وهل سينهض المسلمون بالتقوى؟!

فرغت من استماع محاضرة لأحد الإخوة العلمانيين يتحدث فيها عن مظاهر الخلل الفكري السائد لدى المسلمين، وقد ذكر من بين تلكم المظاهر مظهر سيادة التفكير الخرافي الذي يناقض التفكير العلمي حسب وصفه، وذكر أن من بين تجليات هذا المظهر الاعتقاد بأن المشاكل البشرية المتنوعة تحل بالاستغفار أو بالتوبة أو بالتقوى أو بالرجوع إلى الله! وهذا اعتقاد ينافي ويناقض العلم حسب وصفه؛ لأن العلم يعتقد أن المشاكل البشرية تحل بالطرق العلمية وليس بالطرق الميتافيزيقية التي لا تخضع للشروط العلمية.

 توجهت بعد الاستماع لهذه المحاضرة إلى الاستماع لخطبة أخرى للأخ أبو بكر البغدادي ـ الملقب زورا بأمير المؤمنين ـ تحدث الرجل في خطبته هذه أنه يجب على المسلمين أن يتقوا ربهم وذلك إن أرادوا بسطة في الأمن والرزق والكرامة.

هل تلاحظ أخي القارئ تناقضا جليا بين ما ذهب إليه الرجلان؟، هل يمكن أن نخرج من هذا التناقض دون أن نؤيد بالضرورة أحد هذين المذهبين؟.

قيل قديما الفضيلة وسط بين رذيلتين، نعم إنها في حالتنا هذه وسط بين موقفين، بين موقف يحصر الدين في الغيبيات ويرى أنه لا علاقة للدين في غير تلك الأمور، وأنه لا دور لهذه الأمور في حياتنا اليومية، وبين موقف يحصر الدين في طقوس معينة، ويرى أن الحل كل الحل يتمثل فقط في ممارسة هذه الطقوس.

سأل أحد الإخوة الأساتذة طلابه “لو أنكم دخلتم امتحانا وصعُب عليكم هذا الامتحان ثم دعوتم الله تعالى بأن يفتح لكم مخرجا من هذا المأزق واستجاب الله لدعوتكم هذه بأي طريقة كنتم تفتكرون أن يأتي المخرج؟”

ذكروا عدة طرق ليس من بينها طرقا إعجازية ذكروا مثلا أن يفتح الله عليهم الذاكرة بحيث يستعيدون كل ذاكرتهم المنسية عن المادة المعينة، سألهم ولماذا لا تفتكرون أن ينزل الله عليكم من السماء أوراقا سرية تحتوي الحلول لكل الأسئلة المطروحة في الامتحان؟ قالوا لا نفكر بذلك؛ لأننا لا نفتكر أن تأتي الاستجابة بطريقة إعجازية تخرق القوانين والسنن الكونية وذلك دونما مدعاة لذلك.

لعل ما ذكره هؤلاء الطلاب يلخص لنا المسألة بعمق، إن قوانين الله وسننه الكونية تأتي في إطار خطة الله الكونية، والتصرف وفقا لما تقتضيه هذه القوانين يعتبر تلمسا لخطة الله الكونية، وهذا بدوره يمثل تجليا من تجليات تقوى الله سبحانه، فمن أراد أن يتلمس خطة الله الكونية في بسط الرزق مثلا فعليه أن يتقي الله تعالى وتقوى الله هنا تعني التصرف وفق ما تقتضيه قوانين الله الكونية المؤدية للرخاء الاقتصادي.

ماذا نريد أن نقول؟

إننا نعيش في كون تحكمه النواميس والقوانين، ومن أراد أن يصنع حياة ناجحة في هذا الكون عليه أن يتصرف وفقا لما تقضيه هذه القوانين، ولا يمكن ذلك إلا بالعلم.

نريد أن نقول نعم سينهض المسلمون بتقوى الله ولكن وفق المفهوم الذي شرحناه هنا، سينهض المسلمون بالتقوى حين يأخذون بالعلم والعمل، سينهض المسلمون بالتقوى إذا اتجهوا للمختبرات والمعامل، وحين يبنون المفاعل والمصانع، سينهض المسلمون بالتقوى حين يدركون بعمق أن لكل ميدان من ميادين الحياة نوع خاص من أنواع التقوى، إن الخشوع في الصلاة مثلا يمثل مظهرا من مظاهر التقوى، والخشوع في الصلاة قد يجلب لك نقاء في الضمير وزيادة في الأجر ولكنه لن يجلب لك الرزق؛ لأن للرزق تقوى من نوع آخر مختلف، إن كنت تريد الرزق فعليك أن تتقي الله بالعمل في المتجر وبالإنتاج في المصنع.

هناك من المسلمين من يعتقد أن الحل كل الحل يتمثل فقط في ممارسة الشعائر التعبدية، يفتكر هؤلاء أن المسلمين سينجحون في السياسة وفي الاقتصاد وفي الإدارة وفي الصناعة وفي كل ميدان من ميادين الحياة حين يلتزمون بأداء الشعائر التعبدية، حين تمتلئ المساجد بالمصلين وحين تعج الطرقات بالمحجبين، إن هذا لن يكون ولن يحدث أبدا، ربما قد حدث مثل هذا في السابق في تاريخ الأمم البادية، أما الآن فلا، قد تخرق القوانين الكونية لولي من أولياء الله لسبب يعلمه الله، ولكني لا أرجح أنه يمكن أن يحدث مثل هذا على المستوى الاجتماعي الآن.

التفكير وفق هذه الطريقة هو ما يبرر اعتياد المسلمين لظاهرة تناول أزمات المسلمين بالمنطق الوعظي في المنابر الوعظية المحضة التي تقع في أيدي الشيوخ المعممين، ستصاب بالدهشة حين تعرف أنه يجوز في الوسط الإسلامي أن يتناول الشيخ المعمم كل أزمات المسلمين بالتحليل والتفسير بل يتجاوز بذلك إلى طرح الحلول ووصف الدواء الناجح الذي ينحصر طبعا بالتمسك بالكتاب والسنة وفق فهم الشيخ الذي ينحصر بدوره الالتزام فقط بالشعائر التعبدية كوصفة ناجحة لكل مصائب المسلمين، وما أدراه هذا المسكين أن من مقتضيات التمسك بالكتاب والسنة أن يترك المجالات التي لا ناقة له فيها ولا جمل لأصحابها المختصين يبحثون عن قوانينها الخاصة في المعامل والمختبرات المختصة لتلكم المجالات؟.

من يريد النجاح في أي ميدان من ميادين الحياة عليه أن يبحث جيدا في السنن والقوانين الجارية في هذا الميدان، ثم أن يعمل وفقا لما تقتضيه هذه القوانين، كل ذلك وهو يعلم أن تصرفه هذا يتفق مع منطق الدين.

2 تعليقان

  1. ليس هناك تعارض بين المستويين المذكورين، الذي تفضل بهما الكاتب، وهو أمر مطروح في النصوص الشرعية باستفاضة، في القرآن والسنة والسيرة النبوية وتاريخ الأمة، النصر والنهوض مرهونان بتضافر عاملين الأخذ بالأسباب المادية التي منها المعامل وإعداد العدة في الطب والفيزياء والتكنولوجيا وغيرها من المجالات، والأخذ بالأسباب المعنوية التي هي التقوى وإرضاء الله تعالى والتعلق به وإتيان أوامره واجتناب نواهية، وهذه سنة المرسلين عليهم السلام،منذ نوح عليه السلام الذي أمره الله بصناعة سفينة النجاة، وموسى عليه السلام أمره ربه أن يضرب البحر بعصاه، وهل تشق العصى البحر؟! ولكنها الأسباب, فإذا بالبحر فرقتين كل فرق كالطود العظيم ولو شاء الله أن يجعله كذلك من غير ضرب بالعصا لفعل ولكنه يُعلِّم أنبياءه وعباده الصالحين الأخذ بالأسباب، وكذا ضربه الحجر بالعصا لينفجر منه اثنتا عشرة عينا كل هذا لتأخذ الأسباب نصيبها من حياة الإنسان.
    ومريم عليها السلام أمرت وهي فى المخاض- أن تهز النخلة لتسقط عليها رطبًا جنيًا، ومعلوم أن المرأة أضعف ما تكون قوة في هذه الحال، ومع هذا أيضًا لو هز النخلة عشرة رجال من جذعها لما تساقطت ثمرة واحدة ولكنها الأسباب.
    قال أحد الشعراء:
    ألم تر أن الله أوحى لمريم *** وهزى إليك الجذع تسَّاقط الرطب
    ولو شاء أن تجنيه من غير هزها *** جنته ولكن كل شيء له سبب
    ومحمد عليه الصلاة والسلام تعلمنا من سيرته العملية الأخذ بالأسباب بدءا من أيامه في مكة ثم هجرته الشاقة التي قضى فيها ثماني ليال وأيامهن، لماذا لم يسخر له الريح تحمله أو البراق؟! وقد كان أحوج ما يكون إليها! جاهد الكفار والمشركين وحفر الخندق حول المدينة، وغزا ومشى على الأقدام الليالي والأيام، وأعد الرجال.
    ثم سنته تقول لنا :” لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة وإن الله يقول {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة10].
    والكلام طويل، والأمثلة كثيرة في القرآن والسنة والسيرة والتاريخ، ولا تعارض بين ذلك أخذ بالأسباب وإعداد علمي وتقني ، ولكن قبل ذلك وبعده ومعه تقوى الله والتوكل عليه.
    الإشكالية ياسيدي عبد الله أنك لم تذهب لقراءة ذلك التراث العظيم، ولكنك اختصرت المسألة بمحاضر علماني استمعت إليه ورجل من غلاة الخوارج استشهدت بقوله، ولم تلتفت لاستدعاء شاهد من التاريخ والسيرة والسنن الكونية المبثوثة في ثنايا الآيات القرآنية والقصص القرآني والحديث والتاريخ الإسلامي.
    المسألة ليس فيها مشلكة ولكن قد يكون الإشكال في عدم قراءتك لهذا التراث الحضاري الفكري العقدي المتين، الذي سيغنيك عن مشائخك من العلمانيين! وسيجيبك لك عن مثل تلك الأسئلة التي تحيرك! كما يظهر من ثنايا كتاباتك.
    مع خالص شكري.

  2. نعم سننهض با لتقوى الم يقل الله جل شانه (ومن يتق الله يجعل له مخرجا)(ومن يتق الله يتق الله يجعل له من امره يسرا) (واتقو الله ويعلكم الله )(والله ولي المتقين)…الا ينهض من ولاه سبحانه وتعالي ؟الم يعدنالله العلم اذاتقينا منه ؟.ستنهض الامة بالتقوي ثم التوكل علي الله ثم الاخذ بالاسباب .. اما ما يروجونه اصحاب المشروع العلماني فقد فشل في عقر داره وفشل المستنسخون ايضا لا تنهض هذه الامة الا باﻻسلام ….

%d مدونون معجبون بهذه: