حرية الرأي والقول… مسارات ومزالق

( يدور حوار بين فارح وجامع حول حرية القول والرأي ، والمحاذير التي يجب التنبه لها ) .

قال جامع : يا شيخ فارح ألا يحق لي أن أبدي رأيي في كل شيء ، لأني إنسان حرٌّ ، والحرٌّ يعبر بما يعتقد بملء فيه ، من غير خوف ولا وجل .

قال فارح : من قال لك أنت حُرُّ ، بل أنت عَبْد ، والعبد تابع لسيده ، ولا يقول إلا ما يريد السيد !!!! .

قال جامع : – مغضبا – فارح ، هذه إهانة لي ولأسرتي جمعيا، أنا من أسرة مشهورة ، لا يوجد في نسب الأسرة من انتظم في سلك العبودية يوما واحد ، يجب عليك الاعتذار ، وإلا فالأمر سيكون ما سترى وليس ما ستسمع .

قال فارح – بهدوء – لا زلت متمسكا بمقولتي الأولى ، فأنت عبد من سلالة العبيد ، وسيبقى من وراءك يجرون أغلال العبودية .

قال جامع : ما كنت فاحشا يا رفيقي ، ما الذي حملك على هذا الكلام ، أم عندك حكاية لا أعلمها ، فهلا كشفت غطاء الأمر وصقلت الكلام .

قال فارح : ألست عبدا للخالق الباري ، لأن عبودية القلب والروح أقوى وأعظم من عبودية الجسد ، فكلنا ومن قبلنا وبعدنا عبيد للحق سبحانه .

قال جامع : فرَّجت عني ، لماذا لم تقل لي هذا في أول الأمر ، نعم ، أنا عبد للعلي القدير ، ولكن لا يمنعني هذا الاعتراف من إبداء رأيي بكل وضوح وشفافية ؟ .

قال فارح : يا جامع ، إقرارك بالعبودية يُحَتِم عليك التقيد بأوامر سيدك ، وليس لك رأي في الأمور التالية ، فما عدا ذلك فلك كامل الحرية في تعبيره بكل أريحية .

قال جامع : معنى ذلك أن هناك خطوطا حمراء وحصونا منيعة لا يجوز الاقتراب منها .

قال فارح : أي نعم .

قال جامع : هات الأولى منها :

قال فارح : ليس لك رأي أو قول فيما يتعلق بالعقائد والغيبيات ، كالأسماء والصفات والحساب والقيامة والبعث والشفاعة وغير ذلك مما له علاقة بهذا الشأن ، فالأمر فيها التسليم والانقياد .

قال جامع : سمعت وأطعت مولاي ، هات الثانية .

قال فارح : فلا يجوز لك أنت تبدي رأيك في العبادات والتأله البدنية أو المالية ، فسبيلها القبول والتسليم .

قال جامع : على العين والرأس ، أين الثالثة ؟ .

قال فارح : فلا تقترب من باب التشريع في المعاملات والحدود والجنايات والحرام والحلال ، لأن الشارع أرحم بنا منا .

قال جامع : الحمد لله ، الرابعة .

قال فارح : باب الأخلاق والسلوك حصن منيع فلا تحاول طرقه .

قال جامع : لم أفهم يا سيدي مرادك ، هلا وضحت لي ؟.

قال فارح : الأخلاق المحمودة كالصدق والبر والحلم والرحمة والعفو وغيرها تبقى مطلوبة ومرضية فلا تتحول ولا تتغير إلى ضدِّها مهما تباعد الزمن وتغير الناس ، والأخلاق المذمومة كالكذب والنميمة والحقد والحسد والغيبة وغيرها لا تكون حسنة يوما ما وإن زخرفها الناس وزينوها ، تبقى مذمومة مطرودة .

قال جامع : كلام في غاية الرونق ، أين الخامسة ؟.

قال فارح : فلا تبدي رأيك في الأخبار والروايات الصحيحة .

قال جامع : ماذا تقصد ، يا سيدي !.

قال فارح : يا رفيقي ، قصص الأنبياء الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة وكذلك فضائل الصحابة وما جرى بينهم والقرون المفضلة ، فلا تفكر أن تدلي رأيك فيها .

قال جامع : كلام جميل ونصيحة مشفق ، هات الأخيرة !.

قال فارح : الإجماع من أصول الاستدلال عند أهل السنة والجماعة ، فلا تحرك – بنت الشفا – فيه .

قال جامع : إذن شيخي ، ما المجال الذي يجوز لي أن أجول فيه وأصول ، وأعبر رأي فيه بلا مواربة، وقد أغلقت الأبواب كلها ؟.

قال فارح : يجوز لك أن تبدي رأيك في الحياة العامة من غير إساءة أحد أو هتك أعراض أو نشر فاحشة أو اتيان بهتان أو إضرار بالمصلحة العامة أو الإساءة إلى السلم الاجتماعي .

قال جامع : معنى ذلك أن الممنوعات محددة ومعروفة ، والمباحات كثيرة وواسعة ، كما يقال الحرام قليل والحلال كثير ، ولكن المشكلة في الناس يضيق عليهم الواسع ثم يقتحمون المضيق .

قال فارح : أشكرك على هذا الفهم الدقيق .

قال جامع : هل يحق لي إبداء الرأي في كيفية إدارة الدولة وأداء الرئيس وحكومته ووزرائه وكبار موظفيه من غير أن أصنف في عداد المعارضة ، أو ممن يثيرون الفتنة لأن انتقاد الأمير علنا يعد مخالفة شرعية إعمالا لجانب من النصوص .

قال فارح : هذا من حقوق المواطنة .

قال جامع : إذا أبديت رأيي في عمل الحركات الإسلامية الصومالية وما تقوم به من إنجازات أو إخفاقات ، أو كيفية تعاطيها في الشأن العام ، أو احتكارها في العمل الدعوي أو غير ذلك من عجزها ، هل أكون ممن يطلق عليهم بلقب حزب مكافحة الأحزاب ؟.

قال فارج : لا ، يا جامع ، الحركات وأعمالها جهد بشري يخطئ ويصيب ، ويدخل فيها شيء من الهوى ، وقد توظف في بعض الأحيان بغير ما أسس لها ، فإبداء الرأي فيها ليس من المحرمات ، ولكن أعلم أن من فعل ذلك أو حاول مجرد محاولة أو نُقل عنه ولو همسة في أذن ، سيوضع اسمه في القائمة السوداء والمرغوب عنهم ، فلا يدعى في مشاركة أنشطتهم وأعمالهم العامة ولو على سبيل المجاملة .

قال جامح : يا شيخ فارح أنت وغيرك من طلبة العلم تتصدرون للناس على المنابر ، وتعلنون أفكاركم وآراءكم الخاصة بكم ، والتي لا تستند على النصوص القطعية أو الظنية أو ليس لها سلف من علماء الأمة ، فإذا اعترض معترض يقال له من لا يحترم العلماء لا يحترم العلم ، ومن لا يحترم العلم لا يحترم من جاء بالعلم … حتي تترتب على هذا السلسلة التي لا دليل لها أحاكم قاصية من التفسيق أو التخوين ….، فهل هذا صحيح ؟.

قال فارح : أخي جامع يجب احترام العلماء … وتوقيرهم ، وليس معنى ذلك بأن كل ما يقولون من أفكارهم وأراهم صحيحة ، وهم يخطؤون في المسائل الشرعية فكيف بالرأي ، ينبغي التأدب معهم ومناقشتهم بالأسلوب الصحيح الذي لا يَخرق جِنابهم ، وليس كل من اعترض عليهم يكون عاصيا أو كارها لهم.

قال جامع : نحن نعيش في المهجر ، وهناك مؤسسات دعوية بُنيت على أموال الجالية ، وقد يتولى إدارتها وتسييرها في غالب الأحيان ممن ليسوا أهلا لها ، فمن أبدى رأيه في هذه المعضلة وُسِم بأنه من أعداء الدعوة ، فهل هذا الوصف له نصيب من الدليل ؟ .

قال فارح : قلت لك من قبل الناس غير معصومين ، فمن أحسن يقال له أحسنت ، ومن أخطأ وأفسد وأساء استخدام الثقة الممنوحة له ، يقال له أخطأت ولا كرامة ، وأن مصطلح ” عدو للدعوة ” يُستخدم لإسكات الناس وتخويفهم ، وقد صار دثارا لكل فاشل تسلل إلى ميدان الدعوة، فمن رأى خللا وإصرارا على الباطل فلا يتردد في بيانه .

قال جامع : جزاك الله خيرا ، وشكرا على هذا التوضيح والبيان الشافي ، وإلى أن نلتقى مع حوار آخر ، أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

%d مدونون معجبون بهذه: