العبادة بالحرية !

بمعرض حديثه عن الديمقراطية الليبرالية ينقل الكاتب والمفكر الأمريكي ذو الأصل الياباني فرانسيس فوكاياما عن الفيلسوف الألماني هيجل هذه العبارة “التاريخ عبارة عن تقدم في الوعي بالحرية” وقد أعجبتني العبارة وذلك لمضمونها العميق، وفي هذا المقال نحاول أن نسبر إلى عمق هذا المضمون قدر المستطاع.

الحرية بأية معنى؟

ماذا يعني أننا أحرار؟ في أبسط تعريف للحرية قيل إنها تعني توفر البدائل والاحتمالات في صورة تجعلنا مختارين، معنى هذا الكلام أنه وفي تعدد البدائل تتعد الخيارات وفي تعدد الخيارات تكمن الحرية، وفي هذا السياق يمكن أن نفهم مقولة هيجل، فالإنسان يزداد وعيا بالبدائل المتوفرة أمامه كلما تقدم في التاريخ، إنسان اليوم أكثر حرية من إنسان الأمس، وإنسان الغد سيكون أكثر حرية من إنسان اليوم، وعندما نفهم هذا الموضوع يمكن أن نطرح هذا السؤال “هل مهمة الإنسان تتحدد في إطار البحث عن مزيد من الحرية؟”

مقاربة الجواب

يمكننا أن نقول إن من مهام الإنسان البحث عن مزيد من الحرية، مما يعني أن الإنسان مسؤول عن تحديد مسيره هنا في الدنيا، الإنسان المسؤول هو الإنسان الحر والإنسان الحر هو الإنسان المسؤول، إنه لا انفكاك بين الحرية والمسؤولية فالمسؤولية بنت الحرية، والمسؤولية في سياق الحرية تعني أنه وما دمت حرا في اتخاذ قراراتك فأنت الوحيد المسؤول عن عواقب تلك القرارات، الإنسان الحر المسؤول هو الإنسان الذي يتجرأ على اكتشاف البدائل المتاحة أمامه ليوظفها لصالحه، لأن هذه البدائل متوفرة لصالح الإنسان وكلما تقدم الإنسان في اكتشاف هذه البدائل كلما كان العالم أفضل بالنسبة له.

 العبادة بالحرية!

يقول تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) أليست مهمة الإنسان تتحدد في إطار التعبد وفقا لقول البارئ؟، نقول نعم ولا غضاضة في ذلك، ولكننا نقول كذلك ان من معان العبودية طلب المزيد من الحرية، ألم نقل أننا نبني عالما أفضل بالنسبة لنا كلما توسعنا في البحث عن الحرية؟ وهل هناك عبادة أفضل من عبادة البناء؟

لابد أن نتدرب كثيرا على ممارسة عبادة الحرية وممارسة الحرية تعني طلب المزيد منها كما يقول أحد العلماء، لابد أن نعرف أنه وكلما بحثنا عن الحرية كلما تقدم العالم أكثر وكلما تقدم العالم أكثر كلما اقتربنا إلى الله أكثر، الله أعطانا الحرية لنمارسها.

وهل أعطانا الله الحرية؟

يقول تعالى (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنا وأشفقن منها وحملها الإنسان) ماهي هذه الأمانة؟

لا شك أن هذه الأمانة هي أمانة تميز الإنسان عن باقي الكائنات وهل هناك ميزة للإنسان غير الحرية؟ يمكن أن تقول العقل ولكن العقل في النهاية وسيلة للحرية وضمان لها، أنت عاقل لتختار والاختيار حرية، فالحرية جوهر كامن في الإنسان وبعد من أبعاده الوجودية، هذا المعنى هو الذي أدى إلى إسلام المفكر الكبير روجيه جارودي الذي رأى في الإسلام مساحة واسعة للإنسان المسؤول أعني الإنسان الحر.

%d مدونون معجبون بهذه: