صدى الأيام (2)

جئنا إلى المدينة الفاتنة بكل أضوائها وتعقيداتها ونمط حياتها الصارم والمغاير لما ألفنا به في البوادي والقرى الموغلة في جغرافية الوطن المترامي، وأبهرتنا ردهات المدن المجهولة وعيشها الصعب، والمدينة ليست مثل البادية بل تتطلب معرفة دقيقة لكنهها، وعلما واسعا لتفاصيلها، وفي مجاراة إيقاعها السريع ونبضها الحيوي المتدفق ما يدعو إلى التعب والتحمل الشديدين، وهذا ما رسبت فيه الجموع الصومالية إلا قلة نادرة، ولم يتكيّف بها الشعب الصومالي الذي يحمل في جيناته تمردا واضحا للتمدن والمدنية بشكلها المعروف عالميا.

تخبطنا في المدينة وحياتها، وتُهنا في سراديب الدولة الحديثة وأجهزتها، وفشلنا في إدارتها وقيادة سفينتنا العملاقة نحو المراسي الآمنة، وفقدنا الانضباط الذي هو سمة الدولة؛ لأننا في مرابعنا النائية، وقرانا المتناثرة على طول البلاد وعرضه، ومدننا المطلة على المحيط، أو تغفو على حضن الشواطئ، أو الوادعة في جبين السهول مارسنا الحرية المطلقة بأبهى صورها؛ حيث عشنا ونحن لا تصل إلينا رقابة الدولة، ولا قوانين الحكومة، ولا عين الشرطة، بل يعيش المرء في باديتنا حرا طليقا لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ويمارس الحياة بطريقته الخاصة في داخل حكومة القبيلة ودولة الحيّ.

وعند الصومالي المتمرّد فالحرية أهم شيء في حياته، ولا يستطيع أن يعيش إذا سلب منه هذا الحق الأصيل، أو شعر مصادرة حقوقه الأساسية، وانتهاك حرمته وفقد الحرية التي تشكل تاجا يومض على هامة هذا الشعب الجامح، والوصايا الإنجليزية في هذا الشأن إبّان الاستعمار والحقبة الكولونيلية الأوروبية معروفة ومتداولة في أروقة الحكم والمتاحف الإنجليزية.

توالت الأيام وسار بنا الزمن حتى وقفنا عتبة عام التسعين الميلادي، الذي حمل إلينا الحروب، والتشرذم، والمجاعة، وأطنانا من السوء والسواد، ووصلنا الحال إلى أن دمرنا وطننا شبرا شبرا، وميلا ميلا، وفرسخا فرسخا، وأن نبيع كرامتنا عيانا ودون تأنيب الضمير، وأن نقتل الأرواح بأتفه الأسباب وأوهى الحيل، ونزهق النفوس البريئة بلا سبب!، ولا يعرف القاتل بم يقتل ولا المقتول بم قتل،! هرج ومرج، دماء ودموع، دمار وركام، آهات وآلام، وهموم الحزانى يملأ المكان، وأنينهم يوجع القلوب، وبكاء الأرامل يذيب النفس، وفوضى عارمة، وجنوح نحو القتل والإبادة ومص الدماء بطريقة بربرية بشعة لا تمت أي صلة بتعاليم ديننا الحنيف، والموروثات الثقافية والعرفية للشعب الصومالي.

وتمادينا في الحيل اللئيمة والطرق الملتوية، نبقر البطون بجنون، ونشرب الدماء بنهم، ونمزق الوطن بوحشية، ونصادر الحريات والحقوق بعجرفة، ونقبر الأحلام بعنجهية، ونتلذذ في القتل وإيذاء الضحية كاننا مردة الشيطان أو كائنات غريبة جآت من الكواكب الأخرى أو الضفة الأخرى للحياة!،حولنا المدن إلى ركام من رمال وأكواما من رماد، وجبالا من المزابل والقمامات، وأنهارا من البالوعات النتنة، و أزقات مخيفة ومرعبة، وجعلنا مرح الطفولة ميادينا للموت وساحات تقطر منها الدماء والدموع وتتصرم بين ثقوبها أحلام الشعب والحياة الكريمة.

تأثّر الجميع على الهرج والمرج وطوفان الموت الذي أغرق سفينة الوطن، ودخل الشعب بكل أطيافه وشرائحه المختلفة في أتون حرب عبثي وموجات من الاقتتال الداخلي والتناحر الأهلي الذي أهلك الحرث والنسل، ولم ينجوا من هذا السيل الجارف والتيار الدموي الهادر إلا النزر القليل وأصفياء الشعب وأهل الحكمة والحنكة، وأفرادا لا يملكون صوتا مسموعا في ظل أصوات القنابل، وهدير القصف الذي لا يسمع الشخص حتى صوته ونبضات قلبه، والتنافس البغيض إلى رأس الهرم بقوة السنان وصوت الرصاص والطرق الملتوية، وفرش الجماجم في طريق الكرسي اللعين وإزهاق الأرواح، وتمزيق الوطن، وتشويه التأريخ، جعل الشعب أما ميتا، أو طريدا، أو لاجئا، أو جريحا، أو مريضا، أو مفقودا، أو مجنونا، أو تائها.

وفرّ الشباب من الوطن، وأصبحت المدن خالية، والنوادي فارغة، والطرق غير سالكة، والأحياء بالية، والمدارس مغلقة، والوزارات منهوبة، والجامعات خاوية على عروشها، والأسواق هاوية، ولا ترى فيها سوى مواء القطط، ونباح الكلاب وقعقعة الأبواب المهترئة، وأوراق تعبثها الرياح، وأغنام هاربة، ومجانين يرقدون على الأرصفة، وبقايا الخضروات المتعفنة، ومباني هرمت وشاخت كأحلام الشعب الحزين، وأفراد الموريان أصحاب العيون السوداء والبشرة الكريهة وهم يمضغون القات بنهم وشراهة، و تفوح منهم رائحة الدماء لتفنّنهم في مص الدم ولعقه وسفكه بدم بارد وبقلوب مريضة أعماها الجهل وحب الانتقام والتلذذ بعذاب الضحية.

وشرد الشيب وهربوا إلى المجهول، وذاق الأولاد أبشع أنواع المجاعة، وسوء التغذية، والانتهاكات الجسدية والنفسية، ومزّقت العذرية لكثير من بناتنا، ولّطخ شرفهنّ تحت وقع البندقية والتهديد وعلى مرأى ومسمع الجميع، ونَهب أثرياء الحرب كل ممتلكات الدولة ومقدرات الوطن، وحمل إلينا الصحف والمجلات والتليفزيونات العالمية والمحلية أخبار الدمار، والركام، والمجاعات، والجفاف، والموت الذي يطل رأسه من كل شبر من الوطن، حتى أصبحت الصومال دولة فاشلة بكل المقاييس، واسما مقرونا بالقبح والكراهية وسوء الإدارة والفساد والفشل.

جماعات من الشباب الذين يشكلون سواعد هذا الأمة وقلبها النابض ومستقبلها المشرق يموتون ــ يوميا ــ في عرض البحر وفوق زوارق الميت وسفن الهلاك، يأكلهم قرش البحر والقواقع وهم يهربون من بروفة الموت إلى الحياة التي تناديهم هناك في القارات البعيدة والبلدان النائية، وتضيع أحلامهم ويفترسهم الموت وينهش جسدهم وهم عالقون على قمم الأمواج المتلاطمة والعواصف الرعدية المخيفة، أو تنتهى آمالهم بين الكثبان الرملية والصحارى الممتدة، وبعضهم تمزقهم القذائف إربا إربا، وتلتهم الصواريخ جسدهم الطري ويكون أشلاء متناثرة، وأعضاء مبتورة، وجسدا حولته الصواريخ أثرا بعد عين، وبعضهم أصبحوا وقودا للحروب وأرقاما بلا هوية تتساقط كل لحظة وحين كأوراق الأشجار في عز زوابع الخريف.

الخوف منتشر في جميع الأزقات وفي داخل الأحياء، والبراري، والصحاري، والمدن، جنود مدججون بالأسلحة لا يخافون الله ولا يهابون من البشر، وموت جماعي لتأنيب الضمير والوازع، والراكبون على الدنيا الآيلة للسقوط مفترشون على الطرق المؤدية إلى الحتوف، وجحافل المصابين ينتظرون الفرج من السماء، وملايين المشردين يعانون من الانتهاكات الصارخة هناك في المخيمات اللاجئين في أفريقيا السوداء وآسيا وأوروبا وكل بقاع العالم، الموتى مجندلون في الطرقات والشوارع، ذابت أجسادهم وتعفنت تحت أشعة الشمس الحارقة، وغابت ملامحهم وتغيّرت، وانتهت أعمارهم وفنيت حياتهم، وذهبوا إلى الأخرة ضمن قوافل القتلى المجهولين، رائحة الموتى والبارود تزكم الأنوف، والجوع تفرك البطون وتلهب الأحشاء، والظمأ يحول الإنسان من كائن يتحرك إلى آلة صماء في صورة إنسان.

الشعب يستظل السماء، ويلتحف العراء، ويأكل ما يقع على يده، أشجارا، أوراقا، بقايا طعام انتهت مدة صلاحيته، سم زعاف، فمه مفتوح لكل لقمة إن وجد، عيونهم معلقة برحمة الرحمن وأماني برئية هرمت وشاخت، وحفاري القبور مهوسون بنهب الخيرات وتغذية الصراعات، ومنهمكون لزيادة أعداد الموتى الذين سيرسلون من ضجة الدنيا إلى سكون القبور، ومن نبض الحياة إلى سكوت البرزخ، لأن تجارتهم تنشط في موسم المعاناة والأسى، وكلما ارتفع معدلات الشقاء والوفيات يجنون أموالا طائلة، وتبور تجارتهم كلما عمّ الأمن والسلام في ربوع الوطن، وعاد الجمال إلى موئله، وترجع الابتسامة المخطوفة إلى جبين الصبايا والكبار.

ساءت الأمور وتعقد الوضع كثيرا فهربت الأسر من الجحيم الذي لا يطاق، ومن اللهب الذي شظاياه أحرق الأجساد وأجهض الأحلام المشروعة في رحم الغيب، والعنف الذي شوه نضارة الوطن، وشطب ألق المدن، وخلابة القرى، وجعلها خرابا يقطر منها الدماء المسفوكة، وبيوتا مهجورة عنوانها الكآبة والأسى، مات المئات بل الآلاف تحت قصف الراجمات والقنابل التي لا ترحم، والصواريخ التي تهدم البيوت على رؤوس ساكنيها، وتساءل الشعب: كيف تحولت الشخصية الصومالية اللطيفة إلى وحشي كاسر وسباع ضاري؟ أين النخوة والشهامة الصومالية العريقة؟ ولكن إذا أقبلت الفتنة وشمرت ساعديها فصوت الحق مكبوت، وصدى العدل مفقود، وتأنيب الضمير والجمال دائما غير مسموع، ومنطق العقل والتّأني يختفي تحت برق الموت الزؤوم.

تحولت المدن إلى ساحات ساخنة للمعارك العبثية والصراعات الصبيانية التي لا نعرف إلى اليوم من الخاسر والرابح في هذا الصراع الذي طال وتمدد وأحجب الرؤية والأمل في عيون الشعب المرهق بالجوع والمضني بالجرح العميق، القرى الجميلة أصبحت ميدانا للإعدامات الجماعية ومكانا يمارسها المليشيات المهوسة بالقتل والدمار هوايتهم المفضلة تعذيب الإنسانية وإرهاق البشر وإزهاق الأرواح وتلطيخ الشرف والكرامة.

المياه الصومالية أصبحت مستباحة لكل الدول والقوى المتغطرسة وحتى الدول المجاورة الضعيفة، وأصبحت الشواطئ الصومالية الخلّابة والسواحل النظيفة مزابل للنفايات السامة والمخلفات الضارة وغرفة للتجريب تابعة للقوات العظمى، وبدأت حركات الصيد الغير شرعية تنشط في الصومال المنكوب، وتجرف كل الأسماك وجميع الكائنات الحية الموجودة في داخل البحر حتى البيض واليرقات، بانتهاك صارخ لكل المواثيق والمعاهدات الدولية التي تنظم صيد الأسماك في العالم، ولكن في عالمنا المتغطرس الذي أصبحت القوة سياجه الوحيد لا يوجد دولة تحترم أمة جعلت نفسها أضحوكة العالم ومتندرة الكون.

الثكنات العسكرية استولي عليها المليشيات القبلية الهمجية، والحركات المتمردة على الحياة والقانون والدولة، وتدفق كافة أنواع السلاح على أيدي الشعب وبكميات هائلة وبكافة أنواعه، وأطلّ الموت راسه من كل زاوية من زوايا البلد، وتوقفت حركة السير تماما، وباتت المدن كانتونات ومقاطعات منغلقة ومنطوية لذاتها، والملاحة الجوية والبحرية أغفلت أبوابها، والطرق التي تربط أجزاء الوطن وقعت على أيدي قطاع الطرق الذين وضعوا آلاف النقاط التعيسة لكل كيلو متر من الطريق.

وفي هذه الطرق الملئية بقصص الرعب، وحكايات الموت، وأساطير المعاناة تفتح المنيّة أبوابها وكانها أبواب مفتوحة للحفلات الجماعية التي يدخل الشعب زرافات ووحدانا، يقف الشخص على أبواب نقاط التفتيش فيمارس ضده أبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي، وبعد النهب والاغتصاب إن كانت من الجنس الناعم يوزن المرء ويعطى الشخص التعيس للمليشيات المسلحة بوزنه من العملة المحلية فداء لروحه!، هذا لمن ابتسم له الحظ وصادف والمزاج المورياني عال جدا، ولكن تكون الحكاية أعقد إذا قالوا نريد وزنك من العملة الصعبة من الدولار مثلا الذي يعد العملية الرسمية في ربوع الصومال بعدما تدهورت القيمة النقدية للشلن الصومالي حتى وصل به الحال أن صرف 100$ يتطلب أكياسا وجيوبا عدة ولا يمكن أن يحملها شخص واحد.

ويكون الحال أعقد إذا قال واحد منهم يمضغ القات بخد متمدد وعيون جاحظة، وقتل الأرواح عنده أسهل من شرب الماء أريد وزنك ذهبا!، وهنا تحدث المشكلة ويتعقد الوضع ويكون هذا الشخص إن لم يتجاوب مطالبهم في عداد الموتى وقافلة الراحلين إلى برزخ القبر ليوم يبعثون.

%d مدونون معجبون بهذه: