الأخوة الدينية في دساتير الحركات الإسلامية

 الأخوة في الدين مطلب إلهي شرعي لا يخضع لرغبات الناس ولا لمرئياتهم وآراهم الخاصة ، ولا يتعامل الناس بسبب لونهم أو عرقهم أو لغتهم أو جنسيتهم أو مستواهم المادي من الغنى والفقر ، أو مسؤولياتهم الإدارية أو مكانتهم الاجتماعية والأدبية ، أو المهن التي يزاولونها أو غير ذلك من الفروقات التي أحدثها الناس من أجل التفريق بين بني البشر لحاجة في أنفسهم ، من غير اعتماد على دليل شرعي مصون أو عقلي مقبول ؛ لأن كلهم من أدم ، وخلق آدم – عليه السلام – من التراب ، ولله در القائل :

الناس من جهة التمثيل أكفاء         أبوهم آدم والأم حواء

نفس كنفس وأرواح مشاكلة       وأعظم خلقت فيهم وأعضاء

فإن يكن لهم من أصلهم حسب        يفاخرون به فالطين والماء.

 وهذا الاختلاف والتنوع أيـة من الآيات الدالة على عظمة الباري سبحانه ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ) ، وقال تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كذٰلِكَ).

 إذا فهذا التنوع البشري لا يغير من خطاب الشرع شيئا ، بل يعتبر كلهم أخوة في الدين ما داموا متمسكين باسم الإسلام ومنضوين تحت ظله وان اختلفت أجسامهم ، وتباينت لغاتهم، وتباعدت ديارهم، حتى ولو كانت عندهم مخالفات وذنوب ، وجاءت الآية الكريمة ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) بأسلوب خبري لا إنشائي لتأكيد هذه العلاقة المميزة ووجودها أزليا حتي لا يحاول أحد الالتفاف عليها أو التهرب من استحقاقاتها .

 وهذه الأخوة لا تتوقف عند حدود الدنيا بل تستمر في دار القرار ( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ )، وتصفوا من أكدار الدنيا ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) ، ويرفع أهلها الحمد والشكر للذي مكَّنهم من تحقيقها ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ) .

 ويحث نبينا صلى الله عليه وسلم أمته الاهتمام بها والتعاهد عليها بالرعاية والصيانة ؛ لأن أهلها يفوزون بظل العرش ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : ” أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلالِي ؟ الْيَوْمُ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلِّي ) ، والنور يعلو على جباههم ، عن عمر بن الخطاب  رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم :”إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تعالى”. قالوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ. قَالَ : “هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلاَ أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا ، فَوَ اللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ ، لاَ يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلاَ يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ”. وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ( أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ).أخرجه أبو دَاوُدَ وصححه الألباني .

 وأخبرهم بأنهم لا يجدون حلاوة الإيمان في قلوبهم إلا بسببها وفي سبيلها ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ، وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ) ، وغير ذلك من الأحاديث الواردة في هذا لباب .

 ومن حقوق الأخوة : ردُّ السلام ، وتشميت العاطس ، وزيارة المريض ، واتباع الجنازة ، وإجابة الدعوة ، ونصر المظلوم ، وإغاثة الملهوف ، وإدخال السرور عليه ، والنصح له ، وحب الخير له ، والفرح بفرحه ، والحزن لحزنه ، ومعاملته بالتي أحسن ، والبعد عن إيذائه ، وعدم التشميت به ، واحترامه وتبجيله ، وألا تحسد عليه ولا تحقره ولا تسلمه ، والدعاء له على ظهر الغيب ، وأن لا تنشر سَّره ، ولا تخون أمانته ، وأن تدافع عن عرضه ، وغير ذلك من الحقوق العامة والخاصة المبسوطة في بُطُون الكتب .

 ولم تكن هذه النصوص ألفاظا وجملا خاوية المضمون تُلقى على آذان صُم وقلوب غلف ، بل هي ( آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) ، وكان حالهم ( سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ) ، فأثمرت هذه التوجيهات في قلوب الصحابة وأفعالهم ، فأنزلوها في واقع حياتهم وأصبحت جزءا لا يتجزأ من أعمالهم اليومية ، فأينعت شجرتها فأتت (أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ) ، فصاروا قادة الأمم وسادة الأرض ، وجيلا لا يتكرر ولن ترى عين مثله .

 والذي حملنا بتسويد هذه الكلمات التي لا تخفى على كل مسلم – لأنك لا تدخل مسجدا ، ولا تحضر محاضرة ولا اجتماعا خاصا أو عاما إلا وهذه النصوص تأخذ نصيبها من التبيان والتذكير لكي يشعر الحضور بالتساوي والندية – هو واقع المسلمين اليوم عامة والحركات الإسلامية خاصة؛ حيث صارت الشعارات والكلمات المعسولة والخطب الرنانة تـملء الساحة صراخا وعويلا من غير أن تنجز شيئا حقيقيا في تحقيق وتطبيق حقوق الأخوة في أرض الواقع .

 فيا ترى هل ما يُسَّطر في دفاتر الحركات ولوائحها الداخلية من توجيهات وتعليمات حول تأكيد مبدأ الإخوة ، لها نصيب وحظ في أرض الواقع ، أم – هو كما يقال في المثل الشعبي- درُ الرماد في العيون ؟ .

والحقيقة أن ما تقوم به حركات العمل الإسلامي عامة والصومالي خاصة أمر لا يقبله النقاش ولا التشكيك ، ولا يحتاج إلى تذكيره وتكراره في كل مناسبة أو غيرها ، بل هو أمر بين ومشاهد .

 ولكن هل هذه الجزيئة المتعلقة في تحقيق الأخوة بين أبناء الحركة الواحدة قبل غيرهم ممن لا ينتظمون أو لم تُقَيد أسماؤهم في دواوين الحركة ، يحصلون نفس الاهتمام والترحيب الذي يحوزه من له صلة بِـعِـلْية القوم أم لا ؟.

فلنقتبس بعض ما ورد في دستور اثنين من الحركات الإسلامية الصومالية ، فكل واحدة منهما تمثل مدرسة دعوية معتبرة .

الأولى : تقول إحدى الحركات المنتسبة إلى المدرسة السلفية ( ونعتقد أن دعوى القومية والوطنية والجنسية والقبلية والحزبية ونحوها من الدعوات التي تجعل الولاء والبراء من أجل هذه الأمور لا من أجل الدين، أنها دعوات جاهلية باطلة تجب البراءة منها )

 وفي موضع أخر ( ونرى أن كل جماعة من المسلمين اجتمعت على خير وبر ودعوة ، هم إخوان لنا ، ما لم يجعلوا تجمعهم هذا جماعة المسلمين ، مكفرين سواهم أو متعاونين فيما بينهم على الإثم والعدوان ).

والثانية : وأما التيار المنتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين يجعل من أهدافه الكبرى ( رفع وعي الشعب وترسيخ القيم الإسلامية والوطنية مثل الأخوة ، وحرية الفرد ، والشورى ، والعدالة ، وسيادة القانون وغيرها ).

 فهذا الكلام المسَّطر في دستور هاتين الحركتين كلام في غاية الروعة والجمال ، ولا يقتصر على صفحات الورق المكتوب به ، ولكنه كلام يتكرر تأكيده في كل اجتماعات ومجالس الحركات العامة والخاصة ، ولا يتوقف عند هذا الحد بل يكتب على اللوحات والملصقات التي يزين بها في مداخل ومكاتب الحركة أو يطبع على المطويات والنشرات التي تصدرها الجماعة .

ولكن هذا الكلام الجميل يتلاشى ويذهب بأدراج الرياح ولا يكون له أي مصداقية في أرض الواقع إلا في حالات نادرة ، وتبرز المحسوبية وتفضيل بعض الأتباع على غيرهم ، من غير مبرر شرعي أو مصلحي معتبر ، فَيحوز من كان قريبا للقيادة والمتنفذين بسبب الانتماء العرقي أو الجهوي أو من تتقاطع معهم المصالح الشخصية بكل حقوق الأخوة المادية والمعنوية ، فيقدم على غيره ممن لا تربطه علاقة مميزة بهؤلاء .

فالأخوة المذكورة في صفحات دواوين الحركات ومستحقاتها ينحصر في أتباع الحركة دون غيرهم ، وإن كانت توحي بالتعميم ، ولو ذهبنا نستقصي القصص المؤلمة الذي يرويها المتضررون من هذا التصرف المشين لطال بنا الكلام .

قد يقول من لم يتضوّر ولم يتأذ من لهَيب أو رماد هذه المصيبة ، بأنه كلام غير منصف أو شنشنة نعرفها من أخزم ، مدعيا بأن الحركات لا تزال ترفرف عافيتها ، وإن كان هناك أخطاء وملاحظات في بعض التصرفات الفردية التي لا ترقى إلى التعميم والتهويل.

 نعم ، لا يجوز التعميم ، ولكن الأكثرية تزاول المحسوبية وتقريب الثقات بوعي أو بغيره.

والإيمان الذي بسببه تحققت فيه الأخوة هو الإيمان المذكور بالكتاب والسنة ، فكل من اتصف به فله كامل حقوق الأخوة من غير نقصان ، فالمنتمي إلى التيار السلفي الحركي أو اللاحركي ، أو المدرسة الإخوانية ، أو الدعوة التبليغية، أو التصوف ، أو المدرسة الفقهية ، أو الحديثية أو غير ذلك من المدارس المعتبرة ، كلهم أخوة في الدين ، ولكن من المؤسف جداً أن ترى أن هذا العقد الفريد يُنقض اليوم بأيدي أناس كان المأمول منهم أن يسعوا بإحيائه بين المجتمع ، وأن يكونوا قدوة لغيرهم .

ومن المضحكات المبكيات أن بعض الفضلاء يتعللون بوجود هذا الداء بين التيار الإسلامي الصومالي قائلين بأن الدنيا تغيرت وأن الناس لم يعودوا على الصفاء المطلوب ، وأن الدعوة تضررت كثيرا بعد انتساب عدد من باحثي المال والشرف والشهرة إليها ، وشوَّه هذا الفعل سمعة الدعاة ، ولذلك اضطر الأخوة بالتريث وعدم الاطمئنان إلا لأهل الثقة ، لحماية مصلحة الحركة وانسياب عملها ، وما يُسمِيه البعض من تفضيل بعض الدعاة أو طلبة العلم في داخل الحركة على من سواهم بأنها من المحسوبية المحرمة ، نقول ليس الأمر كذلك بل هو من المصلحة التي تراها الجماعة ، ولا يضيرها الاصطلاحات ؛ لأنه لا مشاحة فيه.

قلت عذر أقبح من ذنب ، حقوق أقرتها الشريعة الغراء يُـمحى بجرة قَلَم من غير اكتراث ولا إعطاء اعتبار للدين والعلم والخلق الحسن الذي جُعل الميزان الحقيقي والمعيار الرسمي للتفاضل بين الناس .

فأي جناية أكبر من اعتبار المحسوبية بأنها تصب في مصلحة الدين والدعوة ، فيا لها من أفكار منكوسة وأفهام معكوسة وأوضاع ميؤوسة وأحوال مطموسة ، ودنيا متقلبة وأخلاق متبدلة ، ورحم الله القائل :

وليس أخي من ودني بلسانه       ولكن أخي من ودني وهو غائب

ومن ماله مالي إذا كنت معدما     ومالي له إن أعوزته النوائب

 فما أكثر المدعين وأقل الأوفياء .

والمشكلة الكبيرة التي جعلت الناس ينزلقون إلى هذا الحظيظ لا تكمن في النصوص الشرعية التي أبانت كل شيء ، ولكنها تعود إلى النفوس المريضة التي فضلت الفانية على الباقية ، وارتهنت اللذة العابرة على الدائمة ، وأطاعت النفس والشيطان في التعدي على الحدود ، ولله در الإمام البوصيري حيث قال :

وخالف النفس والشيطان واعصهمــا   وإن هما محضاك النصح فاتَّهِـــــم

ولا تطع منهما خصماً ولا حكمـــــــــاً    فأنت تعرف كيد الخصم والحكـــــم

استغفر الله من قولٍ بلا عمــــــــــــلٍ      لقد نسبتُ به نسلاً لذي عُقــــــــــُم

أمْرتُك الخير لكن ما ائتمرت بــــــــه      وما اســـــتقمت فما قولي لك استقمِ

 الله الله في دين الله .

الله الله في دعوة الإسلام .

الله الله في أخوة الدين .

الله الله في العدل والصدق .

%d مدونون معجبون بهذه: