تدشين العلمانية في آخر النهار (1)

(لو أن كل كاتب جديد على دنيانا زعم أن له كامل الحرية في إلغاء أو إضافة ما يهواه بحجة حرية التأويل والتفسير لوجدنا بعد سنوات أو قرون إسلاما يختلف تماما عن الإسلام الذي أنزل على محمد (صلى الله عليه وسلم)، ولتلوَّن بلون جديد في كل عصر ومصر.. لأن القائلين بالتجديد لا يقفون عند حد ..فهناك من نادى بالتجديد في مسائل العقيدة وأنكر بعض أركان الإيمان كالصراط والميزان، وهناك من أنكر العبادات ، وهناك من أنكر الحدود الشرعية مثل حد السرقة وجلد الزاني فضلا عن الرجم بدعوى أن هذه العقوبات ليست مقصودة بأعيانها بل بغاياتها-زعموا-، وهناك من أنكر حرمة الربا أو أنكر تعدد الزوجات، ومنهم من دعا إلى تحرير مصطلحات القرآن وتعديل معانيها مثل الجزية كل ذلك بدعوى حرية الفكر والإبداع، وتطوير الشريعة لتساير العصر، والتزام روح الإسلام) هذه فكرة المقال وفحواه.

ثار لغط محموم في صفحات التواصل الاجتماعي حول كتاب الكاتب عبده سعيد إسماعيل في “حد الردة”، وقد أثار عاصفة من الاحتجاج منذ أول عرض له في قاعة الحفلات في مجمع (إسلي مول) بحي إيسلي بمدينة نيروبي مساء الأحد 14 سبتمبر 2014 وفي صباح اليوم التالي تحدث الكاتب عبر إذاعة صوت أمريكا التي حاورته ولخص فيها وجهة نظره حول الموضوع قائلا:” أصبحت الردة وكأنها سيف مسلط على العالم وخاصة على الشعب الصومالي الذي فقد الدولة التي تملك آليات فصل النزاع ، في أكثر الأحيان يشهر حد الردة في وجه المعارضة وتستخدم لقمع السياسيين المخالفين، وعند تفحص القرآن والسنة النبوية وعصر الصحابة لا يوجد فيها أي دليل على معاقبة المرتد فضلا عن قتله ، بل إن أصل الردة هو ما قاله الفقهاء بأن المرتد عن الإسلام حده قطع عنقه!، فهل هذا الحكم يوافق الشريعة الإسلامية؟ “( أي أنه لا يوافق الشريعة لأنه لم يثبت بالنص حسب رأي الكاتب)..وتناول في ثنايا الحوار مسائل أخرى مثل دية المرأة ومسألة الرجم.. وبعد خمسة أيام رد عليه أحد العلماء المشهورين في الساحة العلمية وهو الشيخ محمد عبده أمل الإمام والخطيب بجامع أبي بكر الصديق في نيروبي متتبعا الأخطاء التي عثر عليها خلال تصفح أولي لأجزاء من الكتاب-كما ذكره- ، وكانت الأخطاء التي أشار إليها الشيخ كافية لإثارة مشاعر السخط على الكاتب ؛ لأنها مسائل شديدة الوقع على المجتمع الصومالي الذي يحمل عاطفة قوية للإسلام ، ولم يتعود تلك الأطروحات العلمانية الجريئة أو بالأحرى التي تصادم المسلمات الفقهية ، أو تتعرض لمسائل محسومة مثل التسوية بين الأديان كلها، والحرية الدينية بلا قيود، وإنكار عقوبة الردة الدنيوية، وإنكار الرجم، واتهام الصحابة الكرام بالفسق وعدم اعتبار مروياتهم.

 الشيخ محمد عبده أُمّل وغيره تعاملوا مع النازلة انطلاقا من المسئولية العلمية والواجب الديني، ولأن الكاتب طرح أفكاره على الملأ فكان من حق الشيخ الرد عليه بنفس الوسيلة التي استخدمها من باب رد المنكر” من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه…الحديث” ، وتحصينا للمجتمع ،وقد هدف رد الشيخ إلى كسح الشبهات التي أثارها ، وتلافي الآراء المعوجة التي بثها على الملأ وبأسلوب لا يخلو من التضليل المتعمد.

الشيخ محمد عبده أمل لم يكفر الكاتب استنادا إلى بعض الآراء الخطيرة الواردة في ثنايا الكتاب ، ولكنه أشار فقط إلى أن الكتاب فاقد للقيمة ومليئ بالأغلاط الشنيعة ولذلك ” يستحق أن يحرق على الملأ” . ومن جانب آخر فإن حجاج الشيخ مع الكاتب ومحاورته معه في المسائل التي سطرها تترك انطباعا بأن الشيخ اعتبر طرح الكاتب من نوع الحوارات التي يلتفت إليها؛ لأن رد الشيخ أخذ طابعا تفصيليا يورد الأخطاء ويعقب عليها ، وفي هذا تقدير كبير للكاتب ، وإنزاله منزلة الخصم القوي.

وفي رأيي أن الكتاب لم يكن بالأساس مناقشة دينية بل كان قراءة علمانية متطرفة غلفها بغلاف ديني، تتجاوز حدود الحوار العلمي ، وأبرز دليل على ذلك تناوله للموضوع بصفة المتحرر المستعلي عن الضوابط العلمية التي تعب على ضبطها علماء الإسلام عبر القرون في الاستدلال والتلقي و الاجتهاد، وتجاوز الأصول المنهجية لعلماء المصطلح وأصول الفقه، علاوة على امتلاء الكتاب بإشارات واضحة تدل على اعتقاده بالمساواة بين الأديان ، والتشكيك في أحقية الإسلام (إن الدين عند الله الإسلام آل عمران 19) ،وتشكيكه المسبق لبعض المصادر التشريعية، وطعنه لنقلة الوحي وأئمة الفقه (كالإمام الشافعي الذي وصفه بأنه من الوضاعين للأحاديث ص94)، واعتباره الفقه الإسلامي على مدى القرون فقها “رجاليا” تلاعبت به أيادي المغرضين للإجحاف بحقوق المرأة.. ص: 47 من الكتاب) وأتساءل أي حوار علمي يستطيع الكاتب إجراءه إذا كان ينظر إلى الفقه بهذه النظرة؟ أليس هذا ينسف كل حجاجه ونقولاته ؟) كل ذلك يجعل مناقشة الكاتب مناقشة علمية من باب العبث إذ لا فائدة ترجى من عصبة حسمت أمرها ولو قرئ عليهم ألف آية ومليون حديث ونقلت إليهم إجماعات الأمة قاطبة.

الكتاب لا يمثل كذلك صيحة مخلصة لنصرة الدين الحنيف في وجه ألوان التطرف التي شاعت مؤخرا، ولم يكتبه صاحبه من باب منطلق النصيحة والنقد البناء الذي يستحث الشباب بالدفاع عن دينهم وعقيدتهم وهويتهم الحقيقية بل إنه ينظر إلى الإسلام نظرة دونية ، ويتعمد سلخ الهوية، والإساءة إلى ثوابت الإسلام والتشكيك في الأصول والفروع، ونصرة النظرة الاستشراقية والعلمانية إلى الإسلام.

من جهة أخرى ، الكتاب تزامن مع ظروف نفسية وسياسية تعطي قابلية لأي هجوم على أطروحات فصيل “الشباب ” الذي اتخذ ” حد الردة” أحد أسلحته الفتاكة لأغراض سياسية، فكم استبيحت دماء بريئة بحجة الردة ؛ فقد خفي على الكثيرين أهداف الكاتب الحقيقية التي هي مجرد مقدمة لأهداف بعيدة المدى، شديدة الأثر في المجتمع الصومالي المسلم كما ستظهره الأيام شيئا فشيئا إن طال بنا الزمان.

عقب صدور الكتاب بات واضحا أن ثمة فصيلا من غلاة العلمانيين (التنويريين كما يحلو لهم) في طور التشكل وقد أثلج الكتاب صدورهم للبوح بما لم يطيقوا حمله في صدورهم ، فاتخذوه فرصة للفضفضة والتنفيس ، وتحركوا من كل صوب يصيحون بالشيخ إنه ” رجعي” ومناصر ” للإرهاب” …ووو

تؤلمنا حقا أن يرتاد بعض أصدقائنا هذه المسالك الوعرة مع اعتقادنا الراسخ بأن هذه الحركة العكسية المواجهة النصوص والثوابت ستصطدم بصخرة التاريخ والسنن ، كما أنها ليست صنعة جديدة بل هي رجع صدى لمواقف المستشرقين والليبراليين والعلمانيين أعيد إنتاجها بلغة محلية ، واستوردها صاحبها إلى سوق الأفكار لتصبح موضة جديدة ” فاشيون ” . فكر الرجل وقدَّر وتقدم وتأخر زمانا حتى استقر أخيرا على تدشين دين العلمانية مغلفا بغلاف البحث الفقهي والنقاش العلمي، ولكن نسف خطته لأنه هاجم الأصول العقدية والإيمانية ونقض الفقه من أساسه لأنه جعله عمل عصبة براجماتية فاقدي المصداقية ( انحازوا عمدا للرجل، وظلموا المرأة) ، ثم أجال النظر فرأى أن تهمة ” الردة” هي أخطر ما يعيق على المشروع في المستقبل البعيد والقريب فشهر سيفه وحمل معوله للقضاء عليه أولا.

3 تعليقات

  1. أخى الكاتب،
    شكرا جزيلا على هذا المقال الرائع والمفيد٠

  2. مقالكم في غاية الأهمية ،وليس الكتاب كتابا علميا ولا تابع منهج الباحثين ،ولا اعرف الغاية من كتابته في هذا الوقت بالتحديد

%d مدونون معجبون بهذه: