معاناة الحجاج الكينيين في المشاعر المقدسة

الحج عبادة جسدية ومالية ، فرضها الله على عباده، وهي الركن الخامس، ويعتبر الحج المؤتمر السنوي لتجمع المسلمين من أنحاء العالم.

وجزى الله الحكومة السعودية وشعبها خيرا، فلقد وظفت كوادرها البشرية من جميع القطاعات لأمن وصحة وإرشاد وتوجيه الحجاج، وأقامت مشاريع عملاقة من أنفاق وجسور ووسائل نقل عديدة ليتمكن زوار بيت الله الحرام من إقامة المناسك في جو تسوده السكينة والوقار.

ولكن أحيانا يبرز في هذا الجو ما يعكره، وأنا لست بصدد تقديم تقرير عن كل معاناة الحجيج، بل أحببت فقط أن أسلط الضوء على جزء من معاناة الحجاج الكينيين بغية عدم تكرارها مرة أخرى.

كما نعلم جميعا أن الحج ليس رحلة ترفيهية بل إنه جهاد والجهاد لابد له من جهد ومشقة، بداية من فراق الأهل والأوطان إلى غير ذلك من وعثاء السفر ومكابدة الطريق ووو… إلا أنهم يستشعرون الأجر الجزيل الذي وعدهم به أرحم الراحمين عند تلبية نداء الحج فهم كما أنشد ابن القيم:

يُهلّون بالبيداء لبيك ربَّنا لك الملك والحمد الذي أنت تعلمُ
دعاهم فلبّوه رضاً ومحبةً فلما دَعَوه كان أقرب منهم
تراهم على الأنضاد شُعثاً رؤوسهم وغُبراً وهم فيها أسرُّ وأنعم
وقد فارقوا الأوطان والأهل رغبة ولم يُثْنهم لذَّاتهم والتنعُّم
يسيرون من أقطارها وفجاجِها رجالاً وركبانا ولله أسلموا
ولما رأتْ أبصارُهم بيته الذي قلوبُ الورى شوقاً إليه تضرَّمُ
كأنهم لم يَنْصَبوا قطُّ قبله لأنّ شقاهم قد تَرَحَّلَ عنهمُ
فلله كم من عبرةٍ مهراقةٍ وأخرى على آثارها لا تقدمُ

فنسأل الله أن يجزيهم على صبرهم فقد كانت قلوبهم تحن شوقا إلى رب العباد وصبروا على كل المصاعب والمتاعب رجاء رحمة ربهم ورضوانه.

إلا أنني أريد أن أوضح معاناة حجاج كينيا ؛ لأنها فريدة قد لا تشاركهم فيها دولة أخرى رغم أنهم يدفعون كل الالتزامات المالية المطلوبة لأداء فريضة الحج إلا أنهم يواجهون مشاكل جمة، ولأنها نتاج تقصير وإهمال، ألا يعرف هذا المسؤول أيا كان أنه يهمل من أكرمه ربه، ألا يخشى ألا يقبل الله له صرفا ولا عدلا؟! إنهم ضيوف الرحمن، وقد كان سادات قريش في الجاهلية يتسابقون لإكرام الحجاج من سقاية ورفادة وغيرها، أفنذلهم ونهملهم بعد الإسلام؟ لا أدري من المسئول عن هذا الإهمال! هل هي البعثة الكينية؟ أم المؤسسة المسؤولة عن الحجاج الأفارقة غير العرب؟ أم هذا وذاك؟

واسمحوا لي أن أذكر لكم نتفا من هذه المعاناة على سبيل المثال:

  • إشكاليات النقل: فبعد وصولنا برفقة الحجاج إلى مطار جدة وبعد انتظار زهاء خمس ساعات جاؤوا بحافلات قديمة لا يمكن الجلوس على مقاعدها لضيق المسافة بين الكراسي، وأغلب الحجاج شيوخ تناهز أعمارهم السبعين والستين، أما بالنسبة  للشباب فحينما لم يجدوا بدا من الوقوف وقفوا إلا أن السائق نبههم بأن هذا يعتبر مخالفة مرورية، إذا منعنا من الوقوف والجلوس. أما عم أحمد الذي تجاوز السبعين ولديه الأمراض المزمنة فحدث عنه ولا كرامة.
  • المعاناة في منى: المبيت في منى كان بالنسبة لحجاج كينيا أسوأ معاناة في تاريخ الحج الحديث، فدرجة الحرارة مرتفعة بشكل كبير جدا، وأجهزة التكييف قد توقفت، تخيل لو أنك في خيمة تتسع لمائة شخص ودرجة الحرارة 50 درجة مئوية، كيف سيكون الحال؟ فما بالك إذا علمت أن عددنا وصل في هذه الخيمة ما يقارب مائتين وخمسين شخص مع كبار السن، وليتهم أعطو رعاية خاصة لكبار السن والمرضى! هذه المعاملة تعتبر رديئة ولو كانت هذه الجموع من البهائم أعزكم الله، فما بالكم بضيوف الرحمن!
  • أما الأدهى والأنكى من ذلك فقد كانت في الصحة البيئية، حمامات لا تتناسب أصلا مع أعداد الحجاج، بالله عليكم تخيلوا خمسة وعشرين حماما لثلاثة آلاف وخمسمائة حاج، كل ما تنوي الذهاب إلى الحمامات ستجد على الأقل خمسة أشخاص أمامك وإن وصل دورك ستشاهد شيبة لا يستطيع الوقوف والانتظار في هذا الصف الطويل، والله إن قمت الساعة الثانية وقت السحر ستجد الصف، بالإضافة إلى سوء حالة الصرف الصحي، وتدني مستوى النظافة، وتراكم القمامة. ولولا لطف الله لكانت تلك المخيمات مصدر الأمراض والأوبئة لهؤلاء الحجاج، وهذه الأوضاع المزرية دفع أغلب الحجاج الكينيين للأخذ برخصة التعجل فرارا من هذه الأوضاع المزرية.

إذًا أين مسئولي البعثة الكينية عن هذه المأساة؟؟

من المعلوم أن مهمة مسئولي البعثات هي أن يتسابقوا لراحة حجاج بلدانهم وتقديم شكاوى الحجاج إلى الجهات المختصة، إلا أن الحجاج الكينيين لم يجدوا أدنى أنواع الاهتمام، فقد غاب المسئولون عن المشهد تماما طول الفترة هذه المعاناة، فلا تراهم إلا عند توزيع الوجبات، وليس غريبا أنهم لا يعلمون شيئا عن المشاكل التي ذكرتها، ولم يكلفوا أنفسهم زيارة الحجاج المرضى ناهيك عن الآخرين؛ وبالتالي فالحجاج الكينيون لا بواكي لهم.

وإن شاء الله سأخصص مقالا أفصح وأطول من هذا عن الفساد والعشوائية في بعثة الحج الكينية، مع أني أعلم أنهم محصنون، ولا يسألون عما يفعلون.

ولكن للأمانة وللتاريخ .. سوف نكتب ونستنكر.

%d مدونون معجبون بهذه: