رحيل (عبد الشكور محمود علمي) فارس العمل الخيري في الصومال

 بقلم : عبد الفتاح نور أحمد – كاتب وصحافي صومالي :

 قال تعالى (مِنَالْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَاعَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُممَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنيَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (” الأحزاب: 23″.)

قبل الإفطار بساعة اتصل بي صديقي ليبان أحمد شري وهو على غير عادته عند الاتصال معي، كان صوته خافتاً، قلتُ لنفسي تُرى هل يخبر بحدوث فاجعة في بلدٍ لا يخلو مآسٍ! أو يخبر برحيل شخصٍ عزيزٍ عليك، كان حدسي صائباً،أخبرني برحيل رجل الخير وصاحب الأيادي البيضاء عبد الشكور محمود علمي، الذي لقي ربه بعد حادثٍ مروري مؤلم قُرب مدينة غروي حاضرة ولاية بونتلاند، وبرحيله تكون الصومال قد فقدت أحد أعظم رجالاتها المشهورين في مجال العمل الخيري.

وهو يفتتح مشروع بئر أنجزته الهلال الأحمر، ويتضرع إلى الله بأن يغفر للراحل برجس حمود البرجس وعلى يسار الصورة محمود فارح بليعبد الشكور رحل عن دنيانا الفانية وهو صائم وفي طريقه لإفطار الصائمين بمدينة جالكعيو بوسط الصومال، صعدت روحه إلى بارئها وهو في العشر الأخير من الشهر المبارك، ليختتم دنياه بعملٍ خيري لطالما تمنى لقاء ربه وهو في هذا العمل العظيم. وكان ينفذ مشروع الإفطار الذي قدمته الحملة السعودية لإغاثة الشعب الصومالي.

اشتهر عبد الشكور وسط الصوماليين والعالم العربي بحبه للعمل الخيري وتفانيه في سبيل خدمة شعبه المنكوب، وقد أنجز الكثير من المشاريع الخيرية في الصومال؛ خاصة في مناطق بونتلاند الواقعة بشمال شرق الصومال.

كان صاحب قلبٍ واسع وصدرٍ يسع الجميع، كثير المزاح مع الآخرين، لم يعرف العبوس طريقاً إلى وجهه، طلق الوجه، مبتسماً ومرحباً للجميع، كان بالنسبة لي نبراساً يستحق الاقتداء في عمله وتعامله مع الآخرين، ولعل خبرته المديدة في المجال السياسي والعمل العام هي التي أكسبته هذه الخصال الحميدة.

فبل وفاته بساعات كان يتحدث معي عبر الهاتف موجهاً ومقدماً لي النصح ، ويهدأ من روعتي جراء مشاكل واجهتني شخصياً، سأظل محتفظاً – إلى الأبد- نصائحه التي قالها لي قبل ساعات من رحيله عن دنيانا الفانية، عرفته متسامحاً مع الجميع إلى أبعد الحدود، يسعى من أجل خدمة الآخرين وإسعادهم.

تجربة شخصية

معرفتي للمرحوم تعود لعام 2009، وقد عرفني إياه نائب وزير الإعلام بحكومة بونتلاند الصومالية عبد الشكور مري آدم، وقتها كان المرحوم مديراً لـ” هيئة بونتلاند للرعاية الاجتماعية” حديثة النشأة حينها، طلب مني العمل معه، لأصبح مديراً لقسم المشاريع، بعد مشاورات مع أصدقائي وأسرتي، اتفقنا على عدم قبول العمل مع الهيئة، لأنها لم يكن لديها مبالغ كافية لتتعاقد مع خريجي الجامعات أمثالي.

ولم أكن ملاماً في ذلك! فتفكير شخص حديث التخرج من الجامعة يدور حول الراتب، أما أمثال عبد الشكور فتفكيرهم يختلف عن الآخرين، ترك وظيفته من أجل خدمة الآخرين، قلتُ لنفسي: كيف تخيب آمال شخص وثق بك، واختارك من بين العشرات من الشباب الصومالي المتعلم؟! سوء تقدير وحده هو السبب في ترك العمل معه !

أشهد – بعد أن صعَدت روحه إلى بارئها -بأنه كان لطيفاً ورقيقاً معي، تخليتُ العمل مع هيئته دون أن أخبره بالأمر، كان كثير الاتصال معي، وأنا لم أكن ارفع منه السماعة؛ شعوراً مني بالخجل والإحراج أمام هذا الرجل الفاضل والخلوق.

وبعد مرور فترة طويلة من هذا الحادث، لقيته في مدينة بوصاصو عن طريق الصدفة، هرول تجاهي مسرعاً، وعانقني بحرارة، مستفسراً عن أحوالي ووظيفتي مع هيئة خيرية أخرى تعاقدت معي بعد شهور من تخلي ” هيئة بونتلاند للرعاية الاجتماعية” لم يكن يشعر بالغضب ولا حتى تغيرت عاطفته ونظرته تجاهي، حاول قدر الإمكان تلطيف الأجواء بيننا عن طريق المزاح والدعابة التي لم تكن تخلو من نكت مضحكة، مدركاً- تماماً- أنا ما قمتُ به أمر طبيعي يصدر من كل البشر، وموقناً في الوقت نفسه أن الزمن كفيل بإعادة الأمور مجاريها الطبيعية.

شاءت الأقدار بعد مرور سنوات من الحادثة- التي كلما تذكرتها أتألم داخلياً، وأشعر بوخز الضمير- العمل مع الرجل ككاتب تقارير ومصور لمشروع إغاثة عاجلة نفذتها هيئته بالتنسيق مع الهيئة الإسلامية الخيرية العالمية في الكويت.

عاملني بطريقة حضارية فيها قدر كبير من الاحترام، كلما مرّ علي شريط ذكرياتي مع المرحوم، أتذكر قول النبي صلوات الله وسلامه عليه (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم) وكذلك قول الشاعر العربي:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهمو : فطالما استعبد الإنسان إحسان

أصبحنا أنا وصديقي ليبان أحمد شري – فيما بعد ساعداه الأيمن، كان لا يستغني عنا، ويوكل إلينا المهام الإغاثية، وإن كان صديقي ليبان يعمل معه مباشرةً ومنخرط في العمل الخيري، أما أنا فيطلب مني – أحياناً- كتابة خطابات رسميه موجهه إلى الجهات الخيرية الرسمية في الوطن العربي، وأحياناً كنتُ أسافر معه برفقة مندوب جمعية الهلال الأحمر الكويتي الأستاذ المحترم/ أحمد عبد الجبار النيباري لمراقبة سير أعمال مشاريع حفر الآبار في بونتلاند.

تقشف بعد تنعُّم

اتصف الراحل بحركة دؤوبة في مجال العمل الخيري، وجذوة متقدة لا تعرف الكلل ولا حتى الملل، يساهم في إقامة المؤسسات الخيرية، ويشارك مع الآخرين في مشروع خيري طموح يستفيد منه المجتمع ، يطرق أبواب السياسيين لإقناعهم في دعم المشاريع، ويتصل مع التجار لتبني مشاريع خيرية بحاجة إلى مبالغ تشغيلية.

كان يعرف جيداً تسويق المشاريع، ومن الصعب جداً شغل الفراغ الذي خلفه الرجل، فقد نذر حياته في العمل الخيري، جلّ تركيزه كان ينصب في تدشين مؤسسات خيرية خدمية تخفف من معاناة الشعب الصومالي المنكوب.

عاد عبد الشكور من مهجرة القسري في كندا بعد أن شعر بضرورة خدمة شعبه المنكوب بعد انهيار حكومتهم، وتهدم جميع المرافق معها- بما فيها قطاع العمل الخيري- اختار الراحل طريق العمل الخيري، وأسس فور وصوله إلى الصومال ” هيئة بونتلاند للرعاية الاجتماعية” وهي هيئة ترعى الأيتام والمعوزين في الصومال، وقد تخلى عن وظيفته في كندا، والتي كانت تدر عليه مبالغ هائلة بحكم خبرته في مجال الهندسة المدنية، كان يتقاضى من وظيفته سنوياً ما يقارب حوالي 200,000$ كما أخبرني بنفسه.. لكنه اختار العيش وسط شعبه، وخدمتهم عبر المشاريع الخيرية، وإن كلف ذلك ثمناً لحياته.

رسم لنفسه طريق التقشف والزهد، وهو قادر على الاستمرار في حياة الدعة والرفاهية ورغد العيش، لكن القلوب العامرة بالإيمان وأصحاب الهمم العالية، لا يعرفون بحبوحة الحياة، ولا يختارون الدنيا الفانية عن حياة الخلد في الآخرة.

العمل الخيري بالنسبة له كان واجباً الزمه بنفسه، اختارها طوعاً غير مكره، وإلا كان قد تخلى عنها، وأسس لنفسه شركة مقاولات أو مكتب استشارات هندسية، مع العلم أن المرحوم درس الهندسة المدنية في كل من: ليبيا (بنغازي) وكندا، ونال شهادة الماجستير في الهندسة المدنية، وشهادات مهنية في شركات النظم الأمريكية في كندا.

المجال السياسي بالنسبة له لم يكن ترفاً، أو وظيفه للارتزاق عكس المغتربين الصوماليين الذين تقاطروا على البلد، للحصول على المنصب، السياسية بالنسبة له ظلت داعماً حقيقياً لمشاريعه الخيرية، وخير دليل على ذلك جهوده الخيرية عندما كان مديراً لمكتب رئيس الوزراء الصومالي.

حلقة مفقودة

منذ عودته من المهجر ظل المرحوم حلقة الوصل بين الصومال والدول العربية، خاصة منطقة الخليج العربي، كان يدفع من جيبه الخاص رسوم تذاكر سفره إلى منطقة الخليج العربي، خاصة الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة؛ ليقينه الراسخ بأن المحسنين في هذه الدول يهتمون منطقة القرن الأفريقي.

خلال فترة وجيزة حقّق المرحوم إنجازات كثيرة في مجال العمل الخيري بفضل مساعدات الدول الخليجية، ساهم بصورة فاعلة مشروع إغاثة متضرري الجفاف في الصومال سنة 2011، كما أنه لعب دوراً محورياً في حفر الآبار ورعاية الأيتام والمعوزين، وكان معه في مشروع إغاثة المنكوبين الدكتور محمد علي فارح نائب وزير التربية والتعليم في مناطق بونتلاند، الذي وضع مع المرحوم لبنات المشاريع الخيرية في مناطق بونتلاند الصومالية.

علاقاته مع المحسنين ورؤساء الهيئات العربية كانت وطيدة جداً، لدرجة أنه أصبح محل ثقة الجميع،حرّر للهيئات التي عمل فيها تزكيات من جهات شتى كجمعية الإصلاح الاجتماعي وإحياء التراث الإسلامي وجمعية الهلال الأحمر ، وشخصيات خليجية من علماء ومحسنين، ولم أر شخصاً أقرب للعرب من عبد الشكور علمي، وبفقده الجلل نكون بحاجة إلى شخصية مثل المرحوم.

الدول العربية ومنطقة الخليج كانت بالنسبة له العمق الإستراتيجي، وصمام أمان الشعب الصومالي المسلم، على الرغم من قلة دعمهم؛ مقارنةً مع دعم الهيئات الغربية المُسيّس والهادف.

علاقاته مع الكوادر وكل رجال الخير في الصومال لم تقل عن علاقاته مع الدول الخليجية، نسّج خيوط علاقات واسعة مع كل الاتجاهات الفكرية في الصومال سلفية وإخوانية وغيرهم، ولعل استقلاليته من كل الالتزامات الفكرية هو السبب في ذلك، لم ينضم لأي من الجماعات الدينية في الصومال.

تدين الرجل لم يكن على الموضة الحركية الجديدة،ظلّ متمسكاً بتدينه الفطري المتوارث، باعتباره ابن بيئة صوفية نقية،أتذكر أن تفسير القرآن على المصحف وباللغة الصومالية لم يفارق حقيبته في الحل والترحال، اقتنى كتاب تفسير القرآن باللغة الصومالية للشيخ بابا رخيص من العاصمة السعودية الرياض، مع نسخة مترجمة من كتاب ” رحيق المختوم” لصفي الرحمن المباركفوري. وكان يقرأ كتابيْ التفسير والسيرة بعد صلاة الفجر من كل يوم.

 إنجازات عظيمة

لم يتجاوز الراحل 50 عاماً من العمر، ومع ذلك بصماته واضحة في مجال العمل الخيري في الصومال، منذ مجيئه إلى الصومال أسّس ” هيئة بونتلاند للرعاية الاجتماعية” وكان رئيس مجلس أمناء الهيئة الدكتور محمد علي فارح ثم بعدها أسّس المرحوم الهيئة الصومالية للإغاثة والتنمية.

قبل وفاته بأربع أيام عيّن رئيس إقليم بونتلاند عبد الولي محمد علي غاس لعبد الشكور محمود علمي رئيساً لهيئة بونتلاند للاستثمار والتنمية، كهيئة محلية تقوم بمهمة التنسيق والتعاون مع الهيئات والشركات الراغبة إلى استثمار مناطق بونتلاند كتوجه جديد للحكومة، بعد فرض أوامر لها للهيئات العاملة في المنطقة بضرورة دعم المشاريع التنموية، ووقف المشاريع العاجلة.

قبل سنوات اقترح المرحوم تأسيس ديوان للزكاة أسوةً بدواوين الزكاة في السودان وجيبوتي، كما أنه اقترح أيضاً تأسيس مظلة جامعة للهيئات والمنظمات العاملة في مناطق بونتلاند، اتصف بهمة ونشاط، وروح توّاقة إلى تحقيق إنجازات عظيمة.

رحل عن دنيانا وهو مشغول لإفطار الصائمين في مناطق بونتلاند، وقد وجد دعما من الحملة السعودية لإغاثة الشعب الصومالي، كما أنه كان يعكف لإعداد كتيب يجمع فيه الصور والتقارير وأنشطة هيئته، كجزء من تطوير العمل الخيري.

وداعاً يا فارس العمل الخيري في الصومال، رحمك الله، وأسكنك فسيح جناته مع النبيين والشهداء، لقد كنت صاحب قلب أبيض، لا يحقد أحداً، وداعاً إلى جنات الخلد.

3 تعليقات

  1. يارب اغفر وارحم عبدك وادخله جناتك الواسعات

  2. الله يرحمه ويغمد روحه الجنه ويصبركم ويصبر أهله يارب

%d مدونون معجبون بهذه: