موقف شعب أوجادين من الاحتلال الإثيوبي

بقلم: عبد الحكيم محمد

كان ولا يزال شعب أوجادين يرفض الاحتلال الإثيوبيّ، ويعتبره استعمارًا أسود قام مقام الاستعمار الأبيض، وناضل الشعب بأساليب ووسائل مختلفة من الانتفاضات الكبرى والمظاهرات والتنديدات الشعبية تارة، وتقديم عرائض الشكوى إلى الأمم المتحدة تارة أخرى، والكفاح والمقاومة المسلحة ضد الاستعمار الأوروبي الأبيض والإثيوبيّ الأسود مرة أخرى، من أجل استعادة سيادته الوطنية وكرامته ونيل حريته بالوسائل المشروعة.

ونورد بعض المواقف الشعبية استدلالا على إرادة شعب أوجادين وموقفه تجاه إلحاقه لإثيوبيا كمثال لا الحصر وهي:

1. الانتفاضات الكبرى والمظاهرات الشعبية:

قامت انتفاضات عارمة متتالية حدثت في مدينتي هرر وجكجكا عام 1948م عندما أراد الإنجليز تسليم الأجزاء الأخيرة من الأراضي الأوجادينية إلى إثيوبيا وفقا للمعاهدة الإنجليزية الإثيوبية عام 1897م، كما شهدت البلاد الانتفاضة الكبرى عام 1963م إثر التنظيمات والخلايا السرية التي كانت تقود الوعي والنضال الصامت في (حزب نصر الله) بعد أن اجتاحترياح الحرية والاستقلال معظم البلدان الإفريقية التي خضعت للاستعمار الأوروبي.

2. موقف قادة وزعماء شعب أوجادين:

قدم زعماء وقادة شعب أوجادين عرائض الشكوى إلى ممثل الأمم المتحدة في22 يناير 1948م، وكان نصها على النحو التالي:

(إنّ التقسيم الاستعماري الذي ألحقنا بإثيوبيا اصطناعي وغير طبيعيّ، وليس هناك ما يبرّر صلتنا بالحكومة الإثيوبية بأي وجه من الوجوه، إنّ إقليمنا قد احتلّته إثيوبيا وتحكمه بالقوة، ولم يكن يوما من الأيام جزءاً من إثيوبيا، وأنّ هذا التقسيم الاصطناعي الذي نعيش في ظله ينكر علينا حقنا في التطور الطبيعيّ كافة، وإن حقوقنا مهددة في داخل المناطق التي تحتلها القوات الإثيوبية، وحالتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية متدهورة؛ لأن الحكومة الإثيوبية لا تجمعنا بها رابطة قومية أو ثقافية أو دينية أو لغوية، ونحن مرهقون بالضرائب الباهظة، وحقنا في التعليم الإسلامي والعلوم الشرعية منكر، كما نحن محرومون من الوظائف الحكومية، ولن نرضى بحياة ليس لها مستقبل، ونريد استعادة حقنا الأزليّ، ونطالب من خلال هذه العرائض المطالب التالية :

أ. قد حان الوقت لإنهاء هذه الحالة السيئة والتحرر من القيود المفروضة علينا.

ب. نريد إلحاقنا بإخواننا الصوماليين في جمهورية الصومال وقد عقدنا العزم والتصميم على هذا الاتحاد؛ لأننا نشترك مع الصوماليين في وحدة الجنس والدين واللغة والثقافة وأسلوب الحياة والموقع الجغرافي وكل المقاييس التي تعتبر في ترابط الشعوب).

3. موقف شعب أوجادين في اجتماع هرر التاريخيّ 30 يناير 1994م:

طلب الرئيس الإثيوبيّ آنذاك (ملس زيناوي) من المسؤولين في منطقة أوجادين عقد لقاء في مدينة هرر لجمع الزعماء والسلاطين ووجهاء من عشائر صوماليي أوجادين من جميع أرجاء المنطقة، وحضر هذا اللقاء أكثر من 500 عضو، كما حضر الجلسة (زيناوي) نفسه أملاً منه في أن يجد من هؤلاء التنازل عن طلب حق تقرير المصير والتعايش مع إثيوبيا كشعب إثيوبيّ.

وكان الحضور قد اختار من بينهم من يمثل ويعبر عن رغبتهم، فوقع الاختيار على (السلطان مختل طاهر) رئيس جبهة نصر الله في المنطقة عام 1963م، والذي قضى 12 سنة في سجن أديس أبابا لأجل القضية، و(أجاس حسن حرسي) وكان الأخير أجاساً لعشائر عيسى رحمهما الله تعالى، وكان الزعيمان من أكبر الحاضرين سناً واحتراماَ وحشمة وأكثرهم شعبية ونضالا.

فكانت الإجابة قد بهتت ودهشت رأس (زيناوي) حيث ألقى كلمة الحضور أولا السيد المناضل جراد مختل طاهر بقوله: (إنّ الشعب الصومالي قد ناضل من استقلاله عن إثيوبيا ويطلب الآن من الحكومة الإثيوبية منح تقرير المصير وإجراء استفتاء حرّ ونزيه).

وكذلك قال أجاس حسن حرسي: ( نحن نريد حق تقرير المصير فقط ). وبهذه العبارة القصيرة والموجزة انتهت الجلسة وبإجماع الحاضرين بالتصفيق والحماس والهتافات والأناشيد الوطنية للتحرير تأييدا للزعيمين، فخرج (زيناوي) بغير ما يرغب فيه.

4. موقف البرلمان المحليّ:

عقد البرلمان المحلي مؤتمرّا في فبراير 1994م في مدينة جكجكا جلسة وناقش أعضاء البرلمان الأوضاع الراهنة في إثيوبيا عموما وفي منطقة أوجادين خصوصا وبالأخص ما يجرى فيها من الاعتداءات العسكرية والقمع الهائل على الشعب والحروب مع المعارضة الوطنية التي تسعى لنيل الشعب حقوقه المقدسة فأصدر عدة قرارات منها:

أ. تطلعا من الشعب بما وعدته الحكومة الجديدة في إثيوبيا ورجاء لتصديق وعدها بالوفاء أن تعطي الحكومة الانتقالية في إثيوبيا حق تقرير المصير للشعب الصومالي في أوجادين الذي طالما كافح وسعى لنيل هذا الحق والانفصال عن إثيوبيا.

ب. يجب على المسلحين في المنطقة وقف إطلاق النّار وأن يكون صراعهم سياسيا إذا وافقت إثيوبيا بذلك.

ج. وقف أعمال القتال في المنطقة من الجانب الحكومي الإثيوبي.

وما انتهت الجلسة حتى ألقي القبض فورا على رئيس الإقليم آنذاك (حسن جري قلنلي) ونائبه (أحمد علي طاهر) وأقيلت الحكومة المحلية كما تم اعتقال بعض أعضاء البرلمان البارزين وأعضاء آخرين من الأعيان والوجهاء وكثيرا من الرجال في مدن الإقليم.

5. موقف الوجهاء وزعماء العشائر في لقاء جودي:

طلبت الحكومة الإثيوبية عقد لقاء مع الزعماء في مدينة جودي في 17 أبريل 1994م، وحضر هذا اللقاء جمع غفير من الوجهاء وزعماء العشائر من جميع المدن في إقليم أوجادين وحضر (زيناوي) هذه الجلسة بشكل مفاجئ، ولم يبلغ الزعماء ماهي مهمة اللقاء.

وكان هدف هذا اللقاء نفس المهمة والهدف من الاجتماع في مدينة هرر (التنازل عن حق تقرير المصير)، بالإضافة إلى إعداد هجوم على المقاومين المناضلين في المنطقة وطلب زيناوي من الحضور مساعدة قوات إثيوبيا والقتال معهم جنبا إلى جنب ضد الحركات المقاومة المسلحة.

واتفق الحاضرون كلمتهم وقالوا: (نطالب من الحكومة الإثيوبية منح تقرير المصير لشعبنا وترحيل قواتكم عنا)، فبدأ الحضور بالتصفيق والتأييد والحماس، فخرج (زيناوي) كئيباً حزينا حيث لقي من هذا اللقاء مثل مالقي من اجتماع هرر، وقال بعد عودته من هذه الجولة في البرلمان المركزي: (إنّ أمامنا خيارين أحلاهما مرّ إما أن نفصل المنطقة الصومالية وإما أن نبيد شعبها بأكمله، فإني رأيت شعبا بأسره لا يرغب الحياة والبقاء مع أثيوبيا) فأصبح الخيار هو الإبادة والاضطهاد والقمع، فبدأت الحملة العسكرية العشوائية في الإقليم ضد هذا الشعب البريء بعد أربعة أيام فقط من هذا الخطاب.

6. موقف الشعب في مؤتمر قبر دهري:

طلب رئيس الوزراء الإثيوبي (ملس زيناوي) عقد لقاء شعبي جماهيري في مدينة قبردهري في يناير عام 1995م بعد أن رفض كل الطلبات الشعبية والرسمية التي كانت تطالب بمنح الإقليم حق تقرير المصير، وبعد أن حملت الجبهات (الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين، والاتحاد الإسلامي) السلاح عسى أن يجد تغييرا ما في نفوس الشعب بعد القمع والتشريد والقتل العشوائي والاعتقالات التي دامت أربع سنوات، فحضر الجلسة أكثر من 400 عضوا من مختلف دوائر الشعب من الأحزاب والأعيان والسياسيين والحكومة المحلية وضيوف شرف وضباط الحكومة العسكريين في المنطقة، وكان من المقرر أن يستمر اللقاء نحو شهر، وطلب من المعارضة المسلحة أن يشتركوا مع ضمان أمنهم من مكتب رئيس الوزراء، حيث شارك في هذا المؤتمر وفد رفيع المستوى من الجبهة الوطنية لتحرير أوجادين، وكان اللقاء حسب الخطة المعلنة حوارا علميا حول مستقبل الإقليم، فاشترك هذا العدد الهائل فبدأت الكلمات من الحضور وكانت كلها تنصب في اتجاه واحد وهو حصول إقليم أوجادين حق تقرير المصير من إثيوبيا وإجراء الاستفتاء الحرّ والنّزيه وإحلال الأمن والاستقرار على هذا النحو، وكانت أناشيد النساء الحاضرات وتصفيق الحضور تقاطع الكلمات، وفي هذا الجو المفعم بالحماس حضر (زيناوي) واستمع لبعض الكلمات فقرر إنهاء اللقاء بحجة أن الحضور قد سافروا من أماكن بعيدة وأنهم مسلمون وأن شهر رمضان قريب لذا نكتفي بهذه المعلومات. ولكن الحقيقة عكسية حيث لم يجد أي تغيير في الجو الشعبي وما في نواياهم من رغبتهم في التحرر عن إثيوبيا.

وتلك نماذج من بعض المواقف الشعبية والنضال السياسي، وأما في جانب المقاومة والكفاح المسلح، فلم يخمد ولم يتوقف عمل الحركات المقاومة الجهادية الوطنية التحريرية، ونضال المناضلين منذ بداية جهاد ونضال الإمام أحمد بن إبراهيم الغزالي (أحمد جراي) قبل دخول الاستعمار الأوروبي ضد التوسع الحبشيّ (1506-1543)، والذي استمر جهاده أكثر من خمسة عشر عاما.

ومرورا بنضال القائد المناضل المجاهد البطل السيد محمد عبد الله حسن ضد الاستعمار الثلاثي الإنجليزي الإيطالي الحبشي مرة واحدة الذي امتد جهاده أكثر من عشرين سنة، إضافة إلى نضال حركة (نصر الله) بقيادة المناضل السلطان مختل طاهر، وقد خاضت هذه الحركة معارك عدة مع الاحتلال الحبشي وقد حققت خلالها بعض المكاسب، ولكن لم تكلل بالنجاح الكامل، ثم تحولت إلى جبهة تحرير الصومال الغربي، وكانت هذه الجبهة قد بدأت عملها أولا على شكل حرب عصابات وتطورت حتى تحولت إلى مواجهات ميدانية مع الاحتلال الإثيوبي مباشرة عام 1977م وحققت انتصارات باهرة متتالية وحررت أكثر من 95% من الأراضي المحتلة الأوجادنية. إلا أن الاتحاد السوفيتي وكوبا وألمانيا الشرقية هم الذين وقفوا مع إثيوبيا وشاركوا معها في الحرب ضد جبهة تحرير الصومال الغربي المساندة من قبل القوات الصومالية، حيث تدفقت أعداد ضخمة من القوات الكوبية ومن المستشارين العسكريين من الاتحاد السوفيتي وألمانيا الشرقية، وأشارت التقديرات إلى أن عدد الجنود الكوبيين وصل إلى حولي 25 ألف جندي، بينما تراوح عدد الخبراء السوفييت ما بين 1500-2000 خبير، كما وصل نفس العدد من الخبراء من ألمانيا الشرقية، ولذا استعادت إثيوبيا سيطرتها واحتلالها على منطقة أوجادين مرة أخرى. ثم تحولت جبهة تحرير الصومال الغربي إلى الجبهة الوطنية لتحرير أوجادين التي تأسست في 15 أغسطس من العام 1984م والتي تناضل من أجل تحرير المنطقة واستعادة سيادة الوطن من الاستعمار الإثيوبي حتى الآن.

وتعتبر هذه الجبهة الممثل الشرعي حالياً لقضية أوجادين. وتحظى بشعبية كبيرة في أوساط الشعب في الداخل والخارج، وتتمتع بوجود عسكري كبير في المنطقة، وحققت انتصارات كبيرة، ولكنها لم تنل النجاح الكامل، بمعنى أنها لم تحصل على ما تسعى إلى تحقيقه، وهو حق تقرير المصير والاستقلال لشعب أوجادين، ولكنها ما زالت في طريقها لتحقيق هدفها.

وهذه نماذج من مواقف شعب أوجادين من الاحتلال الإثيوبي.

%d مدونون معجبون بهذه: