أين الله؟!

في الجامعة التي أدرسها أطلقت إحدى الجماعات الدعوية العاملة في الساحة برنامجا دعويا فائق الدعاية والتحضير، وقد كنت من بين الجمهور الذين ساقتهم الدعاية الفائقة المصاحبة للبرنامج إلى صالة عرض البرنامج، دخلت إلى الصالة وقد ملئت عن بكرة أبيها، وبالكاد ظفرت بمقعد مناسب، بدأ البرنامج بمسابقة دعوية رصدت لها جوائز آنية ضخمة، والمسابقة كانت من بين الجمهور الحاضرين، ابتدأت المسابقة بسؤال “أين الله؟!”، ورغم أن كثيرين في الصالة رفعوا أيديهم يريدون الإجابة إلا أن أحدا منهم لم يظفر بالاختيار ربما لأن ملمحهم يظهر أنهم من أنصار الجماعة المقيمة للبرنامج، ويظهر ـ والله أعلم ـ أن الجماعة ترغب في أن يجيب عن السؤال شخصا من خارج الأنصار، ومع وقع تكرار السؤال لمحت تذمرا ملحوظا من الشخص الذي كان يقعد بجانبي، كان رجلا مسنا يظهر أن السؤال لم يعجبه، وقد ساقني الفضول إلى أن أسأله ما الخطب؟، رد بلكنة قوية “أن لا طائل من وراء هذا السؤال” سألته ماذا يقصد؟، سألني “ما الفائدة من وراء هذا السؤال؟” قلت له لماذا لا تسألهم هم؟، قال لي “لا فائدة ترتجى من سؤالهم” يظهر أن الرجل كان براغماتيا أكثر من المعتاد.

 المهم ذكرني هذا المشهد بمشهد آخر مماثل له ــ أو هو أكبر منه فجّا ــ يقال انه حدث في كوكب الصومال في العاصمة مقديشو ورغم أنني لم أتأكد من صحة الرواية إلا أنه يقال انه وفي الفترات التي كانت العاصمة تشهد بالإضرابات الأمنية والمواطنون يتضورون من الجوع ولا يأمنون أنفسهم من الخوف، يقال انه وفي تلك الفترات حدثت في العاصمة مناظرة حامية الوطيس بين فصيلين من فصائل التيار المتدين وقد دارت المناظرة الشهيرة حول نفس هذا السؤال “أين الله؟” رغم كل تلك الأوضاع المزرية التي كان يمر بها الوطن والمواطنون، ومع تفاوت حجم الواقع الذي أتت في سياقه الحادثتين ـ حادثة برنامج الجامعة وحادثة مناظرة العاصمة ـ إلا أن كلاهما يأتيان في سياق الخروج عن متطلبات الواقع الملحة والهروب إلى ميادين أخرى بدل مواجهة ملفات هذا الواقع الضرورية، وهي أزمة تقودنا إلى الاستشهاد بواقع آخر مختلف في الزمان والمكان هو واقع الصراع الذي حدث بين الدين والعلم في الغرب.

في الغرب مالذي حدث؟

في الشرق الإسلامي وعندما يتم التأريخ للصراع الذي جرى بين الدين والعلم في الغرب يذكر فقط السبب العرضي لهذا الصراع ويغض الطرف عن السبب الجوهري للصراع، فكلنا أو أغلبنا بالأحرى يعرف أن صراعا ما تم بين العلم والدين في الغرب في فترة ما من فترات التاريخ، وأن هذا الصراع كان سببه أن توصل العلم إلى نتائج مناقضة لثوابت الدين المسيحي وأن رجال الدين في الغرب لم تعجبهم تلك النتائج ومن ثم خاضوا مع العلماء معركة خاسرة مسبقا انتهت بفوز العلم والعلماء، ثم يعقب على هذه النتيجة بالقول “إلا أنه لم يقع مثل هذا الصراع في الواقع الإسلامي لأن الدين الإسلامي لا يناقض العلم بل ويرحب بالعلم والعلماء”، ومع أننا نؤكد صدقية هذا السرد التاريخي إلا أننا نؤكد في الوقت ذاته أنه يساوي فقط نصف الحقيقة، وأن النصف الأهم من الحقيقة هو النصف الآخر المسكوت عنه وربما عن عمد.

النصف الآخر من الحقيقة

في الجانب الآخر يذكر العلماء في الغرب أنه وفي الفترة التي ساد فيها الإيمان بالدين المسيحي في الغرب شهد الناس أوضاعا موغلة في المأساوية، وكان رجال الدين حينها يدّعون أنه لا حقيقة إلا في الكتاب المقدس، ورغم أن الناس كانوا بأمس الحاجة إلى تلك الحقائق التي قيل إنها في الكتاب المقدس لتخرجهم من وضعهم المأساوي إلا أنهم كانوا في كل المرات يعودون بالخيبة والخسران، والسبب أنه وفي ظل كل تلك الأوضاع لم يكن في حوزة رجال الدين حينها سوى مناظرات فارغة كانت من أشهرها مناظرة جرت بين رجال الدين وكانت تدور رحاها حول سؤال كان بالنسبة لرجال الدين أكثر أهمية من كل المصائب التي يشتكي الناس منها هذا السؤال هو “كم من الملائكة باستطاعتهم أن يقفو على رأس دبوس؟!” وكانت الآراء تتباين حول هذا السؤال، فمن علماء الدين من يرى أن العدد الفلاني من الملائكة هو فقط من يتسنى له الوقوف على رأس الدبوس، وإذا بالشيخ الفلاني يرد على صاحب هذا القول ـ بمحاضرة أو بكتاب ربما ـ أن أخطأت ثم يروي بالسند القاطع أن العدد أكثر من ذلك، ويختم بالقول أنه لا نجاة إلا من يؤمن بهذا العدد ــ عدده هو! ــ لأن المنكرين لهذا العدد لا ينكرون قوله وإنما ينكرون سندا قاطعا لأثر صحيح، وهكذا دواليك!.

ومن الظرائف اللطيفة المروية في هذا الصدد حادثة غريبة الشأن مفادها أن رجال الدين في الكنيسة اختلفوا يوما حول كم عدد أسنان الفرس؟ وكان من بين الحضور شخص عامي ــ ليس من رجال الدين ــ وبينما الشيوخ يختلفون في رواياتهم قاطعهم هذا الشخص وسألهم “ولماذا لا نأتي بالفرس ونعد أسنانه خارج أسوار الكنيسة؟!” وفي اللحظة اقتيد هذا الشخص إلى السجن بتهمة التشكيك في الكتاب المقدس!.

انتظر الناس طويلا، فلا الشيوخ ينتهون من مناظراتهم وردودهم الفارغة ولا الأوضاع تتحسن، من بين هذا الوضع المأساوي تجرأ نفر قليل من الناس في البحث عن حقائق تخرجهم من وضعهم المأساوي هذا وذلك في خارج إطار الكتاب المقدس، تجرؤوا في استخدام عقولهم علها تسعفهم بالحلول السريعة، في الأول بدؤوا بالاستعانة على التراث الفلسفي اليوناني السابق الذي طواه النسيان، ولكنهم شيأ فشيأ اكتشفوا أن هذا التراث نفسه لا يخلو من عيوب مماثلة فهو مثل مناظرات رجال الدين يجادل في الفراغ، وسريعا ما عدلوا عنه إلى تراث رجال العلم المسلمين ومنه استلهموا الروح التجريبية التي دشنت ثورة العلم الحديثة والتي هي بجانبها أخرجت الإنسان الغربي من ظلمات القرون الوسطى ومناظراتها الدينية السوداوية إلى نور التنوير والحداثة الحالية ــ طبعا نور نسبي إذ لا مطلق في الدنيا ــ وعلى وقع هذه الأحداث خرج للغرب فلاسفة موغلون في المادية والتجريبية أمثال روجر بيكون، وفرانسيس بيكون، وديفيد هيوم، وجون لوك، والى حد ما كانط.

هكذا بدأ الصراع إذا، دين يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة ومع ذلك يفشل في مواجهة الواقع، وعقل يشكك في هذا الادعاء ويعرض نفسه كبديل مناسب للدين وعليه يواجه الواقع المرير وينجح في ذلك ليسحب البساط من تحت رجال الدين.

 ما أشبه الليلة بالبارحة!

يكاد يتفق وضعنا الحالي مع وضع الغرب في القرون الوسطى في عناصر ثلاثة محورية كالتالي:-

 العنصر الأول: هو عنصر تشابه الأوضاع المأساوية في كلا المشهدين فنحن نعيش عصرا يماثل في مآسيه مآسي القرون الوسطى حيث الفقر والمرض والجهل.

 العنصر الثاني: هو عنصر الموقف من الحقيقة فالشيوخ في عالمنا يؤكدون أن الحل كله في الإسلام كما كان رجال الدين السابقون يؤكدون أن كل الحقائق الضرورية للحل متوفرة في الكتاب المقدس

 العنصر الثالث: هو عنصر الاستجابة لمتطلبات الواقع أي استجابة رجال الدين لمتطلبات الواقع السائدة سلبا أو إيجابا، وهذه النقطة بالتحديد سنأخذ عليها بالتحليل.

الإسلام هو الحل ولكن؟!.

لنبدأ من لكن هذه ولنتساءل ماهو الإسلام الذي يفترض أن يكون حلا لمشاكلنا المأساوية؟، لا شك أن الإسلام هو الإسلام الموجود بين دفتي الكتاب والسنة، ولكن ماهي الطريقة العملية التي ينبثق الحل من الكتاب والسنة؟، لا شك أن الحل يحتاج إلى من يستنبطه من الكتاب والسنة، ومن يستنبط الحل من الكتاب والسنة هم العلماء ، أي أن الطريق يمر عبر رجال الدين فهم بحكم كونهم علماء الإسلام يستنبطون الحل من الإسلام.

ماذا استنبط العلماء من الإسلام؟

استنبط العلماء بحكم قراءتهم للنصوص الدينية أن الدين عقيدة وشريعة، وعليه استنبطوا المسائل التي رأوها تشكل صلب العقيدة من القرآن والسنة، واستنبطوا كذلك ــ من القرآن والسنة ــ الأحكام الفقهية التي رأوها تشكل صلب الشريعة.

 العقيدة والفقه … إعادة للنظر

يجب أن تنتبه أخي القارئ أنه وعندما نعيد النظر في المسائل العقدية وفي الأحكام الفقهية فنحن في الحقيقة نعيد النظر في فهم العلماء للدين وليس الدين نفسه، وتعرف أخي القارئ أنه لا ضير في إعادة النظر في فهم العلماء، وعليه إلى الآن أنت معي في مسألتين:-

1. إن الحل الذي يأتي من الكتاب والسنة لا يمكن إلا أن يأتي بواسطة الفهم البشري.

2. إن هذا الفهم البشري قابل للمراجعة

ولننطلق من تلك المسألتين ولنتساءل أولا مالذي حصل للعقيدة التي تمثل أحد الشقين الأساسين للفهم البشري للدين؟

يذكر أحد العلماء أن غالب المسائل العقدية المعتبرة في الساحة الإسلامية مسائل كلامية أي أنها لا تنشئ عملا ولا سلوكا ولا تغير وضعا، مسائل موغلة في التجريد، وعلى هذا الأساس يذكر المفكر مالك بن نبي أن “المسلم لم يتخل مطلقا عن عقيدته، فلقد ظل مؤمنا، ولكن عقيدته تجردت من فاعليتها، لأنها فقدت إشعاعها الاجتماعي، وعليه فليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم على وجود الله بقدر ماهي أن نشعره بوجوده “.

 ما الذي جرد العقيدة من فاعليتها؟، المبادئ النظرية تتحول إلى سلوك عملي فقط بعد أن تعبر عبر حاجز المشاعر الذي يتوسط بين الفكرة المجردة وبين سلوكها العملي وفق هذه المتتالية (الفكرة – المشاعر – السلوك).

 ولكن ماذا إذا لم تكن الفكرة تنشئ شعورا؟ إنها حينها لن تنشئ سلوكا ولن تغير وضعا ومن ثم تفقد قيمتها الفعلية والأساسية للوجود، وهذا ما حصل للعقيدة الإسلامية، حيث تحولت إلى عقيدة سلبية لا تنشئ في قلب المسلم شعورا ولا تدفعه الى عمل، انها العقيدة التي بدل أن تشعرك بوجود الله وبهيبته عبر تذكيرك بآياته وسننه تريد أن تدخلك في جدال أين الله؟!.

عند ما تعمّق النظر في المسائل العقدية الموجودة في التراث تلاحظ كما من المعلومات النظرية التي غالبا ما تتشكل وفق ثلاثة محاور، محور يتحدث عن الله كمستحق للعبادة، ومحور يتحدث عن الخلافات النظرية الواردة في مسائل الأسماء والصفات، ومحور ثالث يتحدث عن مسائل الكفر والإيمان مع سرد للخلافاتالنظرية حول تلك المسألة، وبعد دراستكلكل هذه المحاور تحس أنك تفتقد شيئا ما،في خضم كل هذه المعلومات النظرية تحس أنك تفتقد الشعور الوجداني العميق بالله كمؤنس، وتفتقد الشعور بالله الذي ينشئ الخشية والإنابة في القلوب، وبالله الذي يملأ الفؤاد بالرحمة والأفعال باللين، وبالله الذي يصبغ كل علاقاتك بالرفق والتوازن، وكل أفعالك بالطاقة والفاعلية،وبالله الذي ينشئ في النفوس الفضول العلمي وحب الاستكشاف، وتفتقد أكثر من ذلك عن الشعور بالله الذي تحدث عنه الدكتور مصطفى محمود بهذه العبارات الرائعة “الفنان يطلب الجمال، و المفكر يطلب الحقيقة، والثائر السياسي يطلب العدالة، و الصوفي العارف يطلب الله، و هم قد اختلفوا في الظاهر و لكنهم ما اختلفوا في الحقيقة فإن الحق العدل البديع الجميل كلها من أسماء الله” تفتقد الشعور هنا بالله الذي ينشئ في النفوس حب العدل والحق والخير والجمال.

يذكر كذلك أن الضمور الذي لحق بالعقيدة لحق كذلك بالفقه فالفقه كما العقيدة يركز على ثلاثة محاور هي العبادات والمعاملات والجنايات، ورغم أن لهذه المحاور أهمية خاصة إلا أن المتروك والمستثنى أكثر أهمية، ان مصيبتنا في الفقه تكمن في القصور الذي طال بفقهي الأخلاق الاجتماعية الجماعية، والسنن الكونية الجارية في العمران البشري، فالملاحظ هو أنه وبدل التركيز على ما يجب على الجماعة أن تلتزم به من أخلاق سياسية واقتصادية وسنن اجتماعية تم التركيز على ما يجب على الفرد من شعائر تعبدية.

هذا عن الفهم البشري للدين وهو فهم لا يرقى لأن يصبح حلا للمشاكل الإنسانية المطروحة في الساحة الآن، ولكن ماذا عن الدين نفسه؟

يذكر الشيخ محمد الغزالي أن الخطة القرآنية تشمل خمسة محاور مقسمة كالتالي:-

محور التركيز على الله الواحد:-وفقا للدراسة الموسوعية التي أجراها الدكتور المسيري تنقسم الحضارات البشرية إلى حضارات آحادية البعد وحضارات ثنائية الأبعاد، ويذكر الدكتور أن حضارات البعد الواحد حضارات لا ترقى لمستوى الإنسان، ويتناول بالتحليل أن الحضارات ذات البعدين هي الحضارات المفضلة والجديرة بالبقاء، وينبه الدكتور إلى مسألة مهمة جديرة بالملاحظة هي أن الحضارات ذات البعدين لا تنشأ إلا من مبدأ التوحيد هذا، وهو تحليل عميق لا تستطيع هذه الأسطر أن توفيه حقه وعليه يلزم الرجوع إلى أعمال المفكر المؤسسة لهذا الطرح، ولكن ما نريده هو التنبيه إلى أن مفهوم ومبدأ التوحيد يتجاوز السطحية والبساطة التي يريده البعض أن يحصروه فيه، فبدلا من أن يكون مبدأ التوحيد معلومة نظرية مجردة في الأذهان يتحول إلى شرط ضروري لنشوء حضارة إنسانية جديرة بالبقاء.

محور التركيز على الكون الدال على الله:- هنا يبهرك القرآن بالمعجزات الكونية التي تدلك على الله ويتنوع في سرد هذه المعجزات، فمعجزات تدلك على الله الرحيم لتبث في قلبك الرحمة، ومعجزات تدلك على الله الحق لتنشئ في قلبك حب الحق والحقيقة، ومعجزات تدلك على الله العليم، وعلى الله الجميل، وعلى الله الرؤوف، وكلها معجزات لو تدبر الإنسان بها في العمق لأصبح إنسانا آخر مختلف يتقرب إلى الله بمضمون هذه المعجزات، يتقرب إليه بالرحمة والحق والعدل والعلم والحب والجمال، وما أحوج الحضارة البشرية إلى مثل ذلك الإنسان.

محور التركيز على القصص الإنسانية:- لاحظ المعجزة هنا، الله ثم الكون ثم الإنسان، هل تعرف أن هذه الأركان هي الأركان الأساسية المهمة الضرورية لقيام أي نموذج حضاري؟، يجب على أي حضارة بشرية لكي تقوم أن تحدد أولا موقفها من الله ومن الإنسان ومن الكون، ثم تحدد طبعية العلاقة بين كل هذه الأركان، وهذا القول ليس تنظيرا إسلاميا بل كل الفلاسفة ينظّرون وفقا لهذا النموذج فهم إما أن يتحدثوا عن الكون أو عن الإنسان أو عن الله، وقليل هي تلك الحضارات وتلك الفلسفات التي تستوعب الثلاثة في قالب واحد وفق تحديد فريد للعلاقة الجوهرية القائمة بين الثلاثة وهذا ما يفعله القرآن، بالإضافة إلى ذلك ترقى القصص القرآنية إلى أن تصبح أساسا لقيام فقه عمران بشري.

بالإضافة إلى ذلك يذكر أحد الفلاسفة أن القرآن بتركيزه على الكون وعلى القصص التاريخية ينبه الإنسان من وراء هذا التركيز أن الطبيعة والتاريخ يمثلان مصدران من مصادر المعرفة الإنسانية وهي المصادر التي من ضمنها الوحي والعقل، بل يذكر أن القرآن بتركيزه على الطبيعة وعلى العقل وعلى القصص التاريخية يتجاوز إلى تقرير مسألة أخرى أكثر أهمية هي التأكيد على أنه يعتبر التاريخ والطبيعة والعقل معايير أساسية للتأكد من صحة وثبوت أي فرضية، فلكي نتأكد من صحة فرضية ما يجب أن نستند إلى منطق العقل أومنطق الطبيعة أومنطق التاريخ، وأي فرضية يدحضه العقل السليم أو تدحضها التجربة الطبيعة أو تدحضها الحقيقة التاريخية تصبح باطلة، وهذه المعايير هي المعايير الأساسية والمهمة لقيام معرفة إنسانية ممحصة.

محور التركيز على الوعد والوعيد:- من شروط قيام الحضارات كذلك شرطين أساسين هما توفر المعرفة اللازمة بتوفر المعايير الضرورية لها وهو ما تم في المحور السابق، بالإضافة إلى توفر القيم الأساسية الضرورية لقيام علاقات متزنة بين بعض الإنسان ولا تقوم هذه القيم إلا بتوفر الأساس المتين لها، هذا المحور يوفر الأساس الذي تستند إليه القيم، فالقيم تحتاج إلى ضمير نابه والضمير يحتاج إلى مراقبة داخلية والمراقبة الداخلية تستند على الوعد والوعيد.

محور التركيز على التربية والتشريع:- بعد أن وفر القرآن الأساس المتين الذي تستند اليه القيم في المحور السابق استكمل الباقي الذي هو تحديد القيم والقوانين الضرورية لنشوء أي حضارة في هذا المحور.

ألم تلاحظ أخي القارئ كيف تصبح الخطة القرآنية خطة متكاملة ترقى إلى أن تصبح دستورا كونيا لنشوء الحضارات الإنسانية؟، بينما التراث الذي يدعي أنه الفهم المترجم عن القرآن يذهب بك بعيدا ويدخلك في متاهات الردود النظرية والمسائل الكلامية؟.

حين قرأ البروفسور الأمريكي الملحد جيفري لانغ النسخة المترجمة من القرآن أسلم، ولما سئل عن سبب إسلامه ذكر أنه لما قرأ هذا الكتاب لاحظ أن هذا الكتاب يعرف عن الإنسان أكثر مما يعرف الإنسان عن نفسه، وأضاف أن هذه المعرفة لا تكون إلا من مصدر عليم بالإنسان وهو خالق الإنسان، ماذا لو كان جيفري قرأ تراثنا العقائدي والفقهي؟ ربما تعجب من غياب الإنسان ومن غياب جل مطالبه عن هذا التراث!.

أختم المقال بالبيان التالي (يجب على علماء الإسلام أن ينتبهوا لمطالب الإنسان وحاجاته الضرورية وأن يستجيبوا لهذه المطالب قبل فوات الأوان مع التأكيد على أن السند الضروري لهذه الاستجابة متوفر فقط في المصدرين الأساسين للدين وبالأخص القرآن المتواتر الذي يجب أن يكون شاهدا وحاكما على المرويات من الأحاديث النبوية، وأنه يجب أن نعرف أن تراثنا القائم على فهم السلف يحتاج الى تصحيح وتصويب أكثر مما يحتاج إلى اتباع وتقليد).

%d مدونون معجبون بهذه: