في تأسيس الوعي الحضاري

منذ أمد ليس بالقريب تعاني المجتمعات الإسلامية من مشاكل جمة متنوعة، ومنذ ذلك الحين يطرح الغيورون من أبناء الأمة الحلول تلو الحلول، والملفت للنظر هو أنه ومع كثرة طرح تلك الحلول إلا أن المشاكل لم تزل تتفاقم، وهذه مفارقة تحتاج إلى تأمل.

أين الخلل؟

يرى فيلسوف التاريخ الإنجليزي أرنولد توينبي أن الحضارات تقوم وفقا لقانون التحدي والاستجابة، ويرى هذا القانون أن المجتمعات البشرية تواجه في مسيرتها التاريخية تحديات متنوعة ومختلفة، وفي سبيل مواجهة تلك التحديات تبدع بعض المجتمعات وسائل متنوعة ومختلفة يطلق عليها توينبي مصطلح الاستجابات، ويرى أن من بين عدة استجابات متنوعة يبدعها المجتمع في سبيل مواجهة تحد واحد توجد استجابة واحدة ناجحة تقضي على التحدي القائم، وغالبا ما يتوصل المجتمع لهذه الاستجابة بعد فشل عدة استجابات أخرى، يطلق توينبي مصطلح الوسيلة الذهبية على تلك الاستجابة، ويرى أنه وبعد أن تقضي تلك الوسيلة على التحدي القائم يظهر تحد آخر من نوع آخر يحتاج بدوره إلى وسيلة ذهبية أخرى والتي بدورها لن تظهر إلا بعد فشل وتكرار وسائل أخرى متنوعة، وهكذا دواليك من تحد إلى تحد.

 توينبي يرى أن الحضارات تقوم وفقا لهذا الجدل والتناقض التاريخي، وهو ما يسميه قانون التحدي والاستجابة.

بعد التأمل في هذا القانون ندرك أنه يجب علينا أن لا نجمد عند محاولة أو وسيلة واحدة بعينها مادام أن هذه الوسيلة لم تنجح في القضاء على التحدي القائم.

في رأيي الخلل هنا يكمن في هذه النقطة بالتحديد “عدم التجاوز”، فنحن نجمد على استجابات بعينها من بين عدة استجابات مطروحة في الساحة، ولكي تتأكد من صدقية هذا الرأي ما عليك سوى أن تلاحظ المؤسسات المترهلة الموجودة من حولك، والتي يتعصب لها الناس، مؤسسات أثخنها الزمن بالجراح ولكنها ما زالت تقاوم؛ لأن هناك من لا يزال يتشبث عليها وكأنها الوسيلة الذهبية الوحيدة التي لا بديل ولا محيص عنها.

انطلاقا من هذا التقرير نرى أن من بين المبادرات المطروحة في الساحة والتي قد تمثل الاستجابة المحتملة للتحدي القائم مبادرة الشروع في تأسيس وعي حضاري متجاوز، وهي المبادرة التي تتأسس على الفرضيات التالية:-

أولا: التحدي الأكبر القائم أمام المجتمعات الإسلامية يتمثل في التأخر عن الركب الحضاري العالمي.

ثانيا: وفقا للمبدأ القائل “الاستيعاب شرط للتجاوز” فإن استيعاب شروط وأركان الحضارات المنافسة يمثل الحل المحتمل للتحدي القائم المتمثل في تجاوز تلك الحضارات.

ثالثا: يشترط في التحول الحضاري المطلوب وجود نسبة حرجة لا تقل عن 2% من الشباب الواعي حضاريا.

رابعا: من بين سبع وعشرين حضارة مرت على العالم توجد إلى الآن خمس حضارات لا تزال قائمة، مع العلم بأن حضارة واحدة من بين تلك الحضارات هي المسيطرة على العالم وهي الحضارة الغربية.

خامسا: الوعي الحضاري المطلوب هو الوعي المستوعب لمضامين ومقتضيات الأركان الخمسة الرئيسية للحضارات الخمسة السائدة، وتتمثل هذه الأركان في (الدين والأخلاق والقيم، الفلسفة والفكر، العلوم والمعارف، النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية والقانونية، الفنون والآداب).

ترى المبادرة أنه وبعد أن يتم التأسيس لكتلة حرجة من الشباب الواعي حضاريا في منطقة العالم الإسلامي فان إرهاصات التحول الحضاري تظهر في صورة تحولات رئيسية تحدث كالتالي:

“تحول نوعي يطرأ على عالم الأفكار السائد في العالم الإسلامي، وهو تحول يؤسس للأفكار الحية والفاعلة ويتجاوز الميتة والمميتة، يعقبه تحول نوعي في عالم العلاقات يؤسس لعالم علاقات يقوم على قاعدة الأمة الواسعة ويتجاوز عالم العلاقات القائم على الأطر الضيقة، يعقبه تحول نوعي في عالم المشاريع يتجاوز المشاريع الساعية للتمكن والسيطرة على المجتمع إلى المشاريع الساعية لتمكين وتقوية المجتمع”.

تلك هي المبادرة إذا، وهي مبادرة أطلقها بعض المفكرين وتشبث عليها بعض الشباب ورغم أنها لم تر النور بعد؛ إلا أن آمال الكثيرين في العالم العربي والإسلامي لا تزال تنعقد عليها وذلك إلى أن يقول التاريخ كلمته الفاصلة قريبا أو بعد حين.

%d مدونون معجبون بهذه: