصومالي في كينيا (أنفدي)، والإقليم الصومالي في إثيوبيا (أوغادينيا) التي منحها أخيرا لإثيوبيا التي ما زالت إلى يومنا هذا تعد أنه جزأ لا يتجزأ من الأراضي الإثيوبية، رغم أن الإنجليز أعطاها عام 1954م لتكون منحة سخية لمن لا يملك إلى من لا يستحق، والطليان في الوسط و الأقاليم الجنوبية، ويقصد من جنوب غالكعيو إلى الحدود الصومالية الكينية حاليا، واستعمرت فرنسا الساحل الصومالي أو جيبوتي حاليا. الجد الثاني هاجر من قرب عيرجابو(Cerigabo) إبّان بداية الجهاد الدرويشي بقيادة السيد محمد عبد الله حسن إلى مقديشو في نهاية القرن التاسع عشر، ومنذ تلك الفترة تشعبت علاقته بالقبائل والإمارات، والمماليك، والسلطنات التي نشأت في مقديشو، وخاصة بعدما نقلت إليها الزعامة الصومالية التاريخية التي تحولت من هرر عاصمة الحضارة الإسلامية في الشرق الإفريقي إلى مقديشو عام 1904م تقريبا.

ونقلت الزعامة والقيادة إلى مقديشو بعدما احتل الصليبيون هرر وانتهى زمن الإمارات الإسلامية أو مماليك الطراز الإسلامي، ودخل منليلك ملك الحبشة مدينة هرر عام 1887م، وحول مسجدها الكبير إلى كنيسة، ولم تكن هرر في تأريخها المجيد عاصمة للقومية الصومالية فقط، بل كانت منارة إسلامية ومدينة جمعت مسلمي شرق أفريقيا، كما كانت رمزا دينيا، وموئلا علميا، ومنبعا ثقافيا، وساحة للجهاد، وميدانا حضاريا للصوماليين وغيرهم من القوميات المسلمة الأخرى التي تعيش في القرن الإفريقي. ونالت هرر شهرة عالمية حتى غدت المدينة الرابعة المقدسة عند المسلمين بعد الحرمين المكي والمدني والقدس الشريف، أو هكذا كان اعتقاد مسلمي شرق أفريقيا الذين كانوا يؤمنون أن هرر مدينة طاهرة ولا يمكن أن يعيش فيها إلا المسلمون، ولذا لم يكن من الممكن أن يدخل فيها غير المسلمين إلا تخفيا وتسترا، ويؤكد دخول المستكشف البريطاني ريتشارد برتن عام 1854م متنكرا صدق ما قلنا.

ومنذ ذلك العهد التي أصبحت مقديشو رمزا إسلاميا صوماليا وطنيا معلقا في وجدان الإنسان الصومالي، سواء عاش علي رمال البحر الأحمر هناك في شمال الأراضي الصومالية، أو على محاذاة الساحل الشرقي، أو على تخوم الهضبة الحبشية، أو على ضفاف نهر تانا في أدغال الجنوب، أو على كتف المحيط الهندي العملاق، كانت أسرة إبراهيم تعيش في مقديشو وخاصة حي بونطيري العريق(Boondheere) الذي أصبح حيّا يؤرخ لحياة هذه الأسرة.

%d مدونون معجبون بهذه: