مدخل لفهم ” الشباب” الصومالية (1)

مقتل أحمد عبدي محمود (غوداني) الزعيم الفذ لحركة الشباب المجاهدين بغارة أمريكية في ليلة الثلاثاء 7 ذي القعدة 1435هـ الموافق للأول من سبتمبر الجاري أعاد الحركة مرة أخرى إلى واجهة الأحداث بعد أن ظلت اسما لامعا في سماء الإعلام العالمي والصومالي على حد سواء لمدة ثماني سنوات متتالية، شغلت العالم ومجتمعات القرن الإفريقي بشكل أخص، فقلما تخلو نشرة إخبارية عن رعب صنعته أو وعيد جلبته على لسان القادة المحليين أو الدوليين . يدل على أهمية الحركة في الأحداث الدولية أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما وقف في مؤتمر الناتو المنعقد في ويلز البريطانية 05/09/2014م ليشيد بالانتصار الأمريكي على حركة الشباب ومقتل قائدها واصفا ذلك نصرا مهما لأجل أمريكا وشركائها في العالم.

 وأيضا فقد نجحت قيادات الحركة في الداخل وحلفاؤها من العالم في تأليف قوة كبيرة شديدة الفاعلية أخضعت لسيطرتها نصف جمهورية الصومال ، ولولا الجهود الإقليمية والدولية لوضع حد لانتشارها ، وتقليم أظافرها لما صمد الباقي في الوقوف في وجهها. وبهذا تكون قد بوأت نفسها مكانة رفيعة في دائرة الاهتمام بعد أن نجحت ممارساتها الشرسة في التأثير على صناعة الأولويات ليس في منطقة القرن الإفريقي فحسب بل في دوائر صنع القرار الدولية.

 فضل الشباب والقرصنة

منذ عام 1993م أصبح الصومال مرميا في سلة الإهمال خارج دائرة الأولويات الأمريكية والأوربية والقوى الفاعلة في العالم، ولم تتجه الإرادة الدولية نحو إقامة حكومة فاعلة في بلد أصبح نهب الفوضى وساحة صراع بين أمراء حرب متشاكسين، بل تركت رهينة لقرارات دول الجوار التي احتكرت الملف، حتى جاء عام 2006م إبان نشوء ظاهرة (المحاكم الإسلامية) ثم ظهور ” الشباب المجاهدين ” من عباءتها فجأة.

 صعود التيار الجهادي المتمثل الذي يتبنى أطروحة الجهاد العابر للقارات ، والمتحفز لإلحاق أضرار جسيمة للمصالح الأمريكية والأوربية في القرن الإفريقي والشرق الأوسط مثَّل وسيلة ضغط مهمة لسحب الملف الصومالي من احتكار الجار الذي تعامل مع خصمه المنهك بمنطق العداء المحض ، فمن هذه الزاوية يمكن اعتبار الشباب المجاهدين-ومثلها القرصنة- عاملا مهما في لفت الاهتمام الدولي نحو مقاربات أكثر فاعلية لحل الأزمة . ذلك أن الخصم الجديد يحارب أمريكا وحلفائها الغربيين في الصميم دون الانطلاق من رؤية محلية أو يسعى لعلاج هموم بلد معين وإن كانت البيئة المحلية هي التي أفرزته إلا أنه عازم لتحويل القرن الإفريقي إلى واحدة من بؤر عديدة في عالمنا تخصصت لتصدير القلق الدولي وتهديد مصالح الهيمنة الغربية.

من جهة أخرى فإن الآراء قد اجتمعت لشيطنة الحركة وإطلاق الوعيد والتهديد لاستئصالها إلا أننا لا نكون مغالين وبعيدين عن الصواب إذا قلنا إن الكثير من أصحاب الأجندات الخاصة في القرن الإفريقي تغمرهم سعادة خفية لوجود لاعب مثل الحركة كذريعة قائمة تكفي لتمرير أجندات كثيرة خاطئة يصعب تحقيقها في ظل الأحوال العادية..وهذا يعني أن الحركة من جانب آخر تؤدي دور الشخصية المشاغبة في المسرح السياسي ولولاها لفقدت المسرحية تأثيرها وجاذبيتها حين تكون عديمة الإثارة.

عوامل الظهور

 نتساءل ما إذا كان ظهور الحركة أمرا عاديا يمكن فهمه استنادا إلى القوانين الاجتماعية الحاكمة لظهور التغيرات في البنية العضوية للمجتمعات أم أنه كان استنباتا قسريا في البيئة الصومالية بتعبير آخر هل كان ظهورها استجابة لعوامل دينية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ساعدت على تهيئة المناخ الفكري لبروزها. أم أنها نبتة شيطانية هبطت من فضاء آخر وسقطت على الأرض الصومالية وتمكنت من العربدة وبث الرعب زمنا يسيرا وستزول سريعا؟ في حقيقة الأمر إن الإجابة على هذا السؤال يمثل شفرة الحل للمقاربة لفهم طبيعة تلك الحركة، كما يمهد لتعامل حكيم معها وعلاجها والتغلب على الإفرازات التي نجمت عنها.

هذا السؤال ليس بسيطا؛ لأنه يحل تساؤلا منطقيا يمكن صياغة مرة أخرى كالتالي: ما هو الجانب المشرق والجذَّاب في حركة الشباب وأخواتها؟ ولماذا تنجح في تجنيد الآلاف في الداخل وإقناع المئات من شباب صوماليي المهجر ومن غير الصوماليين بصلاحية مشروعها ” الجهادي” و” التحريري” ومن ثم تغريهم بالالتحاق في صفوفها ؟ وهذا يعني أننا إذا حصرنا تفكيرنا في زاوية الحكم بالخطأ وتوبيخ المرتكب وشيطنته وترديد أحكام جاهزة مسبقا ؛ فلن نكون قد بذلنا أي جهد في فهم الظاهرة أولا ثم التعاطي معها وعلاجها بوضع حد لغلوائها أو استئصال شأفتها.

 إننا بطرح تلك التساؤلات الجدية يكون عملنا شبيها بعمل أرباب القانون الذين يستعينون بمختلف أصناف العلوم لفهم ظواهر الإجرام لدى الجناة الخطرين الذين تعج بهم السجون فكما يتم تأديبهم وسجنهم تبذل الجهود جنبا إلى جنبا لإجراء أبحاث نفسية واجتماعية واقتصادية لفهم العوامل المؤدية إلى ارتكاب الجريمة لاستحداث طرق جديدة وقائية أولا ثم علاجية ثانيا.

إن التفسير الأحادي يبقى معيبا وقاصرا في تفسير الظواهر الاجتماعية في الغالب مثل إرجاع تلك الظواهر إلى أسباب اقتصادية كالحرمان من الحقوق وانتشار الفقر في أوساط الشباب وفي بعض البيئات، كما دأب كثير من الباحثين في الغرب تفسير ظهور الحركات الإسلامية والمسلحة منها إلى عوامل تتعلق بالحرمان والفقر استنادا ربما إلى دراسات سابقة أجريت في مجتمعات السود في أمريكا أو في أمريكا اللاتينية، ولكن هذه التعميمات أبطلتها حقائق صارخة تمثلت بخروج أكثر قيادات تنظيم القاعدة، ومنهم المتهمون بتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م من عائلات مرموقة اجتماعيا ومتمكنة اقتصاديا مثل ابن لادن المليونير والطبيب المتألق الظواهري، ومحمد عاطف ابن رجل الأعمال الشهير، وغيرهم الكثير.

وفي يلي سنطبق النظرية التكاملية في توظيف العوامل المتعددة لتودي إلى حدوث تغيرات اجتماعية وسياسية كبروز حركة دينية تتبنى العنف أو سلوكا جمعيا غريبا في أوساط المجتمع.

وللحديث بقية

تعليق واحد

  1. شكرا يااستاذ تحليل عقلاني يستحق الإشاذة

%d مدونون معجبون بهذه: