عقلية الانقسام

سئل أحد الأثرياء “ما رأيك لو وزعت كل الثروات الموجودة على ظهر الأرض بالتساوي على كل البشر؟” أجاب ضاحكا “مقترح جميل ولكن لتعرفوا أن كل تلكم الثروات وبعد أن توزوعوها بالتساوي على كل البشر ستعود وفي وقت وجيز إلى ملاكها الأصليين وسيعود غني الأمس غني اليوم وفقير الأمس فقير اليوم؟” قيل “وما السر في ذلك؟” قال “الغني غني؛ لأنه يمتلك عقلية الغنى والفقير فقير؛ لأنه يمتلك عقلية الفقر، ثم لتعلموا أن عقلية الغنى تنتج الغنى باستمرار وكذا عقلية الفقر تنتج الفقر باستمرار”.

على ضوء هذا الدرس نؤكد أن للانقسام عقلية تنتج الانقسام باستمرار، إنها عقلية بارعة في تفكيك المفكك، وتفتيت المفتت، وتقسيم المنقسم.

إنها العقلية التي تسود المجتمعات في فترات الضمور الفكري وغياب المفكرين، وهي عقلية بارعة في استثمار الظروف والأوضاع الاجتماعية لصالحها وذلك عندما يغيب النابهون فهي تستطيع مثلا ـ حين تخلو لها الأجواء طبعا ـ أن تخلق للجماهير ـ المقلدة بطبعها ـ ملايين الأسباب وآلاف الظروف التي تظهر الانقسام وكأنه فرض لازب وآني، وعندما تستجيب لها الجماهير وينقسم البلد الواحد إلى عدة دويلات صغيرة تبرز نفس تلك الظروف ونفس تلك الأسباب إلى العلن مرة أخرى وذلك في داخل الدويلة الواحدة؛ لأن عقلية الانقسام لا تزال سائدة، ولكي يتغلب الانقساميون على عقليتهم الضعيفة تلك وعلى هذا المأزق المستمر يفتعلون الصراعات الوهمية بين تلك الدويلات المجاورة لبعضها وذلك حتى ينطفئ شره الانقسام في داخل نفوسهم؛ لأن في الصراع ما يلهيهم عن هذا الشأن، كل ذلك والجماهير ـ المغلوبة على أمرها ـ تصفق لكل تلكم المشاريع الدنية والسخيفة والتي لا ينتج منها سوى دوامات الكراهية والعنف واللااستقرار.

قدّر للإمام ابن حزم أن يعيش فترة من الفترات التي سادت فيها عقلية الانقسام تلك في بعض البلاد الإسلامية، وخاصة في بلد الأندلس، فقد نجحت تلك العقلية في أن تفكك هذا البلد الموحد إلى أكثر من عشرين دويلة، وقد كان الصراع بين تلك الدويلات محتدما ولا ينتهي إلى حد وذلك في نفس الوقت الذي كانوا يتسابقون فيه إلى دفع الجزية لملك النصارى المجاور، وقد لخص ابن حزم ذلكم المشهد بقوله “فضيحة لم يقع في الدهر مثلها، أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام يسمى كل واحد منهم بأمير المؤمنين، ويخطب لهم في زمن واحد، أحدهم في إشبيلية والثاني بالجزيرة والثالث بمالطة والرابع بسبته”.

ان التاريخ يشهد أنه وفي فترات التنوير العقلي تختفي العقلية الانقسامية ويسود الانسجام والوئام والإندماج بين الناس بعكس فترات الضمور العقلي؛ حيث التمزق والتفكك والانقسام وذلك يعني أن للانقسام عقول وأفهام قبل أن تكون له ظروف وأوضاع.

لقد علت الأصوات المطالبة بالانقسام في الصومال الآن، وهي أصوات تحاول جاهدا أن تقنع العقلاء في البلد أن في الظروف والأوضاع ما يبرر ظهورها ولكن أنّى لهم ذلك؟!، يا قوم عقولكم الانقسامية المسمومة هي التي وطئت ومهدت لتلكم الظروف والأوضاع ولولاها لما كانت ولما ظهرت مثل هذه الظروف، تخلصوا من تلكم العقول المسمومة ولسوف تختفي كل تلكم الظروف تلقائيا، وإذا كنتم لا تفعلون ذلك فافعلوا ما شئتم الآن فغدا يجمع العقل ما فرقتم ولا عزاء لقومي الآن.

%d مدونون معجبون بهذه: