صدى الأيام (1)

كانت الصومال منذ القدم مكانا لأنبل الرجال وأجمل النساء، وموطنا يحضن رجالا نحيلي الأجسام، بيض العمائم، سمر الجباه، مزركشي الأثواب، الإبل كان مفخرتهم وأساس حياتهم في مضاربهم الممتدة بامتداد شرق أفريقيا، ومجالس الشعر، ونوادي النثر والسمر على ضوء القمر قرب مبارك الإبل أو مشارف الحي متنفسهم الأجمل الروابي المعشبة، وهامات الجبال أو الصحاري المترامية هي تكاياهم في زمن الحرب والترحال، وفي موسم الرخاء والسلام.

سجيتهم الشهامة، وإكرام الضيف، والبأس عند الوغى، والشجاعة، والذود عن المحارم والمقدسات صفاتهم، تجري الحماسة في عروقهم النابضة بالإيقاعات التأريخية للأيام المشهودة والوقائع المتناثرة على ممرّات التأريخ، وحب الرحلات والتنقلات مجبولة في طبعهم البدوي الأصيل، فهم يتنقلون بحرية تامة عن مضاربهم الوادعة ومنازلهم إلى الأدغال البعيدة والأحراش المخيفة والسهول الواسعة، ويركبون الزوارق الشراعية، وقوارب الموت وهم يذهبون إلى البلاد البعيدة طلبا للأرزاق وكسبا للأموال وتحسينا لمستولى المعيشة دون خوف أو وجل، عيونهم تشع بالحيوية والصرامة، وقلوبهم ملئية بالثقة والتجلد، وخلاياهم دافقة بالحب والحنين، والصراحة تجري على لسانهم ولا يخفون وجوههم بأقنعة زائفة ومكاييج للي عنق الحقائق.

في مجالسهم الذي يتحول صدى للأيام، وسجلات خالدة للنسب وتأريخ القبائل والشعر والشعراء، يتحدث أكبرهم فيصغي الجميع وهم قد احتبوا بردائهم على فناء القرية وتحت شجرة وارفة الظلال،على بعد أمتار قليلة لإصطبلات الخيول، أو لمرابط الأغنام، ويلقى أديبهم كلمات الشعر، ويطلق عنان الحروف المشحونة برائحة الحاضر ويرسل دولة القوافي إلى أبعد الحدود ويتناول الأحداث الموغلة في القدم والعقود الغائرة والأحداث الجديدة، وهو يهدر كالأمواج الهائجة يرعد ويزبد، أو يلقي النثر السلس فيتفاعل الجميع ويدخلون موجات من النشوة النادرة ولحظات من الصفاء السعيد، لأن الشعر طُبع في مكنوناتهم وتداخل مع نفسيات الإنسان الصومالي الذي ينضح شعرا وأدبا، أو يقول الشيخ كلمته الوعظية وآياته القرآنية وأحاديثه النبوية فينصت الجميع ولا يتحركون كأن على رؤوسهم الطير.

وميض غامق ينبثق من عيونهم الغائرتين فيشق أصداء السنين، ويتلاشى حواجز الحاضر وهم يجلسون تحت الأشجار الوارفة بحلق مغلقة توارثها الأجيال كابرا عن كابر، وأصبحت ثقافة في عمر الوطن، وعمر الوطن قديم، حيث دلت الأحفوريات الجديدة أن أقدم إنسان في الكون عاش في القرن الإفريقي قبل ملايين السنين، وقبل أن تتشكّل بعض القارات التي تعتبر نفسها أنها الرائدة اليوم.

في هذه الجلسات المترعة بقصص العابرين، وأحاديث السمار، وأناشيد الحرية، وأغاني الوصال، وحكايات الماضي، وحل المشاكل القبلية الطارئة، وعقد القران وعقود الزواج، كانت أكواب الشاي تدور ولا تهدأ، والضحكات المتقطعة حينا والمجلجلة تارة أخرى تصدح وتخبو كأغاني إفريقيا وطبولها، ولبن النوق الذي غمرته الرغوة يعتبر زينة الجلسة، وحركات الرجال الذين ينضمون إلى الجلسة والمغادرين منها لا تهدأ وإن طالت الجلسة وتمددت.

هنا الجلسات والحلق المتوارثة تحت الأشجار وعلى فناء البيوت الصومالية التقليدية يعتبر بمثابة البرلمان، ومركزا ينقل إليه الأخبار وعيون الشعر، ومحطة يتزود بها القوم الثقافة والأدب وكل جديد في عالمهم البسيط، الأخبار تأتي من كل حدب وصوب تجاه هذه المجالس، ويأتي إليها الجميع ليبرزوا محاسنهم أو ليقدموا نظرياتهم أو ليجدوا مآربهم، وهنا تتوصل القبيلة الحلول الناجعة وتحل المشاكل، على وقع القصص الدائرة حول أسراب الخيول، وقطيع الإبل، والزوجة الجميلة التي تستطيع طهي الطعام بإتقان شديد وترحيب القرابة في البيت، وأخبار الأسواق التجارية في المدن الكبيرة، وحكاوي موغلة في التراث الصومالي، والصعود إلى هامات الجبال ومراقبة الشروق والأصيل، وكل ما ذكرنا متعة لا يضاهيها أي متعة عند البدوي الصومالي الأصيل.

عندما كانت قرارات هذه الجلسات التأريخية تقود المجتمع وقبل أن ننزلق في أحضان الكراهية والعنف كانت المشاكل تحدث في عرض الوطن وطوله، والمصائب تأتي من داخل الشعب وخارجه، والحروب تقع بين القبائل، والمشاكل تدور على صحن الشعب، والصراعات تتوالى في الساحة الصومالية، والاقتتال الدموي كان يعود كل مرة إما بسبب المراعي والكلأ، أو الآبار وأماكن المياه، أو بسبب الزعامة واستئثار الحكم، أو بسبب الإبل والجياد وسطوها، أو بسبب السمراوات الطوال وجميلات القوم اللائي كن عقد الرمان، وحفظ شرفهن وكرامتهن تتبوأ على أعلى المراتب لسلم الأوليات للقبائل الصومالية التي ترى أي تجوزات في حقهن نغيصا وازدراء لهذه القبيلة وتلطيخا لشرفها وكرامتها.

ولكن كلما يحدث الصراعات الأهلية والاحتكاكات الأخوية، وكلما تتعاقب النكبات والحروب على حياة الشعب كانت التفاهمات تسرع قبل أن ينتشر الحرب في أوساط الناس كانتشار النار في الهشيم، وكان التسامح والتعايش والحوار الجاد يجري مجراه لتهدأ عواصف الحروب وموجات الثأر التي لو استيقظت لا تهدأ ولا تنتهي أبدا، وكان الحل في متناول الأيدي ومرتبطا بكلمة واحدة يقولها زعيم القبيلة أو شيخها لطيبة القلوب الحية، والنفوس السمحة، والتمسك بتعاليم الدين، واحترام العادات والتقاليد الصومالية أو ما كان يعرف بـ حير (Xeer) الذي كان ينظم الحياة ويوزع الأدوار.

و (الحير) أو الوثيقة المحلية للصوماليين، تنص كل الأحداث والوقائع ومقدار الديات والعهود المبرمة بين القبائل في الحوادث الكبيرة، بدأ من القتل، والنهب، وقطع الطرق، والاعتداء النفسي والجسدي كقطع أعضاء الإنسان أو بتر أصابعه، أو كسر عظامه، وحتى الزواج والمعايير المتعبة للحل، كما ينص كيفية حل المشاكل والطرق المتبعة لانتهاء الحروب والمال الذي ستدفع هذه القبيلة إلى القبيلة المتضررة جراء تصرفاتها في تلك الحادثة أو هذا الحرب.

وكانت القبائل تذعن وتنقاد، وتقف ما يأمره الشرع الحنيف وبنود الحير الصومالية الذي هو في معظمه تقنين للشريعة، لأن القلوب لم تكن تضمر الحقد والحسد والجشع الذي أصاب القوم، ولم يكن الحل يركض ركضا يطوي المسافات طيا مثل زماننا هذا الذي أصبح الوئام شئيا صعب المنال، والأمن والسلام أشياء يتذكرها الإنسان في عز محنته التي أحاطته من كل جانب كإحاطة السور بالمعصم، وبات الحل العدل الذي يرضى الأطراف المتصارعة والقبائل المتناحرة أشباحا مخيفة تتسكع في العراء ووراء الضباب بوجوه كالحة سوداء، وجباه معفرة بالدماء، أو أطيافا من الجان تزيد للجرح تعفنا، وللنفوس نكاية واضطهادا، وللقلوب الكسيرة أوجاعا وفواجع يندى لها الجبين.

وبمرور الزمن وتدفق لحظاته تغيرت الطبائع، وتبدلت الصفات، واختفت الحكمة والشهامة والكرم وراء الحروب والصراعات التي لا تنتهي، وتوغلنا في دروب الخوف والبربرية، وفاضت ينابيع الألم وعيون الوجع، وانتهت المحاسن وذبلت الأزهار، واختفت مجالس الشعر والأدب، وعم الجفاف، وكثرة المسغبة، وساد القمار السياسي، والتحلل الأخلاقي، وفقدنا لذة الجمال والذوق الرفيع كأننا نتلوى في خريف عمرنا القاسي.

ولم يعد الشروق ببهائه والأصيل بقرمزيته يبهر الإنسان الصومالي، وركب الجميع موجات الإبادة، وماكينات طحن الأعراض والأنفس، وذبذبات الانتقام بعيون تضمر الحسد، وبقلوب تحجرت وتركت الحق والجمال، وفي ضمن هدير الحروب فقدنا من يستمع صوت العقل ويرجع عند الأزمات إلى الأعراف الصومالية وتقاليدها وموروثاتها الدينية والثقافية التي كانت من السهل أن نجد الحلول الناجعة للأحداث مهما كانت قوية ومتشابكة الخيوط، وعاش الناس حياة تعيسة متعددة الألوان، متباينة الأهداف، مختلفة الاتجاهات، البؤس والحرمان والشقاء عنوانها، وخطوطها العريضة هي الآمال المعلقة على سراب الهجرات الجماعية، والفاقة، والتشريد، والموت الجماعي على الأرصفة الباردة، وفوق قوارب الموت، وتحت القذائف الممزقة للأجسام، والقنابل المبيدة للإنسان.

وساهم في تأجيج الصراعات الطبائع الصومالية التي تغيّرت وتبدلت، بعدما انتقلت بنا الأيام من حياة البداوة والنقاء، والغابات الخضراء كأنها وردة كبيرة، والأجواء المفتوحة لألق الطبيعة التي يجلس المرأ أمام الشمس الغاربة، والنجوم الصاعدة بهدوء عميق وهو يطالع تفاصيل الشمس التي تصبغ لونا أرجوانيا جميلا على جبين السماء الباسمة، والقمر الذي ينشر نوره على جنبات الكون ويتربع في كبد السماء كأنه يراقب همسات المحبين من بعيد، وينظر فوق هامة الفضاء حركات الإنسان الساعي إلى استعباد البشر واستئثار الحياة، وسير الحيوانات وهم منغمسون في تفاصيل حياتهم اليومية.

وينظر الكون من علّ مطلّ للسهوب المفتوحة فيري الأنهار التي تعانق المحيط في صورة بانورامية خالدة، والأشجار الباسقات كالسنديان وهن يتعانقن كحبيبين تعانقا واتحدا بعد التلاقي، والوديان المغمورة، والجروف الممتدة، والمستنقعات الكثيرة، والنجوع والروابي المعشبة، والحيوانات المتنوعة التي تمرح وتسرح، وينظر البرق وهو يلمع في الأفق، وتثير فضوله وحسه الشاعري دمدمت الرعد التي تهز الجبال كأنها قصف مرعب.

والمياه التي تتسلل بين الجبال وشقوق الصخور، والمجالس والتكايا منشأ الشعر والأدب وهي تدور فيها نوادر الظرائف، وبوادر الطرائف، والألغاز، والحكم، والأساطير، والعبقرية الصومالية تظهر عند الشعر والأدب، الذي معظمه يروي شفاهة عند الصوماليين، لأنهم بطبيعتهم المحببة للشعر وذاكرتهم القوية كانو يحفظون الشعر ويولون به اهتماما كبيرا ويلقون به عندما يسمع أحدهم.
والإبل التي تأكل وتصارع مع الأغصان الرطبة المتدلية كالعناقيد، وثغاء الماعز وراء الأكمة تصل إليه متقطعا، وشيخ القبيلة الوقور الذي لا يتكلم إلا لماما يجلس تحت الشجرة الكبيرة تقع على يمين الحيّ وأمام بيته المدبب المبنيّ بطريقة جميلة تتكأ على الموروثات الثقافية، وتعتمد الذوق العام لحياة البداوة الأصيلة، وهو يردد أوراده المسائية على وقع صخب القرية، وصيحة الأولاد، وصهيل الفرس، والسبحة السوداء لا تفارق أنامله المصابة بالرعشات وتعرية الزمان.

وهناك وخلف الهضاب يقف الشباب ويمارسون ألعابهم الشعبية ورقصاتهم الفلكلورية، ويقفن الفتيات أمامهم وهم ينشدن ألحان الوجود ورنات الصفاء كأناشيد الطيور، أو كشدو القمرية في الأفياء الواسعة، وكان فارح يسعده شرب حليب الإبل مع رغوته المميزة قبل طلوع أشعة الشمس الذهبية، وفي المساء يصعد إلى تل رفيع كان في شمال القرية ليراقب الإبل من بعيد وهو يأكل أشهي الوجبات والذ الطعام في بطن الوادي القريبة للحي، أو السمراوات الطوال وضفائرهن وهن يسقين القوم، لأنها كانت عنوان حياتنا البسيطة التي تدور تفاصيلها مع أفراد العائلة والأقارب وعدد النوق والآبار وموطن الكلأ في المواسم الجافة.

2 تعليقان

  1. عبد الرحمن عيسى

    كلمات رائعة ولغة رصينة تروي صدانا اللغوي لمثل هذه الرواية صدى الأيام، لقد أخذتنا في جولة في تراثنا الأصيل الإبل وما أدراك ما الإبل ؟ حيث يقول المثل الصومالي كل فتنة عند جيل أي الإبل فالإبل يمثل الشخصية الصومالية المتمردة على الحدود والقيود الي تفرض عليه بقائمة إفعل ولا فعل، والحير الذي هو أهم وثيقة تنظم شئون الحياة المختلفة من الزواج وحتى الحرب والأدب الصومالي العريق الذي يتغنى بجمال النساء والطبيعة الخلابة من الأنهار والوديان والسهول .. لقد استمتعت بقراءة هذه الرواية وشكرا جزيلا لك

%d مدونون معجبون بهذه: