نبذة عن الشريف جيلاني مولانا صوفي باعلوي (رحمه الله)

[smart-photo slideshow_autostart=”true”] [/smart-photo]

مني المجتمع البراوي الصومالي في بريطانيا مؤخرا بوفاة شخصية وطنية وكبيرة في مغتربه بلندن بعد معاناة بالمرض الذي كان سبب وفاته، ولكونه شخصية عامة كان لها تاريخ وتأثير في المجتمع، كان لزاما على شبكة الشاهد أن تنشر نبذة عنه كما نشرت من قبل لشخصيات أخرى. وهنا ملخص لما استطعنا جمعه من عارفيه.

اسمه ونسبه

هو الشريف جيلاني بن عبدالرحمن صوفي بن مظهر بن قلتين بن حسن بن احمد النضيري بن محمد بن عبدالله بن عمر احمر العيون بن عبدالرحمن بن احمد بن علوي بن احمد الفقيه بن عبدالرحمن بن علوي بن محمد صاحب مرباط بن علي خالع قسم بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيد الله بن احمد المهاجر بن عيسي النقيب بن محمد جمال الدين بن علي العريضي بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين بن الحسين بن علي وأمه فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وسلم.

مولده

ولد الشريف جيلاني مولانا صوفي في مدينة براوة عام ١٩٤٤ وترعرع فيها في بيت والده مولانا صوفي والذي كان مدرسا ذي دخل متواضع.

نبوغه

ما إن فطم عن الرضاع حتى بدت عليه أمارات النبوغ والاجتهاد وبدأ في مساعدة والده مبكرا في دعم ميزانية البيت الضئيلة بممارس مهنة بيع الحلويات خلال فترة الفسحة المدرسية وسط النهار. ومع ذلك لم يأل جهدا في الاجتهاد في تحصيل العلم والاجتهاد في طلبه وبذ أقران فأثبت نبوغه بأن كان من الأوائل في فصله حتي أنه اكمل الإعدادية في سنتين بدلا من ثلاث وكذلك الثانوية في سنتين بدلا من ثلاث سنوات.

وكان مجدا ونابغا في تعليمه حتى في كبره، وأتقن لغات عدة قراءة وكتابة وتحدثا كأنه أحد الناطقين الأصليين بها، ومنها الإنجليزية والعربية والإيطالية والفرنسية والروسية والسواحيلية.

علاقته الخاصة بوالده

كان له الكثير من الإخوة والأخوات ولكن علاقته علي وجه الخصوص مع والديه كان مضربا للأمثال في الطاعة والبر. وكتب له والده أبيات شعر مطلعها “يا جيلاني يا جيلاني قد فزت في الصبا على الأقران”.

في أواخر الثمانينات مرض والد الشريف جيلاني مرضا شديد دام أربعين يوما في آخر عمره، وأخذ الطيار إجازة عن عمله قرابة شهرين. ولزم والده عن قرب في تلك المرحلة. وكان ذلك جليا طيلة عمره حيث كانت صلته بأبيه قوية وعلاقته معه عميقة إلى أقصي الدرجات. فكان يردد له والده في تلك الأيام الاخيرة من حياته كلمات بحنانه الأبوي ويقول له  “لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم”.  لازم أباه مولانا صوفي خطوة بخطوة ويدا بيد إلى أن وافته المنية في براوة ووضع جثمانه في مقابر السادة المعروفة بـ”دادة ماستي”.

أثر أخيه الأكبر وفضله عليه

كان لأخيه الأكبر الدكتور خليفة فضل كبير في تشكيل مستقبله الوظيفي. فبعد ان أكمل شريف جيلاني تعليمه المدرسي في براوة، لم تكن له هناك آفاق اخري مهما كان نابغا حيث لن يعدو أن يكون مصيره مثل حال الكثيرين من شباب براوة أن ينتهي به المصير إلى أن يكون بدون تعليم عال او وظيفة راقية لتكوين حياته إذ لم تكن هناك جامعة في المدينة. الا أن أخاه خليفة رتب له الانتقال إلي مقديشو العاصمة ليلتحق بالمعهد العسكري ثم بعدها بتوفيق من الله حصل على منحة دراسية في إيطاليا لدراسة الطيران في الستينات وبعدها حصل على منحة دراسية أخرى والتحق ببعثة الي الاتحاد السوفييتي للتدريب على الطيران العسكري.

ترقيه الوظيفي

في تاريخ ٢١ أكتوبر، بعيد نشوء حكومة الثورة الوليدة، تم اختيار جيلاني من القوات الجوية والذي كان برتبة طيار ملازم أول وقتها وعين سكرتيرا لرئيس مجلس الثورة.

بعد مرور فترة قصيرة عين جيلاني سكرتيرا لرئاسة الجمهورية ولمدة خمس سنوات، وحضر عدة مناسبات كالممثل الشخصي لرئيس الجمهورية، وخلال هذه الفترة تعرف خلالها على شخصيات عديدة وسفراء دول ومنهم السفير هدسل من الولايات المتحدة تحت حكومة الرئيس نيكسون والذي ربطته به صداقة.

في نهاية ١٩٧٤، وبناء على طلب شخصي من شريف جيلاني تم تعيينه في الناقلة الجوية للخطوط الجوية الصومالية كطيار على طائرة D٢٠٤، بكونه حاملا لرخصة طيار مدني، وهذا لكون الشريف راغبا في الاستمرار في مستقبله الوظيفي بناءا على خلفيته التعليمية.

ولكن بالرغم من هذا الانفصال عن الحياة السياسية، إلا أن علاقته بالحكومة لم تنقطع، فبعد ابتعاثه إلى إيطاليا عام ١٩٧٧ للحصول على ATPL( Airline Pilot Transport Licence) وكذلك على العامين التاليين ١٩٧٨ و١٩٧٩ للتدريب على طائرة Fokker F.27 في هولندا وإيطاليا، تم بعدها تدريبه على بوينغ ٧.٧ في الولايات المتحدة بدالاس عام ١٩٨٢، فقد تم اختياره كطيار خاص للرئاسة الصومالية مع بقائه طيارا في الخدمة في الخطوط الجوية الصومالية.

عاد الشريف جيلاني بعدها الي وظيفته في الخطوط الجوية الصومالية. ولكونه متواصلا بالحكومة كطيار للرئاسة ومستشار في أمور الطيران، فقد تم اختياره في عام ١٩٨٩ كرئيس لفريق أرسل إلى الجمهورية العراقية، وكان بصحبتهم مجموعة من طيارين ومهندسين لحضور دورة تدريبية مكثفة لطائرة نفاثة تم أهداؤها للرئاسة الصومالية من الحكومة العراقية، ولكن مع الأسف فقد أجهض الموضوع بأكمله نتيجة للتقرير الذي كتبه الشريف جيلاني عن جودة هذه الطائرة وحالتها.

فقد كان الشريف جيلاني نزيها وواضحا في تقريره المفصل عن الطائرة، كمسؤولية أخلاقية فقد كتب كل مايخص عن الطائرة، وأبدى رأيه أنها لم تكن مناسبة، لأن الطائرة بنيت في عام ١٩٧٥ وهي مخصصة للمسافات القصيرة ولا تأخذ أكثر من ٨ أشخاص، واستهلاكها للوقود كبيرة لكون الطائرة تحمل أربع محركات بالرغم من صغر حجمها.

وبناءا على هذا التقرير فقد طلب مكتب الرئاسة الصومالية طائرة بديلة من الحكومة العراقية، وكانت الطائرة الفرنسية Falcon 60 ضمن الخيارات الموضوعة، وأخذت الجهات العراقية فترة طويلة في التفكير ولم يتحقق الأمر إلى أن انهارت الحكومة الصومالية بعدها.

وفي أوائل عام ١٩٩٠، تم ابتعاث الشريف جيلاني إلى تولوز بفرنسا للتدريب على الأيرباص ٣٠٠-٣١٠، وتم ذلك بنجاح.  ورجع إلى الوطن بعدها ليطير بالطائرة الجديدة Airbus.

لم يستمر الوضع أكثر من شهور حتى نهاية ١٩٩٠، ففي يناير ١٩٩١، انهارت الحكومة الصومالية برئاسة سياد بري، على يد المعارضة واضطر سياد بري للهروب إلى مسقط رأسه جربهاري حيث تكثر فيها قبيلته. وكانت هذه هي الوسيلة الوحيدة للنجاة، وقد هرب أيضا كل من له علاقة بالحكومة الصومالية.

هروبه من مليشيات الحرب

ولم ينج جيلاني من ملاحقة مليشيات الهوية أيضا، فمع أن علاقته بالرئاسة والتي دامت ١٥عاما كانت علاقة تقنية أكثر منها سياسية إلا أنه لم ينج من الملاحقة، فقد كانت فرق مليشيات الهوية أو مايسمى بـ USC تلاحق كل شخص سياسي، تحت زعمهم بأنهم جاءوا ليطهروا البلد من الظلم فقاموا بقتل الكثيرين.

واضطر جيلاني إلى الهرب إلى براوة مسقط رأسه. وفي براوة، كونها ملتقى الطرق بين جنوب الصومال والعاصمة فقد تناوبته المليشيات المسيطرة عليها من الدارود إلى الهوية ومن الهوية للدراود. وعندما أتت الـ USC وكونهم يدعون أنهم حماة الوطن من رجس النظام السابق، فقد كان اسم جيلاني ضمن قائمة المطلوبين، ومع ازدياد العصابات في براوة فقد تحتم عليه الهروب بطريقة أو بأخرى، وكان عليه الرحيل إلى كينيا على متن قارب صيد صغير بدون مأوى أو حمام وبصحبته ٣٤ شخصا ومنهم ولده الصغير وكان عمره آنذاك اقل من عامين، وكذلك نائب وزير الزراعة وقتها السيد حسن عبدو الذي ينتمي إلى نفس المدينة.

ولحسن الحظ فقد سبق ورحل جميع أولاده الآخرين إلى كينيا قبلها بصحبة أخيه الدكتور خليفة، ومن عجائب الصدف أن كان أخوه الطبيب الخاص للرئاسة الصومالية، وكان هذا أيضا مما زاد طلب العصابات للتوصل إلى الشريف للتخلص منه والانتقام لمجرد صلتهم بالحكومة.

استمرت الرحلة علي قارب الصيد أكثر من أسبوع حيث لم يكن معهم حتي بوصلة، وبسبب ذلك أخطأوا الاتجاه في إحدى المرات ليجدوا أنفسهم متجهين إلى الشرق صوب الهند بدلا من الجنوب صوب كينيا. ولكن بعد ذلك وبفضل من الله اكتشفوا خطأهم وعدلوا الاتجاه ليصلوا الي كينيا في النهاية.

أقام الشريف جيلاني في كينيا سنوات عدة ليلجأ بعدها إلى بريطانيا عام ١٩٩٨ مع أولاده وأخيه الدكتور خليفة وأسرته. ومن ذلك الوقت ولمدة ١٤ عاما كان للشريف جيلاني دور مؤثر في المجتمع حيث كان رئيساً لمؤسسة تمثل الجالية الصومالية البراوية في شرق لندن Somali-Braveness Action Group. وساهم في بناء برامجها واستراتيجياتها. فقد كان يجيد اللغة بطلاقة لم يسبق لها مثيل في هذه الأيام  وكان بطريقة أدبية كانت تعجب حتى البريطانيين أنفسهم. وأدي ذلك إلى بروزها كإحدى مكاتب الجاليات الفعالة في لندن. وشارك وحضر الشريف في فعاليات كثيرة قابل وتعرف خلالها علي شخصيات مهمة من الحكومة البريطانية وعلى رأسها وزير الخارجية البريطاني السيد ديفيد مليباند.

أخلاقه

كان الشريف جيلاني إلى جانب كل ما عنده من علم وغنى عن الناس متواضعا يقف للصغير قبل الكبير ويحترم الجميع ويحفظ حقوق الناس ويعرف أقدارهم ويضع كل ذي قدر منزلته، وكان بشهادة عارفيه طيب المعشر حلو الحديث يكاد سامعه يقول من طيب ما يسمع إليه “ليته لم يقف”.

وكان يعين المحتاجين ويغيث الملهوفين، لم يتأخر الشريف عن مساعدة المحتاج قط، وكان يبادر إلى المساعدة دون سبق سؤال لمجرد استشعاره بأن هذا الشخص في حاجة لمساعدة حقيقية، مادية أو معنوية. وكأنما يتمثل قول القائل:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم . . . . . .فطالما استعبد الإنسان إحسان

وتمثل فيه قول القائل:

وأفضل الناس ما بين الورى رجل . . . . . تقضى على يده للناس حاجاتُ

أو قول الآخر

تَرَاهُ   إذَا   ما   جِئْتَهُ   مُتَهَلَّلاً        كأَنَّكَ تُعْطِيهِ الِّذِي أَنْتَ سائِلُهْ

وكان مشهودا له بالأخلاق الفاضلة والمروءة وكان يسع الناس بأخلاقه متمثلا قول الرسول صلة الله عليه وسلم “إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم”

مرضه الأخير

وفي السنوات الأخيرة، عانى الشريف من المرض، وقلل من نشاطاته ولازم تلاوة القران والصلوات على الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن دوام في حضور المناسبات الاجتماعية  من وقت لآخر.

اشتد به المرض في سبتمبر ٢٠١٤ ودخل المستشفي لينتقل إلى الرفيق الأعلي بعدها بأسابيع وكان حوله جميع أولاده وأخوه الدكتور الذي كان رمزا له كقدوة صالحة وأب حنون. حيث فارق الشريف الحياة بتاريخ ٨ أكتوبر ٢٠١٤ منتقلا الي ربه وهو منشرح الصدر وكانت علامات الرضا والطمأنينة بادية وجلية في وجهه والسكينة واضحة في عينيه وفي وأبتسامته التي لم تفارق شفتيه.

جنازته

شهد جنازته العدد الغفير من الجالية الصومالية وغير الصومالية في لندن وفي وصف جنازته نقتبس هنا ما قاله الأخ عبد الفتاح محمد الهادي في صفحته على الفيس بوك “سبحان الله ما أفجع نفثات الصدر على الأحبة، وقد أسكتتني فاجعة وفاة عمي جيلاني، وما استطعت تصور جسده مسجى في المستشفى، ثم محمولا فوق الأعناق، …، ووقفت بين القبور أحاول حبس الدموع فما أستطيع، وبعد الدفن وقفنا أنا وأخي أحمد أبرار نستعرض حياته والعدد الهائل من المشيعين لجنازته، مع أنه يوم عمل والمدارس مفتوحة، فاستغربنا من العدد وقال الأخ أحمد: قد أظهر عم جيلاني علامته، فقلت له نعم يوم الجنائز فيه علامات، وبدأنا نتذكر كيف كانت أخلاقه مع كل الناس، وكيف كان لطيف المعشر مع الجميع. فقال الأخ أحمد: تعلمت من عم جيلاني درسا هو حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: “إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم” أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم. فجرى على لساني بيت ملحن وقلت للأخ أحمد هذا قلته الآن للتو وكان البيت:

ومن قدر إلى قدر نفرُّ … وما ندري على ما نستقرُّ

فالإنسان عندما يوعك تتقاذفه المستشفيات، وتتعاوره أيدي أطباء، ويبذل أهله الغالي والرخيص ليستنقذوه من براثن المرض. وكلها أقدار الله كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه: نَفر من قدر الله إلى قدر الله. ولا أحد يدري أين ستستقر كل هذه المحاولات لاستنقاذ قريبه من حاله، فيقف مكتوف اليدين، لا يرجو إلا رحمة الله الرحمن الرحيم. ورحمة الله تأتي لكنها ليست في كل مرة كما يتمنى ذوو المريض، فرب رحمة تكمن في طَيِّ بساط هذا المسكين واصطفائه إلى حياة أعلى، وملإ أغلى، ومعية أجلى. فاللهم رضنا بقضائك، ولا تقطعنا من رجائك.

اللهم ارحم عمنا ووالدنا جيلاني واجعله في مقعد مبارك وراحة مما كان فيه، فقد تألم كثيرا، وطالت معاناته مع المرض. وصبرنا وصبر أهله وخاصة ولده الصديق الوفي الحبيب أخانا محمد جيلاني واجعله وإخوته خير خلف لخير سلف” ا.هـ

3 تعليقات

  1. فخورة لكونه جدي♥ ❣ ❤….رحمة الله تغشاك

  2. نعم الرجل. بمثل هؤلاء تستقيم كثير من أمور العباد وبغيابهم يترك جرحا قلما يجف ويتعافي

%d مدونون معجبون بهذه: