الإنسانية المعذّبة

إذا لم يؤمن الإنسان مبدأ الحوار، ونشر القيم الإنسانية النبيلة، وحلّ الخلافات التي تطرأ على حياة الشعوب والأمم بين فينة وأخرى وتطفو على السطح بطريقة عقلانية جذرية، ولم يقدر الاحترام المتبادل وصيانة الحرمات والحقوق والكرامة الإنسانية، وفقد ميزة القبول على الآخر والتسامح، ولم يعترف أن التعددية الفكرية والعرقية والدينية والتنوع الحضاري والتراثي حتمية أزلية، ولم يخل منها عصر أو مصر منذ فجر التأريخ، فإنه يصبح حيوانا مفترسا لا إنسانا عاقلا!، ويتوغل في إراقة الدماء ونهش الأعراض، ويتلذذ في استعباد البشر وعذاب الإنسانية وبالتالي لا تساوي الحياة ـ رغم قدسيتها ـ عنده أدنى شيء.

شاهدت فيلم العدو على الأبواب (THE ENEMY AT THE GATES) الذي صدر عام 2001م للمخرج الفرنسي جون جاك آنو وبطولة جود لو واد هارس، وهو فيلم بوليودي رهيب يقدم قصة مقاومة ستالينغراد الأسطورية بطريقة شيقة ودراماتيكية، وتدور أحداثه حول المدينة الروسية التي أبت أن تسقط في أيدي النازية المهلكة والقناص السوفيتي فاسيلي زايتسيف الذي أوجع الألمان وأذاقهم الويلات، ووردت عليه روايات متعددة تجعله نجما فوق العادة في التأريخ العسكري السوفيتي، لأنه قتل قنصا أكثر من 2000 جندي ألماني أثناء حرب إستالينغراد الذي استمر الفترة ما بين 21 أغسطس 1942 إلى فبراير عام 1943م، حينما استسلم الألمان وكسرت العنجهية الهتلرية على صخر الروس، عندما أيقن الجنرال باولوس أن المقاومة الوهمية لا يمكن أن تصمد، واعترف أنه حشر نفسه إلى الزاوية الضيقة، وبعدما أبرق أكثر من مرة لهتلر العنيد يخبره صعوبة الموقف والحصار الخانق الذي ضربه السوفيت على المدينة والجيش الألماني.

يستعرض الفيلم جبروت النازية الألمانية المتغطرسة التي كانت تعبث الأرض فسادا، وتنشر الأرض جورا وقتلا وظلما، و ترى الإعدامات الجماعية عملا شجاعا وهدفا نبيلا بحد ذاته، وسحق الناس وعدم الاستسلام حتى بعد معركة المريخ التي أهلكت الحرث والنسل في المنطقة المنكوبة، وزحل الصغيرة، وعاصفة الشتاء التي قوضت قوة الألمان، وبعد سيطرة السوفيت ضفتي نهر الفولغا والشوارع المهمة للمدينة المنكوبة، وكل شيء تقريبا في المدينة المدمرة دراما بطولية للتأريخ الألماني الذي يجب أن يكتب من جديد، لكن هذه المرة بدماء الشعوب وقهر الإنسانية، وبجماجم الأمة الألمانية التعيسة التي عانت تحت حكم ديكتاتوري مجنون توغل في تعذيب الإنسانية.

ولم يكن المجتمع السوفيتي أحسن حالا من نظيره الألماني؛ حيث كان يرزح تحت سياسات ستالين التخريبية، التي كانت تواجه جنون العظمة والكولونيلية الهتلرية، وسياسيات من أطلق نفسه ألف لقب ولقب حتى تطاول على الله ومس ذات الإلهية، بمزيد من التصلب السياسي وعدم المرونة التكتيكية، وجعل الشعب السوفيتي يعاني بين فكي كماشة لا ترحم، بين استعمار الألمان واستعباد إستالين.

هتلر وأعوانه كانوا يريدون تركيع العالم عبر القوة وفوهة البندقية، وهلوسات فوهرر كانت تحتم إراقة مزيد من الدماء والدمار ودموع الثكالى والمفجوعين، وكان متعطشا أن يجعل العالم ساحة مفتوحة لنضاله الوهمي وبطولاته الكربونية المزيّفة؛ لأن الضحايا كان عنده أرقاما مجردة تضيف إلي سلسلة الأرقام التي سبقتها دون أن يشعر الرحمة ووخزة الضمير أو تقف شعره على جسده.

دائما ما كان الكون ونواميسه تقف ضد الظالم وترجح كفة المظلوم وإن طال الزمن! هنا الطبيعة ساهمت في هزيمة الألمان وانتصرت الثلوج والمناخ السوفيتي القارس لأصحاب الحق، ووقف عنفوانها وتساقط ثلوجها المتراكمة وزمهريرها إلى صاحب التربة والدار، وكان السوفيت صاحب الحق في الدفاع عن نفسه وتربته يوظف هذه الميزة الحميدة لإشباع غريزته التوسعية وطبيعته الانتقامية التي تقوده نحو الدمار و البربرية والشوفينية الإستيالينية المدمرة.

وظف المستبدان هذه الحرب وجعلوها بطولة مطلقة!، وحولا المعركة من معركة وطنية إستراتيجية بين جيشين يقبل النصر والهزيمة كما صوروها عام 42م عند بداية الحرب، إلى معركة شرف وكرامة وهيبة وتصفيات حسابية دقيقة لرجلين يتذمران من كثرة الملح في الأطعمة اللذيذة في صرح كرملين المنيف وقصر الرياضة في برلين.

عند الألمان ستالينغراد تعني صمام الأمان لمشروعهم التوسعي العالمي والمدينة التي يتعرف الناس عبرها على الألمان، وفي ثنايا قصصها المؤلمة وحكاياتها الرهيبة بعد إخضاعها وسيطرتها سيبث الرعب في قلوب الدول المجاورة، أما السوفيت الذي جمع 1.1 مليون جندي لهذه المهمة فكانت سياسته واضحة لا رجوع ولا استسلام، لأنها الخاصرة الرخوة للاتحاد السوفيتي، وتقع في جنوب جزئها الأوروبي كما تشكل الرئة التي يتنفس بها الاتحاد السوفيتي.

في قصة صمود ستالينغراد تكتيكات حربية مبهرة وحكايات عجيبة وعبرة لمن يتعظ..، اجتياح رهيب ومقاومة شرسة لم يكن الألمان يتصورونها أو يتوقع بها الفوهرر وهو ينفث دخان السيجارة على وجه صديقه الذي يسامر معه في داخل قصره المنيف!،استقبل السوفيت الألمان بأساليب حربية أدهشتهم، تكتيك الحضن وهي الاقتراب إلى العدو حتى مسافة صفر، حيث لا يستطيع طائراته قصفك ومدافعه الكبيرة حصد أرواحك، ومقاومون يخرجون من البالوعات والمستنقعات وأنقاض المدن وأطلال المصانع والمباني حتى أطلق الألمان على هذه المعركة معركة الفئران، لأنهم سئموا من السوفيت الذين يخرجون من كل طريق وأزقة حتى بعدما سقطت90% لإستالينغراد على أيدي الألمان.

جندي يقاتل ببسالة، وجندية تواجه الطائرات العملاقة بصدور عارية وسواعد بيضاء فارغة، ليس لأنه يحب وطنه أو هي تدافع عن قيمها وشرفها وكرامتها، بل لأنه ميت في كل الحالتين ولأنها مغتصبة وميتة إن رجعت إلى الثكنة،! لذا فالخيار إما أن يموت الجندي وهو مقبل غير مدبر يقتل أخاه الإنسان بدون أن يدري ما سبب الحرب!، أو أن يهرب من ساحة المعركة ويموت على أيدي الضباط وهو ذليل وصغير ولا يجد من يواسيه أو يبكي عليه أو يتحسر على قتله.

هنا لا توجد رحمة ولا شفقة، ولا يعرف المتقاتلون أساسيات النضال وأدب الحروب، وغاب الرفق وأخلاقيات الحرب، وماتت الإنسانية واختفي التسامح وقبول الآخر بين صرامة الروس وصلابتهم العسكرية والمنطقية، واجتياح الألمان ونظرتهم الدونية للجميع، نظرة فاسدة أساسها الجهل ومبدأها الاستعلاء ومنطقها التكبر، نظرية همجية تقرر أن الألمان والعرق الآري الصافي فوق الجميع وأن البشر خلقوا لخدمتهم ليس إلّا!.

طلعات جوية لطائرات الألمان، وهجمات جوية لا تنقطع تأكل الأخضر واليابس، وقصف يحرق التربة ويذيب العظام، وحروب إبادية لا هوادة فيها، وبارود تزكم الأنوف وتزهق الأرواح، ومتفجرات تبتلع الأجساد وتشوه الأجسام ، قتلى مجندلين في الساحات، أطفال وشيوخ ونساء قتلتهم القناصات المنتشرة تحت أنقاض كل بيت مهدوم وفوق الأسطح والمباني وعلى ضفة النهر، وأجساد متقطعة تطايرت وأعضاء مبتورة أو مشوّه، وأجسام ممزقة ولحم نيء متناثر.

آلاف من الجثث المتعفنة تنتشر على الطرقات ومتبعثرة في الأزقات وتحت الركام، أموات متكدسون في كل مكان! ماتوا إما بسبب القصف العنيف أو القناصة التي أصبح كل شيء هدفا لنيرانها، أو تحت وطأة الجوع، نزوح وتشريد وهجرات جماعية للبسطاء إلى المجهول.

هذا الفيلم يجسد معاناة الناس والألم الذي عانوه، والحزن والأسى والخزي الذي طبع على جبين البشرية، وشوه الطبيعة وجعل المباني التي كانت في الأمس القريبة تناطح السحاب كومات من الركام ورمادا أسودا ونافورات من الدماء التي تخرج من عيون القتل، وقصص حزينة وأسطورة مخيفة ووطن مرعب ومليء بالخوف والرصاص التي تلعلع في الأفق.

وينتهي الفيلم بطريقة دراماتيكية مؤلمة توضح عاقبة الظلم، طوابير من المستسلمين الألمان الذين أنهكتهم الحروب وأضعفتهم المجاعة وجعلتهم هياكل بشرية تسير على الأرض، بكاء مرير وتذمر واضح لبعض الجنود وأحبة افترقوا إلى الأبد، وبيوت مهدمة، ومدن أصبحت رمادا وقرى مسحت الحرب على ظهر البسيطة واختفت عن الكون والخريطة الأرضية بعدما أصبحت ساحة لمعركة مفتوحة وحلبة صراع مكشوفة.

إستالنينغراد وحكاياتها التراجيدية تتحدث عن غباوة الناس وشقاوته عندما يتيه في وسط غمراته الجنونية ونوباته الحادة من الجشع والأطماع، وتعني أيضا قصة صمود أسطورية لمدينة كانت عامرة بالسكان وناعسة على حضن الجمال والسهوب الأوروبية الخلابة، أحرقتها السياسة وجعلتها الحرب نقطة سوداء ساخنة وثغر لا يهدأ، وبقعة لا يسمع فيها سوى أزيز الطائرات وصرخات المفجوعين ودوي الانفجارات والعبرات الساخنة للدموع الشجية.

إنها إنسانية معذّبة في أبهى صورها!، إنسانية معذّبة بفعل غطرستها وجبروتها وسعيها الدائم لإخضاع الآخر وتغييبه، ونحو سيطرة العالم وتذويب ثقافة الآخر ونهب خيراته وتغيير هويته.

%d مدونون معجبون بهذه: