حد الردّة وحريّة الاعتقاد (4)

  • نقاش حول قوله تعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”

انتهى بنا الحديث في الحلقة الماضية إلى مناقشة أحد الأدلة لمنكري حد الردّة، واليوم نعرض ركيزة من ركائزهم ومحورا من محاور نقاشاتهم وأقوى دليل لديهم، حتّى تسنّى لبعضهم تسمية مؤلفاتهم بهذا الدليل تنويها لشأنه: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”. وقد سلكوا في تأويل هذه الآية مسالك تلفيقية، تخلط بين مناهج النظر في النصوص الشرعية المستقرّة عند أهل الاختصاص، مقتبسين ذلك من مختلف المذاهب الإسلامية تخليطا للقواعد وتلبيسا على طرق الاستدلال فنتج منه مغالطات مضادة للأمانة العلمية تستوجب الوقوف عليها.

لا يتّحد وجه الاستدلال من هذه الآية المذكورة عند منكري هذا الحدّ، بل أحيانا تختلف أنظارهم وقد تصل إلى حد الاضطراب، والشيء الوحيد الذي يجمعهم هو الردّ والإنكار وتقريرهم أنّ الآية عامّة غير مخصوصة البتة. وفي إطار ذلك يصرّح أحدهم في بعض مقالاته: “هذه الآية غير مخصصة وغير قابلة للتخصيص، وأقلّ ما يقال في هذا المقام هو أن الآية جاءت بصيغة صريحة من صيغ العموم، فلا يمكن تخصيصها إلا بدليل مكافئ ثبوتا ودلالة“. ويصرّح آخر نفس المعنى بأسلوبه الخاص قائلا: ” وردت آية (لا إكراه في الدين) بصيغة من أعم صيغ العموم في اللغة العربية وهي النكرة في سياق النفي والنهي” ويقول أيضا: “ لا إكراه على الدين ابتداء ولا استمرارا ولا انتهاء، ولا عقوبة دنيوية للردة في الإسلام، فتمسكوا بكتاب ربكم، ودعوا ُبنيًّات الطريق“.

وكما ترى أيّها القارئ الكريم أنّ هؤلاء الكتّاب لا يدّخرون جهدا في استبعاد ورود التخصيص على هذه الآية، لعلمهم بأن ثمّة أدلة ثابتة تقتضي تخصيص هذا العموم الموجود في الآية حتى وإن كنّا قد أهملنا سبب نزول الآية والملابسات المحيطة بدلالتها، وأقاويل العلماء في تفسيرها التي تناقض تماما ما ذهبوا إليه.

ثم إنني أرى لكي يكون هذا النّقاش معالجا لمشكلتنا هذه أن أتطرّق إلى نقطتين اثنين هما:

1 – ما صحة دعوى أن عموم الآية غير قابل للتخصيص، وأنّنا لو قدّرنا تخصيصها فلا يتأتى إلا من دليل مكافئ ثبوتا ودلالة؟

2 – وهل هناك أدّلة تخالف هذه الدعوى؟.

وللجواب عن هذا التساؤل الأول، لا أرى بأسا من أن أورد طائفة من القواعد الأصولية التي تتعلق بمسألتنا هذه، لكي تساعدنا في فك هذا الإشكال وهي: تخصِيصُ القَطعِيِّ بِالظَّنِّيِّ جَائزٌ”، “يصح تخصيص القطعي بالظني”، “البيان لا يجب أن يكون أقوى من المبين”، “إعمال الدليلين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما”، “يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد”.

ونظرا لمعطيات هذه القواعد يمكن القول بأن “التخصيص هو أحد الطرق التي يلجأ إليها الأصوليون لإزالة ما يظهر من التعارض بين الأدلة. والقواعد التي ذكرناها تتناول ما إذا كان هناك تعارض بين عام قطعي السند من آية قرآنية، أو سنة متواترة، وخاصٍّ ظنيٍّ؛ سواء كان خبر آحاد، أو قياساً، أو مفهوماً. ففي هذه الحالة يُخَصَّص العام القطعي بالخاص الظني. هذا ما تُقَرِّره القواعد؛ وهو مذهب جمهور الأصوليين. وما تقرره القواعد مبني على ما ذهب إليه الجمهور من أن دلالة العام ظنية، فإذا عارضها دليل ظني خاص جاز تخصيصها به، دون اشتراط التساوي بين الدليلين في القوة.

وخالف جمهور الحنفية فذهبوا إلى عدم جواز تخصيص القطعي بالظني؛ بناء على ما قرروه من أن دلالة العام قطعية؛ فلا يجوز تخصيصها بالظني؛ لأن التخصيص قائم على المعارضة، والظني لا يعارض القطعي. ثم استثنى الحنفية حالة ما إذا كان القطعي قد سبق تخصيصه؛ فقالوا بجواز تخصيص القطعي بالظني لأن تخصيص القطعي يَنزِل به إلى مرتبة الظني، وبالتالي يجوز تخصيصه بما هو ظني مثله”. وأرجو أن يكون هذا كافيا لعرض وجهة نظر الأصوليين من المسألة لتوضيح اللبس الذي أوقعه الكتّاب.

وهكذا ننتهي من هذه النقطة ونأتي إلى النقطة الثانية، وهي إقامة الأدلة على ثبوت حجة مذهب الجمهور ونوردها على شكل مقتضب فنقول:

1 – إن الصحابة أجمعوا على جواز تخصيص المقطوع بالمظنون، فقد خصصوا رضوان الله عليهم كثيراً من العمومات القرآنية بأخبار الآحاد، والأقيسة؛ التي وتوصلوا إليها باجتهاداتهم. ومن ذلك : تخصيصهم قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} ، بقوله عليه الصلاة والسلام: ” إنا معشر الأنبياء لا نورث ” خبر آحاد يفيد الظن. مما يدل على جواز تخصيص المقطوع بالمظنون.

2 –إن تخصيص العام نوع من البيان، والمقرر عند جمهور الأصوليين: أن « البيان لا يجب أن يكون أقوى من المبيَّن »

3 – أن تخصيص العام القطعي بالخاص الظني فيه إعمال لكل منهما؛ والمقرر عند الأصوليين: أن « إعمال الدليلين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما ».

4 – إن قطعية العام إنما هي بسنده؛ أما دلالته فهي ظنية، وهي محل التخصيص، فجاز تخصيصها بظني مثلها، هذا من وجه. ومن وجه آخر فإن دلالة الخاص قطعية مما يحقق التقابل بينها، وبين قطعية سند العام، وأما ظنية سند الخاص فتقابلها ظنية دلالة العام؛ وبذلك يتعادل الدليلان لكون كل منهما قطعياً من وجه ظنياً من وجه؛ فجاز التعارض بينهما؛ وبالتالي بناء العام منهما على الخاص.

وهذه الأدلة المقتطفة التي سقناها على سبيل التمثيل واضحة في إبطال هذه الدعوى التي تمنع جواز تخصيص العام بخبر الواحد، وأن ثمّة أدلة أخرى غير محصورة تركناها من أجل ضيق المقام، وكل مزاعم هؤلاء الكتّاب تدور حول هذا المرتكز الذي رأيناه الآن فهي مزاعم تفتقر إلى أدنى درجات الدقة والاعتبار.

والعجيب في أمر من يعتصمون بهذا الدليل أعني “لا إكراه في الدّين” حتى وإن جرينا على مذهب الأحناف القائل بدلالة العام على القطع، فإنّهم لم يقولوا بقطعية العام بالنسبة إلى هذه الآية بل شأنهم في ذلك شأن الأمّة التي اتفقت كلمتهم على وجوب قتل المرتد، إلا إذا كان المرتد امرأة فحينئذ لا يرون إقامة حد الردّة عليها. فلم يبق لنا إلا أن نقول إن العام الموجود في الآية ليس عاما محفوظا ودلالته ليست قطعية قولا واحدا بل عام مخصوص، يقتصر على حرمة إكراه الكافر باعتناق الإسلام، ولا يصح توسيع دائرته ليشمل المسلم المرتد، فإنّ هذا يؤدّي إلى أحكام خاطئة، ونتائج غير صحيحة ولا يحظى هذا الرأي على الصعيد الأصولي ولا على الصعيد الفقهي أيّ نصيب من النظر المستقيم، بل هو اجتهاد في مقابل النّصوص، وهو معلوم الفساد والبطلان.

%d مدونون معجبون بهذه: