حد الردّة وحريّة الاعتقاد (2)

عرض الإشكالات وتفنيدها :

نستفتح في هذه المقالة باستعراض العيّنة الأولى من الإشكالات المثارة حول ثبوت عقوبة المرتد في الدنيا، ثم نعرّج بعد ذلك إلى مناقشتها، ويمكن وضع الاعتراض الأول على شكل مختصر كالتّالي:

تقرير القرآن منافاة عقوبة المرتد :

تصطدم أحيانا أثناء قراءتك بهذه الألفاظ: “حريّة الاعتقاد التي تناقض عقوبة المرتد جاء تقريرها في القرآن في مئتي آية بيّنة”!! وغير بعيد عن هذا المعنى يزعم آخر بأن: “حرية العقيدة أصل من أصول القرآن، لكن أكثر المسلمين انقطعوا عن أصولهم تماما، وبدؤوا يأخذون عمّن أخذ من الأصول، وهذه واحدة من ظواهر التخلف عن دواعي الدّين”. ومستندهم على هذه الدعوى خليط من الأدلة الشرعية الثابتة التي فُهم على غير وجهها الصحيح، وضغط نفسيّ من الواقع الّذي شكّل عاملا أساسيا حسب رأيي بقبول الأدلة على ضوء ما ينسجم مع رغباتهم، وترك ما لا ينسجم.

ومن تلك الأدلة التي استندوا عليها قوله تعالى: “لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”، سورة يونس (99). يوضّح أحدهم وجه الاستدلال فيقول: “الآية منعت الإكراه على الإيمان من وجهين: الأول: أسلوب الاستنكار، والثاني: أن الآية بيّنت علّة منع الإكراه، وهي كون الإكراه في الدّين يتنافى مع مشيئة الله التي اقتضت أن يكون النّاس أحرارا مختارين”

وللإجابة عن هذا الاستدلال يستدعي النظر في معنى الإكراه المستنكر الوارد في الآية من جهتين:

الأولى: نترك للإمام إبن عاشور مهمّة الجواب عن معنى الإكراه المستنكر في الآية: “وَالِاسْتِفْهَامُ فِي أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ إِنْكَارِيٌّ، فَنُزّلَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحِرْصِهِ عَلَى إِيمَانِ أَهْلِ مَكَّةَ وَحَثِيثِ سَعْيِهِ لِذَلِكَ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ صَالِحَةٍ مَنْزِلَةَ مَنْ يُحَاوِلُ إِكْرَاهَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ حَتَّى تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ التَّنْزِيلِ إِنْكَارَهُ عَلَيْهِ”. فاتّضح من ذلك أن الإكراه المستنكر الواقع في الآية هو الحرص الشديد للنبيّ على هداية قومه، والآيات التي جاءت بمثل هذا المعنى كثيرة في القرآن الكريم منها: “إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ” ،سورة النحل (37)، “لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ” البقرة (22)، “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصيْطِرٍ” الغاشية (21، 22) وبناء على ذلك انكشف لنا المعنى المراد من الإكراه المذكور في الآية على وجهه الصحيح، وتبيّن لنا أيضا أنّه لا علاقة له بعقوبة المرتد التي لا تكون إلّا بالإكراه الذي يتّم تهديده بالقتل إن لم يرجع عن الكفر، كما ستأتي الأدلة عليه-إن شاء الله- وهذا الإكراه يتسلّط على ظاهر الإنسان لا على باطنه إذ ليس بمقدور النّاس أن يقهروا على قلوب النّاس.

الثانية: النظر في متعلّق الإكراه المستنكر هنا في الآية إنّما هو إكراه النّاس على الهداية الباطنة التي تحوّلهم إلى مؤمنين منقادين، وليس الإكراه المراد على حمل أفعال وأقوال تعارض عقائدهم. فالاستفهام الإنكاري في قوله تعالى: “أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”، سورة يونس (99)، هو إنكار بمقتضى ضرورة العقل والحس، كقوله تعالى: “أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ” سورة القلم (35)، وقوله: “أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ” سورة السجدة(18)، وقوله: “أيحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى”، سورة القيامة (36) فأسلوب الإنكار في كل هذه الآيات علم إنكاره بالعقل والحس، وكذلك في هذه الآية “أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”، سورة يونس (99)، يعني أنّه لا سلطان للنبي عليه الصّلاة والسّلام على قلوب النّاس فهذا الأمر بيد الله جلّ وعلا ، وهو معلوم بالعقل والحسّ. فالآية على هذا الوجه ليست في محلّ النزاع، إذ يفترض أن يكون محل النزّاع في إثبات حريّة الاعتقاد المنافية لعقوبة المرتد وإلزامه بأفعال وأقوال ظاهرة، لا توافق اعتقاداته الباطنة. فالحريّات التي يمكن للنّاس أن يكون لهم دخل في تضييقها أو توسيعها هي تصرفات النّاس الظاهرة وليست في اعتقاداتهم الباطنة.

فنعلم من هنا فساد قول بعضهم: “لو كان للإكراه أن يتدخل في الدّين ويُدخل النّاس فيه أو يبقيهم فيه لكان هو الإكراه الصادر عن الله تعالى” لأننّا لو استطردنا هذا الحكم يمكن أن نسقط الحدود المتّفقة عليها كلّها، مثلا لو قلنا: لو كان للإكراه أن يتدخل في زجر الظّالمين وردع المجرمين من قطّاع الطرق واللصوص والزّناة والقتلة لكان هو الإكراه الصّادر من الله تعالى، فهو القادر على الإكراه الحقيقي الذي يحوّل المحارب سالما، والقاتل خيّرا والسارق أمينا، والزاني عفيفا، فلا ينبغي لنا معاقبة كل هؤلاء على أفعالهم الإجرامية لأنّها لا تغيّر من واقعهم شيئا، فهذا الإلزام يقودنا إلى إبطال الشريعة كلّها، وهو ما لا يقوله جاهل فضلا عن عالم. وهذا التقرير الماتع الذي يبطل هذا الإشكال يمكن مراجعته في كتاب (عقوبة المرتد في الشريعة الإسلامية – ص 104).

وخلاصة الأمر يتبيّن لنا أن الآية في غير محلّ النزّاع، وأنّها لا تصلح دليلا لإثبات حريّة الاعتقاد المنافية لعقوبة المرتد، وبهذا سقط هذا الاستدلال، وسنعرض إن شاء الله تعالى بقية المعارضات والإشكالات في حلقات قادمة.  

 

4 تعليقات

  1. والسؤال الذي يطرأ علي الذهن إدا كان الله أو دين الاسلام يكفل حرية الاعتقاد ويكفل للكفار كفرهم فلماذا أرسل الله الرسل ؟ ولمادا كان هناك جزية في العهد بل الربيع الإسلامي الحقيقي آنذاك؟ الم يتحققو أنها قد تكون نظرية لتبيح لمن أسلم أن يكفر وأن يبتعد الناس كل الإبتعاد عن الدين ألم ينظرو في حال أمتنا
    أهذه هي الحضارة التي يدعونها اليها ؟ أهي الحضارة في ترك الدين والإقتراب من الشيطان ؟ وإن كان الأمر كذالك أي حرية الاعتقاد، فلمادا الرسول أتي مبشرا للأمم دعي الكفار الي ترك دين الإلحاد وعبادة الله واعتناق الاسلام لما أبو قاتلهم وحاربهم ؟

  2. امر في غاية الاهميّة واجوبة دامغة علي المتعالمين الذين ينظرون النّصوص بالعين العوراء ولا يجيدون المناقشة العلميّة

  3. جواب رائع وحوار هادئ بارك الله فيك شيخنا الحبيب على هذه المقالات النافعة إن شاء الله.
    ومع الأسف كثير ممن يتصدى للكتابة في هذا المجال وغيره أيضاً ترى العجبَ في التصور وأحياناً في التركيز والبعد عن منهجية البحث العلمي .
    وكم كنتُ أتمى أن يلتزم الباحثون أدبيات الحوار والمناقشة العلمية وأن يكون جهدهم مبنيّاً على الدليل والاستدلال مع الفهم الثاقب والوعي الصائب .

%d مدونون معجبون بهذه: