التوحيد مبدأ للحضارة

التوحيد وفق فهم الصحابي الجليل ربعي ابن عامر ” إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ” أي تحرير الإنسان المكرم من الخضوع للأدني “العباد” إلى الخضوع للأعلى “رب العباد” والخضوع للأدنى جوهر المذلة بينما الخضوع للأعلى جوهر العزة والكرامة، ولكن ما علاقة هذا المعنى بمفهوم الحضارة؟.

الحضارة مفهوم يؤشر إلى الحالة والوضعية التي يرتقي فيها الإنسان نحو درجات الكمال الإنساني، وأعلى مراتب الكمال الإنساني هي تلك المرتبة التي يتحرر فيها الإنسان من الخضوع للمحدود الذي هو المخلوق إلى الخضوع للامحدود الذي هو الخالق، ولقد اعتبر أحد فلاسفة التاريخ أن التاريخ ما هو إلا تقدم نحو الوعي بالحرية، أي نحو الوعي باللامحدود والاتصال به.

ولقد اتفقت البشرية في القدم أن الحرية تشكل جوهر المبادئ التي تجسد بصدق معنى ومضمون الكرامة الإنسانية، وقد تصور البعض في الوهلة الأولى أن مبدأ الحرية قد يصل بالإنسان نحو الكمال المطلق أي أن من شأن الحرية أن تحرر الإنسان من كل قيد يعتريه ليتحول هو بذاته إلى اللامحدود بعينه وعلى ضوء هذا التصور أنكروا أن يكون اللامحدود موجودا خارج الذات الإنسانية؛ إذ أن هذه المرتبة مرتبة شاغرة للإنسان وفق زعمهم وبذلك ألحدو ا في الذات الإلهية لا لجهل به سبحانه ولكنه الجحود الذي ينشأ من نفس استحكم بها الغرور والتعالي والتكبر (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا)، وفي هذا الصدد ينقل عن فيلسوف الإلحاد المتغطرس نيتشه؛ والذي نادى بموت الإله قوله “إذا كان الله موجودا فماذا أكون أنأ؟!”.

وبعد أن تكللت جهود أولئك نحو تجسيد هذا التصور بالفشل أنكروا الحرية من أساسها وذهبوا بالزعم أن الحرية ما هي إلا سراب خادع أو هي على الأقل “أن تختار قيودك كما تشاء !”.

هذا هو الإنسان خارج نطاق التوحيد تارة يجهل بالحرية وتارة ينكرها وفي كلا الحالتين لن يكون مؤهلا بأن يظفر بالحرية، ومن ثم بأن يظفر بالحضارة وأن يصل إلى الرقي والكمال الإنسانيين.

%d مدونون معجبون بهذه: