موسم التنازلات… بين الإسلام و الحريات

“اقرأ باسم ربك الذي خلق” كانت بداية الوحي و النبوة .. بعدها استمر الوحي ثلاثة عشر عاما .. معالجا موضوعا واحدا .. “أن اعبدوا الله و لا تشركوا به شيئا” .. واضعا اللبنة الأولى و الأهم و التي سيبنى عليها كل شيء لاحقا .. الإنسان المؤمن !!

هاجرت العصبة المؤمنة إلى المدينة .. و بناء على اللبنة الأولى .. تم تكوين اللبنة الثانية .. المجتمع المسلم .. !!

على التوازي تم وضع اللبنة الثالثة و هي بناء الدولة الإسلامية الأولى .. و تم كتابة دستور الإسلام الأول المكتوب متمثلا في وثيقة المدينة .. استمر الوحي في النزول .. واضعا أسس هذه الدولة الإسلامية من أحكام شرعية و سياسات عامة و قواعد !!

بعد انقطاع الوحي .. دخل الضعف و الوهن في أسس هذا الكيان الذي توارثه المسلمون عبر قرون .. و هي الإنسان المؤمن و المجتمع المسلم و الدولة الإسلامية !!

وصل هذا الوهن أوجه في القرنين السابقين .. بـ إلغاء الخلافة الإسلامية و استبدالها بدول وطنية ذات رقعة جغرافية محددة .. على طراز الدول الغربية الحديثة !!

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن .. هل من تلك الدول ذات الأغلبية الإسلامية دولة تضع المجتمع المسلم لبنة أساسية لها .. و تعتبر الإسلام أساس المواطنة في رقعتها الجغرافية ؟؟ الجواب سيكون بالنفي المطلق .. و هي نقطة تستحق الاهتمام لدورها في ما وصلنا إليه .. فعندما أصبح الانتماء للوطن هو أساس المواطنة .. بدأنا رحلة التنازلات .. عن المهمة الأساسية للدولة في الإسلام .. و هي إعلاء كلمة الله .. إلى إعلاء كلمة القانون .. و بالتالي يحق للمواطن غير المسلم نشر ديانته و الدعوة لها .. فحرية التعبد و نشر العقيدة مضمونة لكافة أطياف المجتمع المدني و يكفلها القانون .. بدأنا رحلة التنازلات .. فأصبح استفتاء المواطن المسلم و غير المسلم عن الدستور الوطني و قوانينه أمرا منطقيا و حضاريا .. كيف لا و جميعهم مواطنون كاملو الحقوق !!

سؤال آخر يتبادر إلى الذهن .. هل من تلك الدول ذات الاغلبية الاسلامية دول تضع الشريعة الإسلامية مصدرا وحيدا للتشريع ؟؟ الجواب سيكون بالنفي المطلق مرة أخرى .. بل و يمكنك أن ترى وجود تعارض صارخ و سافر أحيانا بين التشريع الإسلامي و مواد كثير من قوانين تلك الدول !!

المدهش أن أغلبية هذه الدول في دستورها مادة تبين أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع الأساسي .. و هو أمر صحيح جزئيا .. فقوانين تنظيم الأمور الأسرية و قوانين الميراث مبنية بشكل كبير على الشريعة الإسلامية .. و السبب أننا نجد أن الشريعة الإسلامية قد شرعت تشريعات دقيقة بكل ما يتعلق بأمور الأسرة .. بدءا بعقد النكاح مرورا بأحكام الطلاق انتهاء بمسائل النفقة.. أيضا نجد أن الشريعة الإسلامية قد وضعت نظاما دقيقا لمسائل الميراث .. نظاما لم يحدث أن رأت البشرية مثل دقته و عدله حتى في مواثيق حقوق الإنسان و دساتير دول الحضارة الغربية التي تقبل بوصية المتوفي أساسا لتقسيم الميراث !! .. و بالتالي من يملك نظاما بمثل هذه الدقة .. لن يقبل بأي تشريع آخر .. لن يقبل بـأن يضع أمر الميراث في يد المتوفي، و هو شخص يكره و يحب و قد يظلم أبناءه و يحرمهم من الميراث لمجرد كرهه لهم ..

احتار المسلمون و ما زالوا في الإجابة عن سؤال فرض و مازال يفرض نفسه، ماذا بعد ؟؟ و أين يكمن الحل ؟؟

فمن فريق ينادى باستمرار الدول الوطنية بل و تحريرها مما تبقى من قيود منها الدين إلى فريق آخر ينادى باستمرار هذه الدول الوطنية مع العمل على إصلاح الفرد و المجتمع و الدولة على التوازي إلى فريق آخر ينادي بإعادة الخلافة الإسلامية و تحطيم هذه الحدود الجغرافية، و هو مطلب بعيد المنال مع رسوخ مبدأ الدولة الوطنية و اعتناق البشرية له و بالتالي تحالفها لحمايته !!

يكمن الحل ببساطة .. في إعادة المياه إلى مجاريها .. أي بإعادة بناء الدولة على نفس الأسس التي بنيت عليها قبل 14 عشر قرنا .. الإنسان المؤمن و المجتمع المسلم لتستحق حينها اسم الدولة الإسلامية.

دولة إسلامية تتبنى الإسلام أساسا للمواطنة .. و تستبدل المجتمع المدني الحديث بالمجتمع المسلم .. هذا المفهوم يتطلب أن تكون مهمة هذه الدولة العمل على إعلاء كلمة الله في أراضيها .. ليس عبر الجهاد مع الدول المعادية الكافرة فقط .. و إنما أيضا عبر حماية هذا المجتمع المسلم و عبر حماية دينه و قيمه السماوية !!

دولة إسلامية تتبنى الشريعة الإسلامية مصدرا وحيدا للتشريع ، إن التزام الهيئة التشريعية بهذا المبدا الأساسي لا يعني بكل تأكيد أن نقصر الشريعة الإسلامية على الحدود الإسلامية أو أن تترك الهيئة التشريعية مهمتها في سن القوانين التي تنظم أمور المجتمع المسلم الدنيوية بما لا يتعارض مع شرع الله !!

الحل يكمن في إعادة تصحيح المفاهيم و المصطلحات لتعكس معناها الحقيقي .. فالإسلام دين نسك و عبادة و أيضا الإسلام؛ شريعة و منهاج و دولة تعمل على تطبيق هذا الشرع و حماية المجتمع المسلم و دينه و قيمه ..

بسبب انبهارهم بـ ما حققته الحضارة الغربية من تنظيم دقيق لجميع الحقوق و نشرها و بسطها للعدل في أراضيها نادى بعض المسلمين إلى نشر الحريات و التنازل عن بعض هذه الأركان؛ لـيصبح بالإمكان حينها تطبيق هذا النموذج الناجح في البلدان الإسلامية .. و بالتالي ظهرت أسئلة مثل كيف نعمل على إقصاء جزء من الشعب لمجرد أنهم لا يدينون بديانتنا .. كيف نكون المجتمع الوحيد في هذا العالم المتقدم الذي يقسم مواطنيه إلى مواطنين كاملي الحقوق و آخرين لهم حقوق أقل .. كيف نقيم الحدود الإسلامية مثل القصاص و الجلد و قطع الأيدي و الأرجل .. كيف نكون المجتمع الوحيد الذي يعمل على تنفيذ هذه العقوبات البربرية في عالم يعمل و يتعاون على مبادئ حقوق الإنسان السامية .. بل كيف يمكن سن هذه الحدود أصلا كقوانين في بلد يشكل غير المسلمين نسبة قد تقل أو تكثر و هم مواطنون لهم كلمتهم في قوانين دولتهم مثلهم مثل الأغلبية المسلمة.

رحلة تنازلات لن تتم إلا بالتنازل عن الإسلام كأساس للمواطنة و عن الدولة الإسلامية كـ حامي المجتمع المسلم و دينه و قيمه و عن الإسلام كـ شرع و منهاج.

%d مدونون معجبون بهذه: