نبذة من حياة السَّفير الصومالي الراحل عبد السلام معلم آدم أوعلي!

 توفي مساء يوم السبت 6 شوال 1435، الموافق 2 أغسطس 2014، السفير عبد السلام معلم آدم أوعلي سفير الصُّومال في اليمن سابقًا، في مدينة روما الإيطالية عن عمر ناهز بضعًا وسبعين عاما.

 وقد كان المرحوم من الشخصيات السياسية النادرة في الصومال، حيث جمع بين السياسة والدبلوماسية والثقافة والتاريخ، إلى جانب الفقه والعلوم الشرعية والعربية التي لم يزل على ارتباط وثيق بها على طول حياته السياسية التي قضى فيها قرابة خمسين عاما.

وبعد أن وردني نبأ وفاته المفجع، حاولت أن أجمع ما تبقى في ذاكرتي من قصة حياته وتجاربه السياسية والعلمية التي كان يسردها عليّ عند زيارتي له في منزله في حي “حَدّة” في العاصمة اليمنية صنعاء. والحقيقية أنني عاتبت نفسي على عدم تسجيل التاريخ والتجارب والذكريات التاريخية والسياسية التي كان يحملها المرحوم من أيام طلب العلم الشرعي والحالة العلمية والثقافية في الصومال آنذاك، ثم حقبة الحكومات المدنية، والحكومة العسكرية، وما أعقبها من الدمار. ولا شك أنها لو سجلت لشكلت إضافة نوعية إلى التاريخ السياسي والثقافي للصومال.

الميلاد والنشأة

 ولد المرحوم عبد السلام معلم آدم أوعلي في بوادي مدينة لوق في محافظة جدو لأب وأم من قبيلة مريحان فرع الدارود قرابة عام 1942م حسب ما ورد في جواز سفره، وأفادني نجل المرحوم محمد عبد السلام معلم آدم أن والده كان يرجح أن ولادته كانت في عام 1939م. وبهذا يكون قد وافته المنية عن عمر ناهز بضعا وسبعينا عاما.

 ترعرع المرحوم في بوادي إقليم جدو، والتحق بالدكسي القرآني مبكرا كما هي عادة الشعب الصومالي، وحفظ القرآن الكريم على يد والده معلم آدم أوعلي أحد مشاهير معلمي القرآن الكريم في تلك المناطق. وقد كان المرحوم يحدثنا عن ذكريات الدكسي القرآني، وكيف كان والده يهتم بتعليم أبنائه، على غير عادة البدو الرحل الذين يقدِّمون رعي المواشي وتربيتها على التعليم والذهاب إلى خلاوي القرآن وحلقات العلم.

لقد تنبأ ” معلم آدم أوعلي” والد المرحوم بالنبوغ العلمي والقيادي الذي يبدو على ولده عبد السلام، فاهتم به بشكل خاص، من بين إخوانه الذين يكبرونه، وهو ما جعله يبعث الفتى عبد السلام في ريعان شبابه لطلب العلم الشرعي في أوكاره.

الرحلة إلى طلب العلم

 بعد الفراغ من حفظ القرآن الكريم اتجه المرحوم إلى طلب العلم الشرعي، وبدأ رحلته من منازل قبائل “رحنوين” الصومالية التي اشتهرت بحفظ القرآن الكريم، فدرس القرآن وعلومه على أيدي معلميه من قبائل رحنوين، وتفرغ لمراجعة القرآن وإتقانه، والتزوّد من علومه، إلى جانب دراسة الفقه الشافعي وعلوم العربية.

 وبعد أن نهل من علوم الشريعة والعربية وأتقن القرآن الكريم برواية الدوري عن أبي عمرو، وأخذ أساسيات الفقه الشافعي والنحو والصرف، ارتحل من منازل قبائل رحنوين التي وجد فيها ترجيبا وحفاوة لم تزل تلازم ذاكرته طيلة أيامه؛ ليطلب العلم الشرعي في مدينة “بارطيري” إحدى الحواضر العلمية في الصومال والقرن الإفريقي، فتتلمذ على يد علماء الفقه الشافعي المشهورين في المنطقة، حتى أصبح من طلاب العلم المتميزين الذين يشار إليهم بالبنان، ومن ثم أصبح مساعدا لشيخه في تدريس الفقه، حتى اشتهر بين طلاب الحلقات العلمية في بارطيري باسم ” عبد السلام عمدة” لشهرته بتدريس كتاب ” عمدة السالك وعدة الناسك” لمؤلفه شهاب الدين أبو العباس أحمد بن النقيب المصري(ت 769 ه).

 ثم انتقل إلى مدينة مقديشو لاستكمال مشواره مع العلوم الشرعية، وتتلمذ على يد علمائها، ونهل من حلقاتها العلمية الكثيرة التي يدرس فيها العلوم الشرعية المختلفة كالتفسير والفقه والسيرة وغيرها.

التعليم النظامي

بعد ظهور الحياة المدنية والتعليم النظامي في الصومال على يد المستعمر الأوروبي، وخصوصا في فترة الوصاية الإيطالية على الصومال 1950-1960، ظهرت مدارس عربية أهلية أنشأتها الجمعيات الأهلية، والفرق الوطنية والأحزاب السياسية لمواجهة تغريب أنظمة التعليم المتمثل بمدارس الإرساليات المسيحية ومدارس المستعمر الأجنبي.

 ثم سمح الاحتلال الإيطالي للحكومة المصرية فتح مدارس ومعاهد عربية إسلامية كان لها الأثر الطيب في نشر الثقافة العربية الإسلامية في الصومال، وقد استفاد جيل من شباب الحلقات العلمية وحفاظ القرآن الكريم من تلك المعاهد، وأصبحوا فيما بعد قادة المجتمع في المجالات السياسية والثقافية والعلمية والدعوية، وكان المرحوم عبد السلام معلم آدم من تلك الكوكية، حيث ساعده اطلاعه الواسع في العلوم الشرعية والعربية، وحفظه للقرآن الكريم في التكيف مع التعليم العربي بسهولة.

 وبدأ حياته العلمية النظامية من المعهد الديني الأزهري بمدينة “بُرعُو” شمال الصومال، حيث أخذ فيه المرحلة الإعدادية، ثم عاد إلى مدينة مقديشو ودرس المرحلة الثانوية في معهد الدراسات الإسلامية التابع للبعثة المصرية، ثم التحق بمعهد المعلمين، واصبح معلما للتربية الإسلامية واللغة العربية، إلا أنه لم يمكث طويلا في الميدان التعليمي حيث اتجه إلى عالم السياسية الذي بدا ميوله إليه منذ أيامه في المرحلة الثانوية.

وقد تزامل في تلك المعاهد مع كوكبة من علماء الصومال وأعيانه منهم الشيخ المرحوم عبد القادر نور فارح (جعمي) الذي اغتالته حركة الشباب في مسجد بدر بمدينة جرووي5 ربيع الثاني 1434هـ الموافق15 فبراير 2013م، وهو في الركعة الثالثة من صلاة العصر. وقد تأثر المرحوم عبد السلام معلم آدم بهول فاجعة مقتل زميله الشيخ عبد القادر نور فارح، كما تأثرت به جميع شرائح المجتمع الصومالي في الداخل والخارج.

 ومن زملائه في المعاهد والحلقات العلمية الشيخ محمد حاج يوسف أحمد زعيم حركة الاتحاد الإسلامي في منطقة جدو سابقا، وعضو مجمع الفقه الإسلامي. وحين قابلت الشيخ محمد حاج يوسف أثناء كتابة هذه الأسطر ذكر لي أن المرحوم كان مصلحا اجتماعيا يحرص على لمّ الشمل، والمساهمة في أي جهد أو حركة تهدف إلى إنقاذ الوطن من محنته. وذكر لي كذلك أنه كان مهتما بالتقريب بين الحركات الإسلامية، وصولا إلى تحقيق مسؤوليتها تجاه شعبها، واعتقادا بمحورية دورها في إنقاذ الصومال.

 الدخول إلى عالم السياسية:

 ظهرت بوادر النبوغ القيادي لدى المرحوم منذ أيام شبابه الأولى، حيث كان رائدا لزملائه في الفصول الدراسية، جمع بين النشاط والجدية، وحسن التنظيم والتعبئة، كما يشهده زملاؤه.

 وقد بدأ مشاركته الأولى في عالم السياسية من مدينة لوق في محافظة جدو وهو لا يزال طالبا في المرحلة الثانوية في معهد الدراسات الإسلامية، حيث رشَّحه حزب الصومال العظيم ” Great Somalia ” في الانتخابات البرلمانية عام 1968، إلا أنه لم يتمكن من استكمال مشواره الانتخابي جراء تعرضه لهجوم شرس من عصابة مضادة لترشحه، فنقل إلى مستشفى Digfeer في العاصمة ليتلقى العلاج هناك قرابة شهرين.

وبعدما سيطرت الحكومة العسكرية على مقاليد الحكم في البلاد أكتوبر 1969، كان المرحوم عبد السلام معلم آدم ضمن الطلاب الذين ابتعثتهم الحكومة العسكرية إلى روسيا لدراسة السياسية والعلوم الإدارية. ومما ذكر لي من أيامه في روسيا: أنه كان يتعمّد التغيب من الحصص الخاصة بالثقافة الاشتراكية، وما تعرّض له من المضايقات التي أوشكت أن تصل إلى حدّ المؤامرة على حياته من قبل النظام الروسي الذي كان يحرص على تغير معتقدات طلاب البعثات ومسخ هويتهم الإسلامية.

 ولا غرو في صلابة موقف المرحوم أمام الفكر الاشتراكي، إذ هو من أسرة علمية مباركة عرفت بالعلم والالتزام، فقد كان والده معلم آدم، معلمًا مشهورا في منطقة جدو، كما كان عمه الشيخ عبد الله أوعلي، والد المفسر الصُّومالي المشهور (الشيخ آدم الشيخ عبد الله أوعلي رحمه الله)- من الفقهاء والمصلحين المشهورين في المنطقة.

العودة إلى الوطن

 بعد عودته إلى أرض الوطن قرابة عام 1974 قادمًا من روسيا، انضم المرحوم إلى وزارة الداخلية، وتقلد منصب مدير مديرة”المدينة” ثم مدير مديرية “شِبِسْ” في العاصمة الصومالية مقديشو، ثم أصبح حاكما لمدينة “أَفمَدُو” في محافظة جوبا السفلى، ثم محافظا لمحافظة “شبيلي السفلى”.

 وقد حصل على أوسمة شرف من الحكومة تقديرا لإيجابيته ونشاطه وإخلاصه لعمله، وربما ساعده في نجاحه الإداري نشأته الاجتماعية، وتنقلاته وأسفاره لطلب العلم الشرعي، وتعرفه على تقاليد القبائل الصومالية المختلفة ولهجاتها.

الدخول إلى عالم الدبلوماسية

 في عام 1976، انتقل المرحوم إلى وزارة الخارجية، وأصبح مستشارا سياسيا للسفير الصومالي في القاهرة 1976، ثم قنصلا عاما في السفارة نفسها، ثم قنصلا في السفارة الصومالية في العراق، ثم قنصلًا وقائما بأعمال السفير الصومالي في المملكة العربية السعودية في عام 1981، ثم سفيرا للصومال في الجمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية(اليمن الجنوبي) عام 1983، ثم سفيرًا في صنعاء بعد وحدة اليمن الشمالي والجنوبي مايو 1990م، وظل فيها سفيرًا حتى عام 2008، حتى عين رئيسًا للسلك الدبلوماسي العربي في اليمن.

 طالب العلم الدؤوب!

 لم يترك المرحوم عبد السلام معلم آدم طلب العلم الشرعي والتعلق به بعد دخوله إلى عالم السياسية كما هو حال الكثيرين، بل كان دؤوبًا متشبثًا به حتى آخر أيامه، ومن اهتمامه بالعلم الشرعي:

1- التحاقه بكلية الدراسات الإسلامية بالجامعة الوطنية في اليمن مع كل مشاغله وارتباطاته الدبلوماسية والإدارية، وتقدمه في العمر، وقد تخرَّج فيها، وحصل على درجة البكالوريوس في الدراسات الإسلامية عام 2006م.

2- التزامه بإقامة حلقة علمية دائمة في بيته يَدرس فيها العلوم الشرعية على يد شيخه (شيخ حسن direed ). وقد اندهشت من حرصه على العلم الشرعي بعد أن ذكر لي في صيف 2008 فراغه من دراسة ” فتح الباري شرح صحيح البخاري” للإمام ابن حجر العسقلاني(ت852)، وشروعه في دراسة شرح الإمام محمود بن أحمد العيني(ت855هـ) على صحيح البخاري المسمى ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري” .

3- إكرامه لأهل العلم: وممن كان يرتبط بهم ويكرمهم ويجلس معهم الشيخ المحدث عبد الله علي جيلي المشهور في جيبوتي وشمال الصومال، وقد كان المرحوم يستضيف الشيخ ويستفيد منه عند زيارته لليمن.

 ومما أذكر من إكرامه لأهل العلم أنه تواصل معي ذات مساء يطلب مني أن أرافقه لزيارة الشيخ العلامة مصطفى وهبة الزحيلي الذي جاء لزيارة اليمن، وكان المرحوم عبد السلام معلم آدم يحتفظ في بيته مكتبة شرعية كبيرة تحتوي على رف كامل من مؤلفات الدكتور مصطفى وهبة الزحيلي كالتفسير المنير، والفقه الإسلامي وأدلته، والوجيز في الفقه الإسلامي، والوجيز في أصول الفقه، وغيرها من المراجع.

وقد زرنا والمرحوم عبد السلام معلم آدم الشيخ الزحيلي في الفندق الذي كان يقيم فيها في حي “الدائري” في العاصمة صنعاء، وأعجب الشيخ باهتمام السفير بالعلم الشرعي، ودعا له بالخير، وذكر لنا كذلك أنه يدعو للصومال في خلواته بأن يوحد الله صفوفهم.

4- مما يبرز اهتمام المرحوم بالعلم الشرعي أنه كان يخطط في الأعوام الأخيرة من حياته العودة إلى مدينة “بارطيري” التي تلقى فيها العلم الشرعي في أيام شبابه، وبناء مسجد ومركز للعلوم الشرعية فيها، ليكون مأوى لطلبة العلم الشرعي من كل مكان. ولكن لم يكتب له تحقيق هذه الأمنية التي كانت تراوده، والتي كان يتحدث عنها كثيرا، وذلك بعد تأزم الوضع الأمني ودخول القوات الأجنبية، وسيطرة حركة الشباب على محافظة جدو وأغلب المناطق الجنوبية، وبداية سلسلة الاغتيالات التي استهدفت أعيان المجتمع الصومالي وعلمائه.

 وأخيرا، كان المرحوم رجلا اجتماعيا ذا علاقات واسعة مع أعيان المجتمع الصومالي من السياسيين والدبلوماسيين والكتاب والمثقفين، كما كان ذا اهتمام ثقافية واسعة كما يتجلى في حرصه على اقتناء المؤلفات الخاصة بتاريخ الصومال وأدبه وتراثه الشعبي، وحبه في التواصل مع الكتاب والمثقفين والترحيب بهم، وتشجيعه التأليف والكتابة حول التراث الصومالي وتاريخه الذي يتعرض للضياع المؤسف!

رحم الله الوالد عبد السلام معلم آدم، فقد كان وطنيا مخلصا لعمله، محبا للخير وأهله، صديقا للطلاب والباحثين والعلماء، ونسأل الله تعالى أن يوسّع له قبره، ويكتب له أجر ما كان يحلم به من مشاريع خدمة العلوم الشرعية، وأن يرزق أهله ومحبيه الصبر والسلوان إنه على ذلك قدير.

4 تعليقات

  1. بارك الله أستاذ عمر محمد على هذه السطورة النيرة سطور ايفاء لهذه الشخصية الفذة

  2. اخ عمر شكرا لك ونسال الله ان بجعله في ميزان حسناتك

  3. رحم الله الوالد السفير عبدالسلام معلم ادم واسكنه فسيح جناته

%d مدونون معجبون بهذه: