حد الردّة وحريّة الاعتقاد (3)

إشكالات وإجابات :

في هذه الحلقة نركز على مناقشة واحدة من الأدلة التي يستوظفها أصحاب إطلاق الحريّات المنفلتة الذين ما زالوا يتمّسكون ببعض النّصوص لتمرير رؤيتهم، وقد سبق أن ناقشنا في حلقة مضت بعض هذه الاستدلالات ورأينا ضعف بنيتها الاستدلالية، وبعدها عن موطن النّزاع. واليوم نقف على استدلال آخر مبني على اجتهاد عبثي لفهم النّصوص الشرعية، بتأويلات تحكمية لا تتقيّد بالقواعد العلمية المتعارفة بين أهل الاختصاص، ومنها:

إستدلالهم بقوله تعالى: “وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا” الأية، الكهف 29.

زعموا أن في هذا الخطاب القرآني إطلاقا كاملا لحريّات النّاس في العقيدة لما تضمّنته من صيغة الأمر التي جاءت للتّخيير الشّرعيّ للمكلّف، بين الكفر والإيمان وذلك التخيير مرتبط بمشيئة الإنسان. ومعنى هذا: الاختيار والسماح للفرد في استقلاله لاعتناق أي عقيدة شاء يستوي في ذلك المسلم والكافر. فالآية على حدّ زعمهم قد كفلت حرية الاعتقاد بمقتضى صيغة الأمر الذي يفيد التخيير بين الإيمان والكفر، دون تدخل خارجي، وذلك ما ينفي إكراه النّاس على اعتقاد معيّن. وعلى هذا فلا يوجد في الشريعة الإسلامية عقوبة دنيوية للمرتد لما فيها من سلب لحريّة الفرد الاعتقادية.

وفي تفسير هذه الآية ثلاثة أقوال عند العلماء :

الأول: أن صيغة التخيير في الآية جاءت للتهديد والتوبيخ وذلك لوجود القرينة اللفظية التي رتّبت على الوعيد الشديد لمن اختار الكفر على الإيمان وهذا قول جمهور المفسرين وري عن ابن عبّاس –رضي الله عنه-، كما أخرج له ابن أبي حاتم، وكذلك عن عليّ بن أبي طالب –رضي الله عنه- كما جاء في بعض كتب التفاسير : “هذه الصيغة تهديد ووعيد وليست تخييرا”. وعلى هذا تكون معنى الآية: إنّا أعددنا وهيأنا للظالمين الذين اختاروا الكفر بالله والإنكار لأنبيائه نارا عظيمة تحيط بهم من كل جانب. يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي –رحمه الله تعالى-: “قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِحَسَبَ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لَيْسَ هُوَ التَّخْيِيرُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهَا التَّهْدِيدُ وَالتَّخْوِيفُ. وَالتَّهْدِيدُ بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّخْيِيرُ أُسْلُوبٌ مِنْ أَسَالِيبِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَالدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فِي الْآيَةِ التَّهْدِيدُ وَالتَّخْوِيفُ أَنَّهُ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا، وَهَذَا أَصْرَحُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّهْدِيدُ وَالتَّخْوِيفُ، إِذْ لَوْ كَانَ التَّخْيِيرُ عَلَى بَابِهِ لَمَا تَوَعَّدَ فَاعِلَ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ الْمُخَيَّرَ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَهَذَا وَاضِحٌ كَمَا تَرَى”.

الثاني: أن مراد الآية هو أن الله يهدي من يشاء من خلقه ويضل من يشاء منهم، وأنّه -جل شأنه- بيده التوفيق والخذلان ثمّ توعّد بعد ذلك وعيدا شديدا لمن اختار طريق الكفر. قال أبو عبد الله القرطبي: “قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْفَلْنَا قُلُوبَهُمْ عَنْ ذِكْرِنَا: أَيُّهَا النَّاسُ! مِنْ رَبِّكُمُ الْحَقُّ فَإِلَيْهِ التَّوْفِيقُ وَالْخِذْلَانُ، وَبِيَدِهِ الْهُدَى وَالضَّلَالُ، يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَيُؤْمِنُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ فَيَكْفُرُ، لَيْسَ إِلَيَّ مِنْ ذلك شيء، فَاللَّهُ يُؤْتِي الْحَقَّ مَنْ يَشَاءُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، وَيَحْرِمُهُ مَنْ يَشَاءُ وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا غَنِيًّا، وَلَسْتُ بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ لِهَوَاكُمْ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَآمِنُوا، وَإِنْ شِئْتُمْ فَاكْفُرُوا. وَلَيْسَ هَذَا بِتَرْخِيصٍ وَتَخْيِيرٍ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ”

الثالث:  أن الله يستغني عن إيمان المؤمن كما يستغني عن إيمان الكافر، وأعدّ للمؤمنين أجرا عظيما وللكافرين عذابا شديدا.

هذه هي الأقوال الموجودة في كتب التفسير التي بيّنت معاني الآية، ويتّضح من خلالها للقارئ الكريم أنّه لا يوجد معنى صالح يمكن الاستدلال به على ثبوت إنكار عقوبة المرتد، وأن دعوى سلب الحريّات الذي يترتّب عن هذه العقوبة محض الافتراء من النّاحية الشرعية، وأن غالب الأدلة التي يوردونها لتأييد رؤيتهم لا تساعدهم على ذلك. ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى صدّ هذه الفوضى العلمية التي يلعب بها أصحاب الأغراض الملتوية لتغرير العوام بنفايات الأفكار التي يلتقطها ويقتنصها بعض من ينتسب إلى الإسلام جهلا.

2 تعليقان

  1. حد الردة هل هو حككم شرعي ؟!
    الاجابة بهذا المقطع

%d مدونون معجبون بهذه: