وقفات مع قصة الحاكم الصيني الأصَّم

الحاكم الصيني الأصَّم العادل :

ذكر الإمام أبو محمد عبد الله القلعي المتوفي سنة ( ٦٢٠هـ )، في كتابه ” تهذيب الرياسة وترتيب السياسة ” قصة غريبة ، قال فيها ( بينما الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور في الطواف بالبيت العتيق ليلاً ، إذ سمع قائلاً يقول : ( اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض ، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع ).

فجزع المنصور، فجلس بناحية من المسجد ، وأرسل إلى الرجل يدعوه، فصلى ركعتين واستلم الركن ، وأقبل مع الرسول فسلم عليه بالخلافة ، فقال المنصور: ( ما الذي سمعتك تذكر من ظهور الفساد والبغي في الأرض؟ وما الذي يحول بين الحق وأهله من الطمع ؟ ، فو الله لقد ملأت مسامعي ما أمرضني ).

فقال الرجل: ( إن أمنـتني يا أمير المؤمنين أعلمتك بالأمور من أصولها ، وإلا احتجزت – أي حبست ما عندي عنك – منك واقتصرت على نفسي فلي فيها شاغل ) ، قال المنصور: ( فأنت آمن على نفسك ، فقل ) ، فقال : ( يا أمير المؤمنين إن الذي دخله الطمع ، وحال بينه وبين ما ظهر في الأرض من الفساد والبغي لأنت ). فقال المنصور: ( فكيف ذلك ؟ ويحك ، يدخلني الطمع ، والصفراء والبيضاء في قبضتي ، والحلو والحامض عندي ) ، قال الرجل: ( وهل دخل أحد من الطمع ما دخلك ! ، إن الله استرعاك أمر عباده وأموالهم فأغفلت أمورهم ، واهتممت بجمع أموالهم ، وجعلت بينك وبينهم حجاباً من الجص والآجر وأبواباً من الحديد ، وحراساً معهم السلاح ، ثم سجنت نفسك عنهم فيها ، وبعثت عمالك في جبايات الأموال وجمعها ، وأمرت أن لا يدخل عليك أحد من الرجال إلا فلان وفلان ، نفراً سميتهم ، ولا تأمر بإيصال المظلوم ، ولا الملهوف ولا الجائع العاري إليك ، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق .

فلمَّا رءاك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك ، وآثرتهم على رعيتك ، وأمرت أن لا يحجبوا دونك ، تجبي الأموال وتجمعها ، قالوا هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه ، فائتمروا أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا ، ولا يخرج لك عامل إلا خوَّنوه عندك ونفوه حتى تسقط منزلته عندك ، ……) .

ثم قَص عليه قصة الحاكم الصيني العادل فقال : (وقد كُنْتُ يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين ، فَقَدمتها مرة ، وقد أصيب ملكُهم بسمعه ، فبكى يوماً بكاء شديداً ، فحثه جلساؤه على الصبر ، فقال : أما إني لست أبكي للبلية النازلة ، ولكني أبكي لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمع صوته ، ثم قال : أما إذا قد ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب ، نادوا في الناس أن لا يلبس ثوباً أحمر إلا مظلوم ، ثم كان يركب الفيل طرفي النهار ، وينظر هل يرى مظلوماً ) .

ثم وجه نصيحته إلي أبي جعفر المنصور قائلا : ( فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله بلغت رأفته بالمشركين هذا المبلغ ، وأنت مؤمن بالله ، ثم من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، غلب شح نفسك عليك ) .

فاستمر الرجل في وعظه وتخويفه حتى بكى أبو جعفر ، ثم اختتم كلامه بأن قال له: (يا أمير المؤمنين ، إن للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم ويرضون بهم في دنياهم فاجعلهم بطانتك يرشدوك ، وشاورهم في أمرك يسددوك ) ، فرد أبو جعفر : (قد بعثت إليهم فهربوا مني). قال الرجل : (خافوك أن تحملهم على طريقتك ، ولكن افتح بابك ، وسهل حجابك، وانصر المظلوم ، واقمع الظالم ، وخذ الفيء والصدقات على حلها ، واقسمها بالحق والعدل على أهلها ، وأنا ضامن عنهم أن يأتوك ويساعدوك على صلاح الأمة ).

وجاء المؤذنون فآذنوه بالصلاة ، فصلى المنصور وعاد إلى مجلسه ، وطلب الرجل فلم يوجد، فقال ( اللهم بحق رمضان أن تهيئ لهذه الأمة رجلاً كإمبراطور الصين الأصم يعدل فيها ، وقد عزَّ فيهم الرجال العادلون ).

 وقفات مع القصة :

لن أتوقف مع الحوار الجريء الذي دار بين الخليفة العباسي المنصور أو النصيحة النارية التي وجهها الرجل الصادق – الذي يعز وجود مثله في أزمنة الظلم والجبروت – كثيرا ، لأن أبا جعفر المنصور أقام مملكته على جماجم الناس ، وسفك في سبيلها مئات الدماء المعصومة ، ومِثل هذا الحكم لا ينتج ولا يقرب إلا مستشارين لا يقلون سوءًا وخبثا من أفسح لهم المجال وأطلق لهم العنان ، لأنهم في بلاط الظلم تفتحت عيونهم ، فهم حرب على أهل الخير والعفة والنزاهة ، سِلمٌ لمن شاكلهم .

وكان أول عمل قام بها أبو جعفر المنصور بعد استتباب الأمر له بقتل أبي مسلم الخراساني الذي يعود إليه الفضل الأكبر في قيام دولة بني العباس واجتثاث دولة بني أمية .

ولما اشتكى الخليفة عن هروب الفضلاء من الاقتراب منه والعمل إلى جانبه ، أجابه الرجل الكريم بأنهم لا يريدون أن يكونوا شهود زور وبهتان في مجلس يدار فيه الظلم وينتقص فيه الحرمات ، ويكون الأمين والثقة غريبا ، والخائن اللصُّ سيدا مكرما .

واتُهم الخليفة بجمع المال وتكديسه ومنعه من مستحقيه ، واحتجابه عن الناس بغير وجه شرعي ، ومنع المظلوم والملهوف الوصول إليه ، وعدم السماح والدخول إلى قصره إلا من يحمل التصريح والإذن المسبق ، وغير ذلك من الأمور ، ثم ختم نصيحته بعد سرد قصة الحاكم الصيني ، بأن يتقي الله تعالى في رعيته .

وأما قصة الحاكم الصيني : فهي قصة عجيبة كأنها تماثل قصة الملك الحبشي النجاشي – رضي الله تعالى – الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام أن يهاجروا إليه لأنه لا يظلم عنده أحد .

 فسبحان من جعل العدل أساسا للملك والتمكين والسؤدد ولو كان صاحبه بعيدا عن طريق الحق والصواب .

غريب أن يفقد الإنسان أحد أعضاء جسمه المهمة ثم لا يتألم لكونه فقدها فحسب ، بل لأنه لا يستطيع سماع آهات المظلومين وهمهمة المقهورين ، ليشعر جسمه آلامهم وأنينهم ، كأن الرجل وصل إلى أسماعه قولة النبي العادل ( إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .

ثم لا يتوقف الرجل عند هذا (ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) ، بل يبذل ما في وسعه وتقديم ما في جعبته ، ولا يدخر حيلة في سبيل الوصول إلى التعساء والمظلومين ، فيصدر مرسوما ملكيا سلطانيا في عدم جواز ارتداء الثوب الأحمر إلا من امتدت إليه يد الظلم والإجرام ، ليتعرف عليه الأمير العادل ولينصفه من جلاَّده ، ولا ينتهي بنود المرسوم إلى هنا ، بل يقرر الحاكم العادل بأنه سيقود بنفسه كتيبة الحماية الخاصة في نشر العدل وكنس الظلم في شوارع وأزقة مملكته صباحا ومساءً ، وكأنه قرأ هذا الوالي سيرة الفاروق الأعظم يوم كان يقوم بنفسه في مهمة العساس في شوارع المدينة ، أو قرأ الجواب الذي وجهها الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز إلى بعض ولاته ، حين طلب منه أن يأمر له بعض المال لترميم حيطان مدينته لأن الخراب طال بها ، فأجابه قائلا : ( فإذا قرأت كتابي هذا فحصنها بالعدل ، وَنَقِّ طرفيها من الظلم ، فانه مرمتها ، والسلام ) .

والعدل مطلب إنساني تعشقه الفطر السليمة ، وبها قامت السموات والأرض ، ونصب الموازين في أرض المحشر ، وأكدت أهميته نصوص الوحيين ، وحذرت من مغبة استهتاره قوارع الأدلة ، وقيل كل دولة بني على أساسها العدل أمنت الانعدام وسلمت الانهدام .

فالواجب على من ولاه الله تعالى أمور الناس أن يعدل فيهم وإلا كان أمره إلى وبال وخراب ، ولله در القائل :

إذا جَار الأميرُ وحَاجباه      وقاضي الأرض أسرفَ في القضاء

فويل ثم ويـــل ثم ويـــل    لقاضي الأرض من قاضي السماء .

%d مدونون معجبون بهذه: