ثنائية الإعلام والتغيير

بقلم/ عبد الله عبد الرحمن محمود – كاتب صومالي

لم تعد أهمية الإعلام ودوره في صناعة الحياة التي يعيشها العالم اليوم في حاجة إلى كثير بيان، خاصة بعد أن فجّر الشباب العربي ثوراته في كثير من البلدان، وبعد أن زلزلوا العروش تحت كثير من حكام العرب بمنشوراتهم في الفيسبوك والتويتر واليوتيوب وأجادوا استخدام وسائل الإعلام المختلفة.

وتعدّ ثنائية الإعلام والتغيير إحدى أهم الثنائيات الفكرية التي أشغلت المفكرين التغييريين وأجهدت أقلامهم ، وذلك لما للإعلام من أهمية بالغة في توجيه الناس وتحفيزهم نحو مشاركة التغيير المنشود، فقد توصّل المفكرون إلى أن للإعلام قدرة خارقة في توجيه سلوكيات البشر وتشكيل الرأي العام لديهم، والعصر الذي نعيشه ” عصر الإعلام . لا لأن الإعلام ظاهرة جديدة في تاريخ البشر بل لأن التكنيك الحديث في الإعلام قد بلغ غايات بعيدة جدا في سعة الأفق وعمق الأثر وقوة التوجيه”([1])

وفي الفكر الإسلامي فالإعلام مسألة جوهرية، تحتل قلب مفهوم التغيير في الإسلام، فالتغيير في الفكر الإسلامي يمرّ بمراحل ثلاث هي: مرحلة التغيير بالقلب، ومرحلة التغيير باللسان ، ومرحلة التغيير باليد؛ ومرحلة التغيير باللسان التي تتوسط المرحلتين الأخيرتين هي مرحلة إعلامية برمتها، فالتغيير باللسان معناه التغيير بالإعلام الذي يغيّر ما بنفوس الآخرين من قناعات راسخة حول الحاجة إلى التغيير وإمكانية القيام به، فيحفزها نحو التغيير ولو بالقلب، كما أن التغيير باليد لا يستغنى عن العمل الإعلامي المنظم الهادف الذي يعزز العملية اليدوية ويوفر لها الشرعية والقبول، ويدافع عنها ويواجه الدعايات المفبركة ضدها.

ويمكن تلخيص أهمية الإعلام في التغيير الذي ننشده بالنقاط التالية:

  1. الترويج لفكرة التغيير وتأهيل النفس البشرية لمشاركة مشروع الأمة النهضوي، فالإعلام وسيلة فاعلة لبث فكرة التغيير ونشرها بين الناس؛ لإقناعهم بها، وصناعة رأي عام إيجابي تجاهها، وهذه مهمة في غاية الأهمية، فالحق يحتاج إلى من ينصره، هذه السنة الإلهية، لذلك فرض الله على عباده الانتصار للحق والعدل، وجعَل نصرته مرتبطة بالانتصار للحق أولا، “يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم” ([2])، فالمسلم شاهد لله على أرضه، والشهادة لا تعني فقط أن يكون المرء ناظرا إلى وقوع الحادثة، بل أن يكون قادر على إثبات حقيقة الواقع، شاهدا عليه، بل إن الذي يكتم الحقيقة ولا يقولها، ويتفرج على الواقع لا ينهى منكرا ولا يأمر معروف فهو آثم قلبه ويدخل عموم الآية القرآنية ” ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه” ([3])، وهكذا فإن الحق يحتاج إلى من ينصره ويشهد له ويدافع عنه، وهنا تظهر أهمية الإعلام في التغيير، حيث إنه إذا كان التغيير يحتاج إلى من ينصره، فإن الإعلام هو الآلة والوسيلة الأساسية لإقناع البشر بنصرة الحق والدفاع عنه، فرسالة التغيير لا بد وأن تصل إلى الجماهير “فأي رسالة إعلامية هادفة لا بد وأن تصل إلى الجماهير وأن تُدرك”([4]).
  2. محاربة المقاومة النفسية للتغيير، تواجه كل عملية تغيير مقاومة ذاتية (نفسية) في النفوس التي تربّت على واقع معين يتطلب التغيير، وأصبحت نمطية مقتنعة تمام القناعة بعدم إمكانية التغيير والإتيان بشيء أفضل مما هو موجود في الواقع، ولذلك يقاوم أصحاب تلك النفوس كل ما من شأنه أن يغيّر شيئا من الحالة التي ألفوها؛ خوفا من التغيير الذي قد يقود إلى المجهول أو ما لا يعرف عقباه. فالإعلام وسيلة هامة لمواجهة تلك النفوس المقاومة للتغيير وإقناعها بضرورة التغيير وإمكانيته والثمار الحسنة المرجوّة منه.
  3. مواجهة الأفكار والدعاية المضادة، والإعلام وسيلة ناجحة في حرب الأفكار والدعايات، بل لا يمكن الخوض في حرب من هذا النوع إلا به، وقد درج على ألسنة الناس مصطلح الحرب الإعلامية، أو ما يعنى الحرب بالإعلام، فالأفكار والدعايات المضادة للعملية التغييرية من أبرز المهددات التي يواجهها من يقوم بالتغيير، ويمكن أن تؤخّر مسيرة التغيير وتعرقلها، وقد تقضي عليها في بعض الأحيان ولا يمكن مواجهة تلك الأفكار إلا بإعلام مُبدع ومتطور، “فالحرب الإعلامية التي يدعمها الغرب وعملاؤه لا يمكن التغلب عليها وتحييدها إلا بنفس الأدوات أي بالإعلام نفسه ، والقادر على هذه المواجهة هو الإعلام المخلص الذي خرج من رحم الأمة كنتيجة طبيعية للحراك الذي حدث فيها”([5]).
  4. حشد الأنصار وتوسيع دائرة القبول، والإعلام أسلوب عجيب في حشد الأنصار وتوسيع دائرة القَبول؛ لأنه يجعل الإنسان يعيش مع الحدث بالصوت والصورة، وإن الإخراج الفني للأخبار والبرامج يتفاعل مع نفسية الإنسان وعواطفه، سيما إذا كانت القضية التي يدافع عنها الإعلام قضية عادلة تخاطب الفطرة الإنسانية.

وتزداد أهمية الإعلام في حشد الأنصار عندما تكون هناك أزمة حقيقية تستوجب الخروج العام، والتعبير عن الرأي بصورة جماعية وفي الميادين العامة، وقد كانت مظاهرات الربيع العربي والدور الإعلامي الذي قام به الشباب في أدوات التواصل الاجتماعي خير دليل على ذلك.

  1. الضغط على الخصم، يعد الإعلام وسيلة ضغط أساسية وهامة في الضغط على الخصم وإحراجه نفسيا، ذلك عندما يعرض الإعلام الحقائق التي ينكرها الخصم مثل الخسائر التي لحقت به، أو الجرائم التي ارتكبها هو، فتكرار العبارات والشعارات والتعبيرات والرموز التي تصوّر ما يستاء منه الخصم تجعله محبطاً نفسيا، ويعيش مع مرارة الحقيقة كلما يعرض الإعلام لتلك الصور .

كما أن نشر الإعلام لردود الأفعال التي قام بها الخصم تُنبت في نفسه الندم والخجل على ما قام به، وتزداد الآثار السلبية لنشر مثل تلك المواقف عندما تصدر من أصحاب شان ترتبط مع الخصم بمصالح معينة، وهذا أسلوب تقليدي تقوم به الوسائل الإعلامية للضغط نفسيا على من تخاصمه، وهذا هو ما يجعل من المسلم وصف الإعلام بأنه أحد السلطات الرئيسة داخل الدولة.

  1. استقطاب المؤثرين والفاعلين إعلاميا، إن الحصول على من يقدر على التأثير في الرأي العام من أصحاب المهارات الإعلامية والمواهب الخاصة من الأمور التي لها دور محوري في إحداث التغيير المطلوب، ومن بين الوسائل الناجحة في استقطاب مثل هؤلاء إنشاء المؤسسات الإعلامية، فباستخدام وسيلة إعلامية يمكن اكتشاف الناشطين الفاعلين في مختلف المجالات؛ لأنهم سيرتبطون بصورة أو بأخرى بالمؤسسة الإعلامية، إما عاملين فيها أو مشاركين في برامجها أو متفاعلين مع أنشطتها الإعلامية المختلفة، فهنا يتيح لصاحب المؤسسة الإعلامية استقطاب من يراه نافعا لمشروعه ومفيدا لمسيرته التغييرية.
  2. مصدر للتمويل، أصبح الإعلام في الآونة الأخيرة مصدرا للمال، وعملٌ من أعمال التجارة الرابحة، ويتميز في كثير من الأحيان بقلة التكاليف مقابل الدخل المتوقع، فالمؤسسات الإعلامية تتاجر بنَفَس العاملين عليها، وتبرم عقودها مع زبائنها بالثواني لا بالدقائق؛ الأمر الذي جعل الإعلام مصدرا هاما من مصادر المال الذي لا يستغنى عنه في التغيير. ثم إن تنوّع طرق جمع المال بالوسائل الإعلامية له دور كبير في أن تصبح تلك الوسائل من مصادر التمويل الأساسية، فالوسيلة الإعلامية النشطة يمكن أن تسهِّل مثلا عملية جمع التبرعات لمشروع ما، وقد أصبح هذا عمل رابح في الآونة الأخيرة واستغله البعض للنصب والاحتيال على الناس واستخدمه آخرون في إقامة مشاريع متميزة.
  3. حفظ الوثائق والمستندات التاريخية التي يمكن الاستفادة منها لصالح التغيير في مراحل قادمة، فالإعلام الحديث إعلام وثائقي يوثّق الحدث بالصوت والصورة والكتابة، وللمؤسسات الإعلامية الحديثة أرشيفات مختلفة ومتنوعة، تكون عند البعض على شكل مكتبات كبيرة.

ولهذه الوثائق قيمة تاريخية وقانونية، تتعدى كونها تراثا جميلا يتجلى بعد سنوات بقيمة جمالية وتاريخية عظيمة، فقد تستخدم تلك الوثائق لصالح العملية التغييرية، فهي إحدى الوسائل لتوريث الفكرة من جيل إلى آخر، وقد يستخدم تلك الوثائق لملاحقة المجرمين ومكافأة المكافحين المناضلين.

  1. جمع الكلمة وتوحيد الصفوف، فالرسالة الإعلامية عندما تكون هادفة ومعبّرة عن مشاعر الناس، وتجمع ولا تفرق، وتعتمد على الوسطية والاعتدال والتثبت، فإنها ستصبح دون شك وسيلة لتوحيد الصفوف. ولتكون الوسيلة الإعلامية وسيلة تجمع الجهود وتوحدها، يجب أن تكون لها سياسة واضحة يلتزم بها كل العاملين فيها، حتى لا يتم إهدار جهود المؤسسة بقَوْلة يقولها أو يكتبها وينشرها أحد العاملين، والإعلام الذي يجمِّع ولا يفرق هو ذلك الذي يقوم على القيم، “فليحذر الإعلام الإسلامي الكلمة النابية، والعبارة الجارحة، والغلطة المنفرة، واللدد في الخصومة، …”([6]).

إن هذه الطبيعة للإعلام هي ما تؤهله بأن يكون ذو مكانة محورية في المشروع التغييري الذي يزحف شبابنا نحوه، والحقيقة أنه لا يمكن إحداث تغيير بالوجه الذي نرتضيه إلا باستعانة إعلام قوي وهادف.

الهوامش :

___________________

[1] – لاوند، محمد رمضان، مقدمة عامة في الإعلام، الإعلام الإسلامي والعلاقات الإنسانية “النظرية والتطبيق”، أبحاث ووقائع اللقاء الثالث للندوة العالمية للشباب الإسلامي ، ط3، (الرياض: الندوة العالمية للشباب الإسلامي، 1409ه/ 1989م)، ص50.

[2] – محمد، الآية: 7.

[3] – البقرة، الآية: 283.

[4] – دورندان، غي، الدعاية والدعاية السوداء، ترجمة: رزق الله رالف، ط 2، (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1986م)، ص13.

[5]– صابر، ياسر، الإعلام والتغيير، مقالة منشورة في الإنترنت تحت عنوان: http://www.odabasham.net/show.php?sid=64477

[6] – التلمساني، عمر عبد الفتاح، الإعلام الإسلامي في العهد المكي، الإعلام الإسلامي والعلاقات الإنسانية “النظرية والتطبيق”، مرجع سابق، ص273.

%d مدونون معجبون بهذه: