حد الردّة وحريّة الاعتقاد (5)

النّصوص الدالة على ثبوت حد الردّة :

اقترح لي بعض الزّملاء تقديم موضوع الأدلة التي تدل على ثبوت حدّ الردّة على موضوع مناقشة الشبهات والمعارضات، إلّا أني لم أكن موافقا لهم على هذا الاقتراح، وإن كنت من حيث المبدأ أرى مناسبة ذلك. لكنّ الباعث عندي لم يكن لسرد الأدلة والنّصوص الدالة على الموضوع فحسب، إذ إنّها متيسّرة، وقريبة المنال للجميع. وإنّما كان الباعث الأهم من وراء كتاباتي هو كشف الغطاء عن المستندات والأدلة الشرعية التي يستدّل بها المخالف، ومحاولة إظهار ضعفها وهشاشة أساسها ثم المناقشة عليها على شكل مختصر دون التّعرض للتّفاصيل الكثيرة. فالجانب المعارض كان يتحدّى دائما على مخالفه من خلال وسائل الإعلام المختلفة وشبكات التّواصل متظاهرا أن رؤيته سليمة من النّاحية الشرعية، . وفيما مضى من المناقشات تبيّن للقارئ الحصيف أن هذه مجرد أوهام زائفة لا تدعمها الرؤية الشرعية.

ومن المعلوم أن الإسلام لم يحجّر حريّات النّاس بإطلاق، كما يتّوهم البعض، ولم يفتح لكل أحد تجاوز الحدود، وارتكاب العظائم، واستهانة المحرّمات، مثل سبّ الله والدّين والرسل والخروج من الإسلام، وتشكّيك الثوابت، فليس لأحد أن يرتكب مثل هذه الموبقات بأي حال من الأحوال، ولا مجال للحريّة في ذلك، فالكل مجبورون رغم الأنوف باحترام المقدّسات، وتعظيم الأمور الدّينية، والبقاء تحت رايتها بعد الرّضى والاعتناق، ممّا يؤكد أنّه لا سلطان في الإسلام فوق سلطانه مهما كان، والمسلمون يعتقدون ذلك جزما ويعتبرونه من الضرورات الشرعية والعقلية التي لا مفر منها.

فلو حاولنا أن نضرب مثالا واقعيا ملموسا يوضّح الصّورة: افترض لو أن شعبا من الشعوب أو فردا من الأفراد رضي أن يعيش في بلد ما، وكان لهذا البلد دستور (باعتبار أن الدستور هو المرجع القانوني الأعلى الذي يبيح ويحظّر) فكل فرد في هذا البلد ملزم باتباع هذا الدّستور وإن كان هو ممّن صوّت بالنفي وقت الاستفتاء؛ لأن الغالبية وافقت على تنظيم حياتهم وفق هذا التّصور القانوني. فهل يسع بعد ذلك لأيّ فرد من الأفراد اختار البقاء في ظل هذا الوطن إنكار بعض المواد القانونية المنصوصة في الدستور بعد الاستفتاء أم هو مجبر وملزم باتباع الدّستور والحياة تحت كنفه؟ وكيف يكون مصيره إذا لم يخضع للمقتضيات القانونية؟ فلا يشك أحد يعرف الحياة تحت ما يعرف “بدولة القانون” أنّ عليه الالتزام بموجبات القانون وأنّه تجري عليه أحكام هذا الدستور شاء أم أبى، وليس أمامه خيار غير ذلك، فالشّخص في مثل هذه الحالة ليس له حريّة تسمح له اعتراض أيّ قانون أو مادّة من مواد هذا الدّستور، ويعلم يقينا بأن كل تجاوز للقانون تترتّب عليه عقوبات محدّدة وصارمة، لا تقبل المساومة، وأنّه ليس بوسع أحد التفلت عن تبعات التّصرفات الصّادة منه وفق القانون. فكذلك كل فرد اعتنق الإسلام فهو مجبر وملزم باتباع شريعته وقوانينه، وليس له خيار في ذلك البتة. كما أنّنا نعلم يقينا أيضا الفارق الكبير بين القوانين الوضعية المخلوقاتية التي تكتسب صبغتها القانونية من المخلوق وبين شريعة الخالق الرحمن العلّام الغيوب الخبير بمخلوقاته الذي منع الخروج والمروق من الإسلام ووعّد بالوعيد والويل الشديد لمن اختار الكفر ونكص على عقبيه. وقصدنا من وراء هذا المثال توضيح القضية وتقريب الصّورة لأذهان القرّاء ولم نقصد مناقشة المقارنة بين الشريعة والدّساتير الوضعية، فشريعة الله العلّام الخبير أعلى وأجلّ من كلّ شريعة،. فإذا كان الله أعلم بمخلوقاته وأخبر فهو أرحم وألطف لهم من كل أحد، “أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ”، سورة الملك: [14] ، ومن ثمّ فتشريعاته وقوانينه أجدر أن يتّبع صغيرها وكبيرها، سواء علمنا حكمة التشريع منها أو لم نعلم. فالمؤمن الحقيقي لا يسعه سوى الاستسلام المطلق لتشريعاته دون أن يخوض التأويلات التعسفية التي تحيد النّصوص عن مساراتها الواضحة، ودون أن يخضع لضغط الأعداء الذين يشوّهون صورة الإسلام، والمغرضين من المسلمين الذين ينساقون وراء الشبهات والدّعايات المضللة.

أمّا موضوع الأدلة الواردة في ثبوت هذا الحدّ فهي من حيث الجملة متفاوتة وعلى مراتب مختلفة من حيث قوّة دلالتها وثبوتها، فبعضها ظاهرة على إيجاب هذا الحدّ ظهورا قويا، وبعضها تصرفات وتطبيقات صحابة الرّسول عليه أفضل الصّلاة والسّلام في حياته- صلى الله عليه وسلّم-، وهي المعروفة عند علماء الشّريعة “بالسنّة المرفوعة حكما”، وكذلك بعد وفاته الآثار الصحيحة الثابتة عن الصّحابة رضوان الله عليهم في أنّهم أقاموا حد الردّة على بعض المرتدين سواء كانوا محاربين أو غير محاربين. وممّا يورده منكرو حد الرّدة من الشبه التي لا تصحّ إطلاقا هو عدم وجود آية في كتاب الله تقرّر حد الرّدة، فهذا غلط علمي إذ المرتد واحد من الكافرين إجماعا فكان كالكافر الذي يقتل، لا سيّما وقد ارتدّ عن الدّين بعد معرفته، ومن العمومات التي يندرج تحتها المرتد قوله تعالى: “لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا”، سورة الأحزاب: [60-61] وغيرها من الآيات الآمرة بقتل المنافقين بعد أن يظهر كفرهم علنا. ومن جملة الأدلة القوية التي يستدل في ثبوتها أيضا إجماع الأمّة، وهو من أقوى الأدلة التي تحسم مادة النّزاع والاختلاف في المسائل الفقهية، ولم ينقل إلينا خلاف حتى الآن، اللهمّ إلا تشغيب المعاصرين الّذين يردّدون بالشعارات البرّاقة كالحريّة التي لا تنضبط بضوابط الشرع، والتي خرجت من حاضنة غير إسلامية، لا تمتلك التّصور الصحيح لمفاهيم الإسلام.

ومن العلماء الذين نقلوا لنا هذا الإجماع إبن قدامة الحنبلي[1]، والنووي الشافعي[2]، وبن عبد البرّ المالكي[3]، والكاساني الحنفي[4]، وإبن المنذر[5]، والصنعاني[6] وبهاء الدين المقدسي[7] وابن رجب الحنبلي[8]، وأبو عيسى الترمذي[9]، ، والشوكاني[10]، وإبن عابدين[11]، وابن دقيق العيد[12]، وابن جرير الطبري[13]، وغيرهم من علماء الأمصار، وفقهاء الأقطار من أهل العلم والفضل.

وهذا الإجماع كما ترى نقله غير واحد من أهل العلم، وقد قال الغزالي في حد النقل الذي يقبل به الإجماع : “يكفي غالب الظن الحاصل بقول عدل أو عدلين، وقد جوز قوم العمل بإجماع نقله العدل الواحد، وهذا يقرب من وجه”[14]. وبهذا يتضح أن قتل المرتد انعقد الإجماع على وجوبه بشكل واضح، وأن آراء بعض المعاصرين التي تطعن في حد الردة منقوضة بإجماع السابقين، والعيب قطعا في شذوذ المعاصرين لا في إجماع السابقين، وفي مثل هؤلاء يقول ابن قدامة: “وإذا كان الكتاب والسنة مشحونين بأدلتها والإجماع منعقد عليها فلا يجحدها إلا معاند للإسلام يمتنع من التزام الأحكام غير قابل لكتاب الله تعالى ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا إجماع أمته”[15].

أما سنة النبي صلي الله عليه وسلم فقد ورد في ذلك:

1- ‏ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «‏‏مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»[16].

2- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ “[17].

3- عنْ ‏أَبِي مُوسَى الأشعري رضي الله عنه: “أن النبي صلي الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن ثم أَتْبَعَهُ ‏‏مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، ‏فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ: انْزِلْ، وَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً، وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ دِينَ السَّوْءِ، فَتَهَوَّدَ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ: اجْلِسْ، نَعَمْ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ”[18].

وبهذا يكون قتل المرتد ثابتا عن النبي صلي الله عليه وسلم بنوعين من السنّة القوليّة والتقريرية، وقد اشتملت هذه الأحاديث على بيان حكم المرتد بصيغ مختلفة واضحة الدلالة لا تقبل أي تأويل، ومناط حكم قتل المرتد متعلق بتبديل وتغيير عقيدته وخروجه من الإسلام إلى غيرها من الأديان والنحل الباطلة.

وكثير من القرّاء الذين لهم متابعة في البحوث المنشورة بمسألتنا هذه يعلم حجم التلاعب الكبير الذي أصاب النّصوص الواردة بهذا الحدّ، وتغيير مناطاتها الشرعية المؤثرة تعمدا، ومزاحمة مناطات أجنبية أخرى التي ليس لها أي تأثير في بناء الحكم مثل الحرابة، أو التعدّي على المجتمع أو التعدّي على المصلحة العامّة، ممّا لم يرد في سياقات النّصوص بأي نوع من أنواع الدلالات المختلفة.

فمن البديهيات الاستدلالية في المسائل الشرعية أن الواجب على الناظر في دلالات النصوص الشرعية التحرر من كل غرض نفسي أو واقعي أو مصلحي، ويتجرد لتحرير المناط الذي اعتبرته الشريعة في بناء الحكم الشرعي إن كان مذكورا كما هي الحال في مسألتنا، ولكن يجد الملاحظ في مسألتنا هذه غير ذلك من التدليسات والتلبيسات المتعمّدة من جهة البعض، وبناء الحكم على علل غريبة لم ترد على حيثيات النّص ممّا أوقع أصحابها منهجيّة مضطربة في علاجهم للمسائل الشرعية وضرب بعضها بعضا، وضياع الأمانة العلمية، وإخضاعها لأهواء البشر، وهذا من جنس تحريف الكلم عن مواضعها وهو حرام بالنّصوص القطعية.

ومن المفارقات الملفتة للنظر أن منكري هذا الحدّ الذين يبنون رأيهم بأن القرآن لم ينصّ هذا الحدّ على حد زعمهم معظمهم يرفضون أحكاما منصوصة في القرآن الكريم كالجهاد، والغنيمة والجزية، وغيرها من الأحكام، رغم كثرة الآيات الواردة عليها مما يوضّح أنّ قصدهم ليس إنكار حد الردّة على أنّه حد لم يرد في القرآن الكريم، بل منهجهم في ذلك ردّ كل ما لم تدرك عقولهم، أو تقاصرت عنه معارفهم أو يتعارض مع القوانين الدولية والمواثيق العالمية التي صارت عندهم شريعة ناسخة للشريعة الإسلامية أو مقيدة لمطلقاتها أو مخصصّة لعموماتها. فهذا المنطق الإنهزامي مرفوض في شريعة الرّحمن، وهو تصرّف جبان لا يقوى على إيجاد حلول لمشاكل الأمّة المثقلة بأمرها، بل شأنه تكريس للواقع المرير الذي تمرّ به الأمّة، مهما حاول أصحابه إخفاءه أو إصباغه صبغة الواقعية، فالتلفيق بين شريعة الخالق والمخلوق جرم عظيم لا يتجرؤه إلا جاهل أو منافق.

الهوامش

……………………………………………………………

[1] – المغني لابن قدامة 9/3.

[2] – المجموع شرح المهذّب 19/228.

[3] – التمهيد لما في الموطّأ من المعاني والأسانيد 5/318.

[4] – الكاساني الحنفي 7/134.

[5] – الإجماع 127

[6] – سبل السّلام 383/2

[7] – العدّة شرح العمدة 1/616

[8] – جامع العلوم والحكم (1/312)

[9] – سنن الترمذي، حديث رقم 1458.

[10] – السيل الجرّار 4/383.

[11] – الدرر المختار وحاشية إبن عابدين 4/226.

[12] – إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام 2/217.

[13] – تفسير الطبري 3/17

[14] – المستصفى للغزالي 1/373

[15] – المغني 9/11.

[16] – أخرجه البخاري (3017)، وأبو داود (4351)، والترمذي (1458)، والنّسائي (4059)، وابن ماجة (2535)، وأحمد (2552).

[17] – أخرجه البخاري (6878)، ومسلم (1676)، والترمذي (1676)، وغيرهم.

[18] – أخرجه البخاري برقم (6923)، ومسلم (1733)

3 تعليقات

  1. عبدالواحد شافعي

    لا إكراه في الدين. فالدين ايمان واعتقاد بالقلب والاكراه لاينتج دينا ولا يقتضي ايمانا. فكما ان الحرية هي الاساس في اختيار الانسان لدينه فهي ضرورية ايضا في البقاء فيه او اختيار غيره من الاديان.

    فالكاتب مع انه لف ودار لم يأت بآية واحدة تثبت حد الردة في القرآن، ولكنه علي العكس من ذلك نري القرآن يؤكد بل ينفي ثبوت حد الردة، حيث اعطي للإنسان حرية الإختيار ومناط التكليف هو الإختيار، والمكره رفع عنه التكليف في الشريعة الإسلامية فلا يحصل منه إيمان ولا كفر.

    عبدالواحد شافعي

  2. عبدالواحد شافعي

    لا إكراه في الدين. فالدين ايمان واعتقاد بالقلب والاكراه لاينتج دينا ولا يقتضي ايمانا. فكما ان الحرية هي الاساس في اختيار الانسان لدينه فهي ضرورية ايضا في البقاء فيه او اختيار غيره من الاديان.

    فالكاتب مع انه لف ودار لم يأت بآية واحدة تثبت حد الردة في القرآن، ولكنه علي العكس من ذلك نري القرآن يؤكد بل ينفي ثبوت حد الردة، حيث اعطي للإنسان حرية الإختيار ومناط التكليف هو الإختيار، والمكره رفع عنه التكليف في الشريعة الإسلامية فلا يحصل منه إيمان ولا كفر.

  3. ألآية المذكورة كانت لقصة وحدث معين فلا تحاول ذر الرماد في العيون قال الله وهو أصدق القائلين من ابن حنبل وغيره ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) وقال أيضا ( لا إكراه في الدين وقد تبين الرشد من الغيّ ) فيا سيدي ارجع البصر كرتين .

%d مدونون معجبون بهذه: