التيارات الإسلامية والتصور عن المشروع الإسلامي

تتفق مختلف التيارات الإسلامية في أمرين اثنين، أولا: كونهم يحملون رسالة إصلاحية، ثانيا: كون هذه الرسالة الإصلاحية تنطلق من مرجعية إسلامية فهي رسالة إصلاحية إسلامية، وبعد ذلك يختلفون في طبيعة هذه الرسالة، بعض هذه التيارات ترى أن رسالتها الإصلاحية رسالة تربوية تقتصر فقط على الميدان التربوي، أي ميدان المجتمع المدني، وأبرز من يلتزم بهذا الرأي الصوفية والتبليغيون، بينما البقية من التيارات الإسلامية (السلفيين والإخوان وحزب التحرير) يرون شمولية رسالتهم الإصلاحية، فهي رسالة تربوية دعوية (العمل على مستوى المجتمع المدني) وهي كذلك رسالة سياسية (العمل على مستوى الدولة).

وبعد الاتفاق على هذه النقطة الرئيسية (شمولية الرسالة الإصلاحية) تختلف هذه التيارات في أمور ثلاثة:-

أولا: يختلفون في سؤال “الأولوية لمن”؟ (أي تلك الميادين أولى بالتركيز؟) ، السلفية بشقيها الحركي واللاحركي تفضل التركيز على العمل التربوي والدعوي وذلك دونما إهمال كلي للعمل السياسي، بينما التيار السلفي الجهادي، والتيار الإخواني، وتيار الشيخ النبهاني (حزب التحرير) يفضلون العمل السياسي وذلك دونما إهمال للعمل التربوي.

ثانيا: الوصول للميدان السياسي وللسلطة يستوجب نضالا، والنضال إما أن ينتهج بالعنف وإما أن ينتهج بالسلم، عليه تمسكت السلفية الجهادية بالنهج العنيف ، بينما التزمت بقية التيارات بالنهج السلمي.

ثالثا: اختلفوا كذلك في ماذا بعد النضال؟ أو ماذا بعد الوصول للسلطة؟، أي ماهو المشروع الإسلامي الذي نترجمه على أرض الواقع بعد أن نصل للسلطة؟

بعض التيارات الإسلامية ترى أن غاية المشروع الإسلامي تتمثل في تغيير نموذج الدولة المدنية القائم فعلا على أرض واقع المسلمين الآن، واستبدال هذا النموذج بنموذج آخر مغاير له تماما، بينما البعض الآخر يرى الاحتفاظ بنموذج الدولة المدنية كنموذج للدولة الإسلامية الحديثة، وقبل أن نفصل في الحديث عن هذا الاختلاف دعونا نتحدث قليلا عن نموذج الدولة المدنية

الدولة المدنية القائمة الآن على معظم بقاع الأرض تعمل وفق هذا الإطار:-

  1. تستند هذه الدولة إلى مبادئ ستة رئيسية هي القطرية (للدولة حدود جغرافية معينة)، والديمقراطية (السلطات في الدولة تكون بيد كل الشعب)، والدستورية (الشعب يمكن أن يفوض سلطاته لفئة منه ولكن على أسس دستورية وبدون هذا الدستور تصبح أي سلطة في يد فئة من الشعب سلطة غير شرعية)، والمواطنة (العلاقة بين المواطنين والدولة في داخل الدولة المدنية هي علاقة قائمة على أساس الشراكة الوطنية وليست على أساس الاعتقاد أو العرق وعليه تجب المساواة بين كل المواطنين في كل الحقوق والواجبات بغض النظر عن التمايز في العرق وفي الدين) والتعددية (لكل فئة من الشعب الحق في التنافس السلمي للسلطة والتعبير الحر عن برنامجها السياسي)، والحرية (لا يجوز للدولة المدنية التدخل في الحريات الخاصة للأفراد ما لم تمس بالضرر على الشأن العام، وعليه تتقيد حرية الفرد بقيد الحفاظ على الشأن العام).
  2. وظائف الدولة المدنية تتمثل في الوظيفة الداخلية (والتي تتمثل بدورها في الحفاظ على الاستقرار وفي صناعة التنمية)، والوظيفة الخارجية (وتتمثل في الالتزام بالمعاهدات والمواثيق الدولية بجانب تنظيم العلاقات الدولية وفقا لتلك المعاهدات ولتلك المواثيق).

موقف التيارات الإسلامية من نموذج الدولة المدنية

رغم أن الإخوان أصرّوا ولمدة طويلة على أنهم يمتلكون حلا يتأسس على نموذج بديل إلا أنهم في الأخير تمسكوا بنموذج الدولة المدنية والتزموا به، ومع أنهم يدركون جيدا حداثة هذا النموذج ويدركون أصوله الغربية إلا أن الغالبية منهم لا ترى فيه بأسا شرعيا، ولقد اتضح في الآونة الأخيرة أن المشروع الإسلامي الذي في جعبة الإخوان لا يتعدى كونه برنامجا حزبيا لا يختلف كثيرا عن غيره من برامج الأحزاب المدنية، فهم مثل غيرهم من الأحزاب المدنية يضعون برامج سياسية واقتصادية تستهدف بالأساس إلى تفعيل الوظائف الرئيسية لنموذج الدولة المدنية دون أن تمس بالتغيير على الأطر العامة التي يستند إليها هذا النموذج.

وقد وقف التيار السلفي الجهادي الموقف الضد لموقف الإخوان، ونادى بمشروع إسلامي هدفه الأول التغيير الكامل للمعالم الرئيسية التي يقوم عليها نموذج الدولة المدنية، واستبدال هذا النموذج بنموذج آخر مغاير له يرى أنه يمثل نموذج الدولة الإسلامية وهو نموذج يقوم على الأسس التالية:-

  1. لا حدود جغرافية للدولة الإسلامية، فحيثما وصل الإسلام تصل إليه الدولة الإسلامية.
  2. السلطة بيد الشرع ومن ينوب عن الشرع ليس الشعب بكامله وإنما أهل الحل والعقد (العلماء).
  3. الشريعة هي من تفوض أهل الحل والعقد، وهي من تحدد لهم المسؤوليات والمهام ومن ثم فلا حاجة للدستور.
  4. العلاقة بين المواطنين والدولة في داخل الدولة الإسلامية تتأسس على أساس الاعتقاد عليه تختلف معاملة الدولة الإسلامية مع المواطن المسلم عن معاملة المواطن غير المسلم.
  5. لا توجد أحزاب معارضة داخل الدولة الإسلامية.
  6. لا حريات مسموحة للباطل في داخل الدولة الإسلامية فليس للباطل الحق في أن يعبر عن نفسه أو أن يدعو لمبادئه
  7. الحريات في داخل الدولة الإسلامية مقيدة بالشرع.
  8. الوظيفة الداخلية للدولة الإسلامية تتمثل في تطبيق الأحكام الشرعية، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ويجب تغير كل المنكرات ـ الكبيرة منها والصغيرة ـ بقوة الدولة لتوفر الاستطاعة)، وفي جباية الأموال، وفي حماية المسلمين.
  9. لا يجوز للدولة الإسلامية أن تلتزم بسلام دائم مع دول الكفر ؛ لأن ذلك يؤدي إلى إلغاء فريضة الجهاد وخاصة جهاد الطلب.
  10. للدولة الإسلامية أن تنشر الإسلام بالقوة في داخل أراضي الكفار حال اقتضت الضرورة لذلك.
  11. للدولة الإسلامية أن تتعامل بنظام الرق ( وهو نظام محروم في العهود والمواثيق الدولية الآن)
  12. الدولة الإسلامية ليست طرفا في العهود والمواثيق الدولية التي أبرمت في ظل هيمنة الدول الغربية
  13. التيار الجهادي يرى كفر كل الأنظمة القائمة على نموذج الدولة المدنية، ويرى كذلك كفر كل من ينتسب إلى هذه الأنظمة.

هذا عن التيار السلفي الجهادي أما عن بقية التيارات الإسلامية (التيار السلفي بشقيه الحركي واللاحركي، وحزب التحرير) فالملاحظ أنهم:-

  1. يتفقون نظريا مع التيار الجهادي في رفض نموذج الدولة المدنية (وقد يتسامح بعضهم مع بعض البنود) ويتفقون معه في غالبية البنود التي يستند إليها النموذج البديل.
  2. يختلفون مع التيار الجهادي في مسألة تكفير كل من ينتسب إلى الأنظمة القائمة على نموذج الدولة المدنية.
  3. بعضهم يكفر كل الأنظمة القائمة على نموذج الدولة المدنية (الأنظمة وليس من ينتسب إلى الأنظمة)، وبعضهم يلتزم بالحياد.
  4. عندما تخوض بعض هذه التيارات في غمار السياسة في إطار نموذج الدولة المدنية فإنها لا تفعل ذلك رضا بهذا النموذج وإنما من أجل المساهمة في تخفيف آثاره السلبية وذلك بقدر المستطاع.
  5. يكاد ينخفض سقف طموحات المشروع الإسلامي عند بعض هذه التيارات إلى حد الاكتفاء بالمساهمة في تقليل الآثار السلبية لنموذج الدولة المدنية، وذلك نتيجة لانعدام الأمل في تغيير هذا النموذج بالمسار السلمي، وعمليا قد يتساهل بعضهم في التعامل مع بعض الأنظمة القائمة في البلاد الإسلامية والمستندة إلى نموذج الدولة المدنية.

تعليق واحد

  1. لو قرأت سابقا مائة كتاب عن التيارات الإسلامية لاستفدت من هذا المقال…شكرا للكاتب

%d مدونون معجبون بهذه: