في نقد مرحلة الصحوة

تحدثنا في مقال سابق ـ من الصحوة إلى اليقظة ـ أنه ومع احتكاك العالم الإسلامي المتخلف مع الغرب الحداثي حدثت صدمة هائلة في العقل المسلم أدت إلى انبثاق ثورة عارمة تستهدف إيقاظ العقل المسلم من سباته وذلك حتى يحصل التوازن المطلوب مع الآخر المتفوق بل ويتم تجاوزه، ومصطلح الصحوة الإسلامية يشير إلى تلك الثورة المباركة التي امتدت إلى عهد قريب، ومع كل المنجزات الموروثة عن هذه الثورة المباركة إلا أن مالا يمكن أن تخطئه العين هو أن المطلوب لم يحدث، وأن الهدف لم يكتمل، لهذا كان لزاما على العقلاء أن يبحثوا عن مكامن الخلل الخفية حتى يتم التوصل إلى حل مقنع يتجاوز المعضلة والمأزق الراهنين.

التعرف على المشكلة أولى مراحل الحل

في تحليلنا للمأزق الراهن يبدو للوهلة الأولى أن عندنا مشكلتان، المشكلة الرئيسية التي أدت إلى التحرك وهي مشكلة الآخر المتفوق، والمشكلة الفرعية التي حدثت من التحرك ذاته أي مشكلة المرحلة التي لم تؤد إلى المطلوب وإلى الهدف، فهناك مشكلة الآخر المتفوق، وهناك مشكلة تعثر الجهود في إنتاج الحلول المناسبة للمشكل الأول، هذا ما يبدو في الظاهر عند الوهلة الأولى ولكنه في العمق يظهر لك أن جوهر المشكلة واحد ولو كانت النتيجة متعددة، فوفقا للقاعدة المعروفة التي تقرر أن بداية أي حل لأية مشكلة يكمن في التعرف العميق للمشكلة ذاتها وفقا لهذه القاعدة يظهر لنا بوضوح أن أغلب الجهود المبذولة في مرحلة الصحوة لم تكن من أجل التعرف على المشكلة الرئيسية التي هي الآخر المتوفق وإنما كانت من أجل التصدي لهذا الآخر المتفوق، ولهذا كان طابع المرحلة التخندق في كهف المحافظة على الهوية والتصدي لكل الهجمات الشرسة القادمة من الآخر المتفوق.

 ومن أهم تلك الهجمات الهجمة الفكرية التي اصطلح على تسميتها بالغزو الفكري، ويبدو أن صيحة الفيلسوف المؤرخ والعالم الاجتماعي العربي الشهير ابن خلدون التي أطلقها في بدايات عصر الانحطاط والتي ذكر فيها أن الأمة المهزومة والمحتلة تحاكي وتقلد دائما أفكار وأفعال الغازي المسيطر المتفوق يبدو أن هذه الصيحة كانت مسيطرة على العقل اللاواعي العربي الإسلامي وخوفا من أن يحدث مثل هذا التقليد تخندقت الأمة في كهف المحافظة على الهوية وكهف التصدي لكل ما يتعلق بالآخر المتفوق وقطع أية علاقة معه، حتى ولو كانت هذه العلاقة علاقة تستهدف مجرد التعرف عليه لا محاكاته وتقليده.

ورغم أن جيل الطهطاوي الذي كان يمثل الجيل الأول للصحوة أدرك أهمية التعرف على الآخر و أولى بذلك بعض الاهتمام إلا أن الجيل الذي أعقبه انقلب على تلك المحاولة ليحول بذلك المعركة من معركة تفاعل وتآثر إلى معركة صراع وتخندق.

يبدو من هذا التحليل أن عدم التعرف على المشكلة الرئيسية شكل المقدمة الرئيسية لحدوث المشكلة الثانية التي هي تعثر المرحلة والمسيرة، وهذه هي نقطة الضعف الرئيسية المسجلة لمرحلة الصحوة، والمخرج يكمن في التعامل مع الآخر كحقيقة موجودة ومؤثرة في الواقع لا يمكن التغافل عنها بأية حال.

الاستيعاب شرط التجاوز

ليكن هذا شعار المرحلة إذا، فبدلا من التخندق والتقوقع على الذات وعلى التراث يجب الانفتاح على الآخر بغية التعرف عليه ومن ثم التجاوز عليه، ولا يستلزم عن هذا الانفتاح الانبهار والتقليد نعم قد ينشأ عنه ولكنه ليس النتيجة الحتمية الوحيدة لهذا الإقدام.

على الجيل الحالي أن ينجز المهمة إذا ـ مهمة الاستيعاب والتجاوز ـ وهي مهمة ليست باليسيرة ولا بالمستحيلة، وهناك بعض البدايات التي قد تنير الطريق وتساعد على الإقدام، ويمكن أن نذكر في هذا الصدد أعمال المفكر البارز العلم عبد الوهاب المسيري رحمة الله عليه، وهي أعمال تخطت محاولة الاستيعاب لتقارب التجاوز، هذه الأعمال يمكن أن تشكل الزاد الضروري والمهم لكل من يريد خوض مثل هكذا الرحلة.

تعليق واحد

  1. مقال رائع جدا ونشكرك عل الجهود المبذوله

%d مدونون معجبون بهذه: