حد الردّة وحريّة الاعتقاد (1)

على غرار المصالحة مع مفهوم “حريّة الاعتقاد” عند الغرب يدافع كثير من المعاصرين بأن الإسلام قد أباح حرية الرأي والاعتقاد بدون ضوابط إلا في حالة واحدة وهي ما إذا كانت تعود بالضرر المادي على المجتمع. وما عدا ذلك ما دامت في إطار الفكر والرأي والقناعة الشخصية فالشريعة ضامنة للفرد بهذا الحق ولو خرق مسلّمات الشريعة واختار المروق من الإسلام ويستندون إلى ذلك قول الله تعالى: “لا إكراه في الدّين”. ومن يقرأ هذه الآية ولا يعرف شيئا من القرآن ولا من السنّة ولا من سيرة الرّسول عليه أفضل الصّلاة والسّلام فإنّه سيضطّر إلى قبول هذا الاستدلال فتكون النتيجة هدم نصوص أخرى من الآيات والأحاديث التي صرّحت وعيدا خطيرا لمن ارتدّ عن الدّين، كما رتّبت بعضها أيضا عقوبة دنيوية. وتشتدّ الخطورة إذا كان المثير لهذه القضية ممن يحتج بالقرآن العظيم، الذي لا يسوغ لأحد مخالفته ويجادل فيه، يقول الشاطبي في هذا الشأن: “وأما الجدال بالقرآن فإنّه من – اللّسن الألدّ – من أعظم الفتن، لأن القرآن مهيب جدا، فإن جادل به منافق على باطل أحاله حقا” (الموافقات: 3/283) .

نظرا لسعة الموضوع، وتشعبه، وكثرة تفصيلاته، واستفاضة البحث فيه، نقتصر على معالجة جانب من جوانبه وهي الإشكالات الخرافية التي تثار حول إقامة حدّ الردّة، ودعوى مناقضته لأصول الشريعة، وأن فيه هتكا لحريات النّاس. علما بأنّه لم يكن من الممكن دراسة هذا الموضوع لجميع مسائله المطروحة في ثنايا هذه المقالات القصيرة. وقبل أن نخوض في صلب الموضوع نضع مسلمات وجملة أصول لا بد أن ننطلق منها. ومن المعلوم أنّه لا يكفي مجرد الاستدلال بأي نص شرعي ليكون قولك موافقا للشريعة فالعبرة ليس بوجود الاستدلال فقط بل يجب أن يكون هذا الاستدلال صوابا وفق الأصول المنهجية والضوابط المتبعة، ومن هذه المسلّمات:

1- إنّ أصول الاستدلال المنهجي يلزم أن يكون النظر فيه شاملا لجميع النصوص والقواعد الشرعية فلا يُقتصر التعامل في بعض دون بعض أو دليل دون آخر، لكن يجب على المستدل جمع الأدلة الواردة في المسألة ما أمكن على ذلك سبيلا، لأنّه إذا فاته دليل مرتبط بالمسألة ربّما غيّر نتيجة البحث، وهذا معيب في البحوث والمقالات العلمية.

2- عدم ورود حد الردّة نصّا في القرآن الكريم لا يعني إبطاله مطلقا، لأن كثيرا من أحكام الشريعة كالصّلاة والزّكاة والصّوم والحجّ لم يرد بيان تفاصيل أحكامها في القرآن، ولذا فإن أي استشكال لعدم ورود “حدّ الردّة” في القرآن الكريم يقتضي استشكال عدم ورود تفاصيل هذه الأحكام فيه، وهذا يجرّنا في النّهاية إلى إلغاء الأصل الثاني من أصول الشريعة المتفقة عليها، وهي السنّة النبوية الشريفة.

3- حدة الردّة من الأمور التي اتفقت كلمة الفقهاء والعلماء عليها عبر القرون والأعصار، من لدن الصّحابة حتى يومنا هذا، وإنكار هذا الإجماع يعني غياب وخفاء دليل قطعي عن فقهاء الملّة بمختلف تخصصاتهم وسعة معرفتهم وإطّلاعهم، وتفوّقهم على كتّاب العصر في علومهم، فيكون الحاصل تخطئة العلماء عن بكرة أبيهم بأن ما ذهبوا إليه كان مخالفا لنص محكم قطعي الدلالة جاء في القرآن الكريم تمّ اكتشافه من قبل كتّاب العصر، وهذا لعمري استغفال واستهانة عظيمة لعلماء الأمّة، وهو أمر غير مقبول.

في إطار هذه الأصول نحاكم على الآراء والإشكالات والاعتراضات حول مسألة “حد الردّة” حسب المتاح، وسنحاول تقديم حلقات محدودة بحيث تشمل هذه الدراسة تقديم الإشكال وعرضه على شكل مقتضب، ثم تعقيبه بالنقد والتحليل في بحث المسألة بصورة تتوافق مع المصادر الشرعية المعتمدة. والذي درجت عليه في هذا المقال تأصيل المسألة على أنّها بحث فقهي وإن كان للمسألة في موضوع العقيدة ارتباط وثيق لا يمكن تجاهله؛ لأن لكلمة الردّة ذات مدلول عقدي في الشريعة الإسلامية، كما أنّها بحث فقهي تترتب عليه أحكام شرعية كثيرة.

وممّا لا ريب فيه أن أحدا لا يستطيع بلوغ المرام فيما يكتب، وانطلاقا من هذا المنطلق فإنّه لا يمكن أن تبرأ النفس من تحمّل المسؤولية كما أنّها غير مطالبة بما يفوق طاقتها. وبهذه الطريقة سنعتمد عليها ونسير على خطاها متوكلين على الله بأن يسهّل العمل ويجعل الإصابة حليفنا ويجنّبنا من الشطط والتقصير في القول والعمل. وهذه هي الحلقة الأولى للموضوع وسوف نقدّم بإذن الله تعالى تباعا الحلقات التالية في الأسابيع القادمة، ونسأل الله التوفيق والسداد أولا وأخيرا.

تعليق واحد

  1. ايضا لا تنسى تفينيد ما جاء في هذه الروابط ولكم شكر مقدما.

    http://youtu.be/m5GdzA7zVWw

    http://youtu.be/6-VTJs7M1ho

    http://youtu.be/EonUAQ3ztgM

%d مدونون معجبون بهذه: