في حاجتنا إلى علمانية من نوع آخر

سبق أن ذكرنا أن علمانية فصل الدين عن الدولة تعني فصل سلطان الدين عن سلطان الدولة وذلك باعتبار أن الدين يمثل “شأنا خاصا” ومبدأ فصل الخاص عن العام مبدأ محترم بذاته والسبب أن الخاص خاص لأنه ليس عاما (خاصي خاص بي وخاصك خاص بك) بينما العام عام لأنه ليس خاصا أي أنه فضاء يتسع للكل، وإقحام الخاص على العام يعني تقليص العام إلى الخاص وهذا يؤدي إلى التنافر.

علمانية فصل العرق عن الدولة على غرار علمانية فصل الدين عن الدولة!

قلنا إنه لا حاجة للعلمانية (فصل الدين عن الدولة) في إطار التجانس الديني؛ لأنه متى توحد الناس على دين معين أصبح هذا الدين دين الكل وليس دين البعض، وهنا يجب أن تبرر العلمانية موقفها (فصل الدين عن الدولة) بمبرر آخر غير مبرر (فصل الخاص عن العام)

هذا عن الدين ولكن ماذا عن العرق؟ هناك أزمة مترسخة في الدول المتعددة عرقيا، وهي أزمة التناقض الكامن في طريقة إدارة هذا التعدد فوفقا للأدبيات التقليدية السائدة في طريقة إدارة التعدد العرقي أو الإثني يتم الاعتراف بالتعدد العرقي ليس على المستوى الخاص فحسب وإنما حتى على المستوى العام وبموجب هذا الاعتراف يفرض التعدد العرقي سلطانه على الشأن العام، وقد سبق أن فصلنا القول أنه يجب ألا يتعدد العام؛ لأنه بذلك يخرج عن العام إلى الخاص واعتراف سلطان التعدد “الخاص” على العام يعني تقليص العام إلى الخاص، وهذا يؤدي إلى التنافر، وهنا يكمن منطق التناقض (نريد أن ندير التنوع بطريقة تؤدي إلى التنافر!).

 وقد فشلت أغلب الطرق التقليدية التي تأسست على هذا المنحنى في المجتمعات التي لم تترسخ فيها الفردية والعقلنة بشكل أمثل (أنظر أزمة الفدرالية في الصومال، وأزمة الديمقراطية التوافقية في العراق ولبنان) مما أدى إلى أن يتمسك البعض في أنه لا حل لدول العالم الثالث التي تعيش في ظل التعدد إلا بالدكتاتورية الناعمة وذلك بعدما فشلت الطرق التقليدية في تلك الدول.

ما الحل إذا؟

الحل في رأيي يتمثل في فصل العرق المتعدد والمتنوع عن العام الواحد والمتجانس، وفصل العرق عن الدولة يعني فصل سلطان العرق عن سلطان الدولة مما يعني تناول السياسة (طريقة إدارة الشأن العام) بعيدا عن متاهات العرق.

فصل العرق عن السياسة كيف يتم؟

يتم فصل العرق عن السياسة عندما يتم تجريد المطالب العرقية عن السياسة أي عندما تكون السياسة قائمة لتلبية مطالب أخرى غير مطالب العرق، ومعلوم أن الدولة تستمد شرعيتها من وظيفتها، فعندما تصبح وظيفة الدولة متجاوزة للعرق تصبح الشرعية السياسية متجاوزة بدورها للقاعدة العرقية، وإلى هنا نقول إننا نصل إلى قمة العلمانية العرقية عندما يتم فصل الشرعية السياسية عن القاعدة العرقية، وعندما يتم فصل الوظائف السياسية عن المطالب العرقية أي عندما تلبي هذه الوظائف مطالب أخرى غير مطالب العرق، وحين يتم تقييد العرق بهذه الطريقة يصبح العرق شأنا خاصا بحتا لا أثر له على الشأن العام ولا تكتفي هذه العلمانية بتقييد العرق “الخاص” فحسب بل تسمح للدولة “العام” التدخل في شؤون العرق “الخاص” إذا دعت الضرورة لذلك ، وهذا هو أهم ما في هذه العلمانية أي “قدرتها الفائقة في إخضاع سلطان العرق لسلطان الدولة بدل إخضاع الدولة لسلطان العرق” وفي رأيي لا يمكن أن تتم هذه العلمانية إلا بالعودة للمطالب الفردية المتجاوزة للمطالب العرقية والتي سبق أن فصلنا القول فيها في مقال “النخب ما بين صناعة التقدم وصناعة التخلف”.

%d مدونون معجبون بهذه: