من وراء الاعتدال!

للحديث عن الاعتدال الإسلامي بريق يغري الكتّاب والقراء على حد سواء، والحادي إليه ليس واحدا إنما ينجذب إليه شتيت من الناس.. فما الاعتدال يا ترى؟.

قد لا يخفى على أحد أن الاعتدال يعني التساوي بين الشيئين والسلامة من التزايد، أوتجاوز الحد في كل شيء ، أو القصد والتوسط في كل شيء.

واهتم الدين الإسلامي بالاعتدال الذي هو الإطار المحدد له حتى تؤدي الأمة الإسلامية وظيفتها غير منقوصة من مركز القيادة، مصداقا لقوله تعالى:{ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة:143] بل من خصائص دعوته “الاعتدال” قال تعالى: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق} [ المائدة: 77]، وقال: { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق} [ النساء: 171].

والاعتدال وعدم الانحراف عن الحق هو صميم الدعاء الذي لا تصح صلاة مسلم أومسلمة بدونه حيث يقول جهرا أوسرا سبع عشرة مرة على الأقل في كل يوم وليلة: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم حذر عن مفارقة “الاعتدال” فقال في الحديث الثابت: “يا أيها الناس، إياكم والغلو في الدين”، وقال في الحديث الصحيح: “هلك المتنطعون”، وصحّ عنه: “سددوا وقاربوا ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه”.. وحذر الذين شددوا على أنفسهم ورغبوا المبالغة في العبادة والانقطاع لها، فعزموا ترك الزواج والنوم ومداومة الصوم فأنكر عليهم الرسول ذلك وزجرهم عنه قائلا: “فمن رغب عن سنتي فليس مني”.

ومن تعاليم الإسلام “الاعتدال” في المأكل والمشرب لقوله تعالى: {كلوا واشربوا ولا تسرفوا} .. وفي الحب والبغض كما في الأثر : “أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما” .. حتى في المشي والصوت فضلا عن غيرهما لقوله تعالى: {واقصد في مشيك واغضض من صوتك} [ لقمان:19]..

هكذا فلا توجد قضية من قضايا الإسلام من عظائم أموره أوغيرها إلا أنت واجده بلا استثناء حتى المعاملة مع الأعداء، قال تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة:2].

من البداهة أن يهتم علماء الإسلام ومفكروه بحقيقة كهذه في مدار التاريخ الإسلامي، والدعوة إليها دوما، فكلما حاد عن جادتها متهور ردوه إليها.. فقد مال عن القصد والاعتدال الخوارج في عهد الصحابة وغلوا في الدين فدعاهم علماء الصحابة إلى الصواب المتمثل هنا عدم الغلو ومجاوزة الحق حبا فيه..

ولما ظهرت المرجئة بعدُ كردّ فعل على تشدد الخوارج وتكفيرهم المسلم بالكبائر، فركبوا موجة التساهل والتخفف عن المسؤوليات الدينية، وتنكبوا عن جدية الإسلام وتماهوا في التمييع حتى وصل بهم الأمر إلى التهاون في اقتراف الكبائر، وقالوا: لا تضر المعاصي مع الإيمان .. كان العلماء لهم بالمرصاد يردونهم إلى “الاعتدال”..

ولما برزت “المعتزلة” متأثرة بالفلسفة الوافدة في حركة الترجمة الأولى، وفاضلوا بين العقل والوحي، فأمالوا كفة العقل على كفة الوحي الإلهي، حينها وقف العلماء في وجههم يردونهم إلى التوسط و”الاعتدال” مانعين تغول العقل .. ومجاوز طوره.. موقفين على أن دور العقل عظيم إلا أنه وظيفي وليس ندا للوحي الإلهي..

وعليه فقد أعلى العلماء المسلمون قيمة “الاعتدال” في المعتقد والعمل انتهاء منهم إلى نصوص الشريعة وحكمتها، معتبرين المغالاة في تفسير الوحي وتطبيقه تشددا منافيا لروح الشريعة وحكمتها.. كما اعتبروا التساهل في تفسيره أوتطبيقه جفاء وعدم اعتدال في الميزان الشرعي.. وكان مبدؤهم كمال الشريعة وأنها ليست بحاجة إلى ترقيع أوإتمام؛ لأنها وحي رباني مبرء من النقص، وليس فيها ما يشينها فتحتاج إلى حذف أوعمليات تجميلية .. واعتبروا كلا الأمرين غلوا وتطرفا في اتجاهين متعاكسين.. {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3].

وبما أن الغلو عدم اعتدال وعدم وسطية يجب نفيه ومحاربته في المنطق الإسلامي، ولا يكتسبان الشرعية من قائليه؛ إذ الشرعية الحقة والحريَّة بالاعتبار من نصوص الوحي الإلهي المبرئ من سوء التفسير والفهم عمدا أوخطأ..

هذا هو موقف علماء المسلمين من لدن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من “الاعتدال” والوسطية، وليس لهذا الفهم الإسلامي للاعتدال والوسطية بريق، إلا عند الذين على صلاتهم يحافظون..

معروف في التاريخ تهويل شأن الخصم لاستباحته، أوتهبيله لاحتقاره، أوشيطنته لتجميع ذلك كله له، نعرف مقولة فرعون في موسى رسول الله ودعوته، ومقولة اليهود في عيسى ابن مريم رسول الله وأمه وبهتانهم عليهما، ومقالة مشركي مكة في محمد سول الله لا غرابة في ذلك جدل سجال بين الحق والباطل..

لما يئس قادة الغرب من هيمنة العالم الإسلامي بالحروب الصليبية عدلوا عن الغزو بالسلاح إلى الغزو الثقافي والتبشير بالنصرانية بين المسلمين، وبدأ ابتعاث الطلاب من أقطار العالم الإسلامي إلى الغرب ليتعلموا في المعاهد والكليات الأوربية فوقعوا فريسة لاستلاب ثقافي وحضاري، من هنا بدأ تغلغل العلمانية إلى العالم الإسلامي بأيديهم وظهرت ملامحها في القرن التاسع عشر، من ذات الوقت بدأ التفلت من الالتزام بالدين، والدعوة إلى التوجه إلى أوروبا، ومن ثمة أسقطت الخلافة الإسلامية في بداية القرن العشرين، حينها توغلت العلمانية في العالم الإسلامي، لاسيما في تركيا ومصر مركزا قيادة المسلمين يومها، فصار التدين الإسلامي يحارب، وجلب الاستعمار إلى العالم الإسلامي فلسفته وثقافته وحضارته لإحلالها محل الثقافة الإسلامية، وقوانينه بدلا من الشريعة الإسلامية.

وكان من أثر ذلك أن قال عصمت إينونو واحد من قادة العلمانية في تركيا: “إنا عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الأوربيين حتى الالتهابات في رئاتهم، والنجاسات في أمعائهم” ، وقال طه حسين في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر”: “إذا أردنا أن نتقدم لا بد أن نأخذ الحضارة الغربية شرها وخيرها، حلوها ومرها”..

ويصدق تحليل الفيلسوف الفرنسي الوجودي جان بول سارتر على دور مثقفينا العلمانيين حيث قال في تقديمه لكتاب “المنبوذون في الأرض” للطبيب النفسي فانز فانون: “لقد كانت أبواب بلادهم مغلقة دائما في وجوهنا… لكنا بمجرد أن أرسلنا المفكرين الذين صنعناهم إلى بلادهم، كنا بمجرد أن نصيح .. من باريس أو بلجيكا قائلين: الإخاء البشري! نرى أصواتنا ترتد من أقاصي أفريقيا أومن فج من الشرق الأوسط.. أوشمال أفريقيا، كنا واثقين من أن هؤلاء المفكرين لا يملكون كلمة واحدة يقولونها غير ما وضعنا في أفواههم، ليس هذا فحسب بل إنهم سلبوا حق الكلام عن مواطنيهم، هذا دور المفكر الذي يتشكل بالشكل الأوربي والدور الذي يلعبه في الدول الإسلامية إنه دور دليل الطريق للاستعمار… وهو السوس الذي عمل في الشرق من أجل تثبيت موادنا الثقافية والاقتصادية والأخلاقية والفلسفية والفكرية… هذا الذي كنا صنعناه وسميناه بالمفكرين، .. وكان قصارى همهم ومنتهى أملهم أن يصبحوا مثلنا في حين أنهم اشباهنا وليسوا مثلنا. إنهم نخروا من الداخل ثقافة أهليهم وأديانهم القومية التي تصنع الحضارات… ومثلهم وأحاسيسهم وأفكارهم الجميلة وأصالتهم الأخلاقية والإنسانية … باسم مقاومة الخرافات، أومكافحة الرجعية”.

وإبان تغوّل الأيدلوجيات الشيوعية في القرن العشرين دأب الرفاق وصف “الاعتدال” الإسلامي المناوئ لها وعقيدتها والمقرّ لله بالوحدانية بأنه رجعي، والمناوئين لها من حملة “الاعتدال” بالمتزمتين الرجعيين، وعلى أنفسهم بالتقدميين.. أفل نجم الشيوعية وانتهى بريقها.. وسقط جدار بارلين..

فظهر نجم الديمقراطية الغربية بقيادة أمريكا حينها هلل الرفاق أعداء الديمقراطية بالأمس، ووصفوا أنفسهم بالمسلمين “المعتدلين” أوالأحرار والليبراليين، ودأب الإعلام الغربي وكثير من الإعلام المحلي وصف العلمانيين بالمسلمين المعتدلين، وجمع الألقاب الفخمة لهم، ووزعت الأوسمة عليهم حتى “نوبل بريز”؛ لتعلية مكانتهم في المجتمعات المسلمة؛ ليسلس لهم قيادها..

وقامت هجمة شرسة تصف كل ما هو إسلامي والتزام به تطرفا، واعتبار المروق منه أوالتهكم به اعتدالا، فصار الإسلام في نظرهم تطرفا، فكل من لا يقبل وجهة النظر الغربية في الحياة والحضارة فهو متطرف، وكل مستقيم في دين الله متطرف ومتشدد، فصار مقياس الاعتدال والتطرف مقياسا غربيا، وتم تصديره إلينا مثل “موضة الصيف أوالشتاء” تصنع في بيوت الأزياء في باريس أو روما مثلا فنتلقاه في شرقنا، فلبسه الرفاق القدامى وآخرون لحقوا بهم من جاكرتا إلى تمبكتو من أبناء المسلمين.. فملأوا ضجيجا في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة .. والكتب والمقالات.. ومراكز البحث الموجهة والممولة خارجيا.. بل تمنى كل طامع أو خائف – جماعات أو أفراد- أن يتحقق عليه معيار “الاعتدال” المرغوب غربيا ولو إلى حين.

من هنا تحول مصطلح “الاعتدال” سلاحا موجها لمحاربة الإسلام وتعاليمه والمسلمين الملتزمين به على السواء، وقامت مراكز ببحوث ودراسات كثيرة حول الإسلام والمسلمين في هذا الاتجاه منها دراسة قامت بها مؤسسة “راند” الأمريكية – وهي وثيقة الصلة بالحكومة الأمريكية – عام 2007م، وصنفت المسلمين معتدلين ومتطرفين، فالمسلم المعتدل [في نظر “راند” ] هو العلماني الذي لا يؤمن بدور للدين في الحياة، ويرى عدم تطبيق الشريعة، ويدعم التيارات الليبرالية في المجتمع.. وكل من لا تنطبق عليه هذه المواصفات فهو متطرف راديكالي.

مرّ الإسلام في تأريخه أوقاتا عصيبة ألجأت ضعاف الإيمان ممن هم في صفوف المسلمين إلى قول بهت “بيوتنا عورة” .. واعتقد أعداؤه تمكنهم منه، وأن ساعة الخلاص منه دقت.. ممن ظن ذلك “ماجلان” في رحلته إلى الشرق: “لقد طوقنا عنق الإسلام فلم يبق إلا شد الحبل ليختنق ويموت”.

الإسلام أعتى من أن تزلزله إثارة شبهات، وأستعير من الراحل “عرفات” قوله: جبل ما يهزه الريح.

سيظل “الاعتدال” من سمات الإسلام الخالدة، ومن صميم تعاليمه التليدة، ولن يقبل تشدد أبنائه المخلصين له، الذين باعدتهم الغيرة عليه وعلى أهله من “الاعتدال”، ولن يكون حب الإسلام ونصرته ذريعة إلى تشدد يأباه منهجه، وتشهد نصوصه بطلانه.

كما لن يقبل الإسلام تمييع تعاليمه وتحوير منهجه من بعض أبنائه ومحبيه الذين أذهلهم هول الهجمة على الإسلام وأهله، فرغبوا تلميعه وتجميله على وجه يأباه منهجه، فتنازلوا عن بعض تعاليمه، وأرادوا تفسيره وعرضه على نحو يحبب إليه الشاردين منه وأعدائه.

كلا .. ولن يقبل رغبة أعدائه في تزييف حقائقه، وتطويعه لرغبات الشرق أو الغرب..ولن يقبل معهم أنصاف حلول في حقائقه وعقيدته وشريعته، كما لم يقبل من أشياعهم يوم نزل قوله تعالى {ودُّوا لو تدهن فيدهنون}، يأبى الله ذلك والمؤمنون.

وسيظل الإسلام جبلا صامدا على وجه الرياح العاتية، وسيبقى منقذا للبشرية، ورحمة للعالمين بعدله واعتداله، وهداية للحائرين بأيدي هداة معتدلين لا يخافون فيه لوم أحبابه أو أعدائه.. وسيظل يقاوم بقوته الذاتية من أن تجنح سفينته من خط “الاعتدال”، حقا.. {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38].

%d مدونون معجبون بهذه: