العلمانيون الصوماليون… خطر قابل للاشتعال (4)

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده:-

يتجدد اللقاء مع سلسلة المقالات التي أحاول فيها توضيح حقيقة الإسلام وبيان شبهات اللادينيين ونحن في شهر رمضان المبارك، نسأل الله أن يتقبل صالح الأعمال وأن يُعِيد الأمة إلى رشدها. ونُعود مرة أخرى مع اندلاع حربٍ صهيونية بالقصف والاعتداء الغاشم على أهلنا في غزة وكان يجب أن نخصص لها الأسطر والكلمات بل أن نضحّي النفوس والأموال من أجلها ولكن ضعُف الطالب والمطلوب عندما تركت الأمّة دينها ورأت كل صالح فيها طالحاً ولا حول ولا قوة إلا بالله.

في المجموعات السابقة تناولنا بعض الشبهات وبعض قضايا اللادينيين أو الديمقراطيين-سميهم ما شئت- رغم أننا لم نعطِ المواضيع ثقلها بحيث لا يمكن أن تُختصَر في مقال أو مقالين، وفي هذا المقال-بإذن الله- سنختتم هذه المجموعة ببيان حقيقة الإسلام في نظام العقوبات وتناول دعاوى حرية القول.

نظام العقوبات في الإسلام بين الحقيقة والإتهام

يقول العلمانيون الصوماليون-كما حال إخوانهم العرب- ” لا يمكن في هذا العصر تطبيق تلك القوانين التي طُبّقَت في الصحراء!! ولا يمكن أن نرجع إلى قطع الأيادي والرجم بالحجارة” تُرى أي عصرٍ يعيشه هؤلاء؟؟ وأي نظام أو قانون يتحدثون؟؟

نظام العقوبات في الإسلام هو أحد الأنظمة المنبثقة من الشرع الإسلامي وهو جزء لا يتجزأ عن باقي أنظمة النظام الإسلامي-على مختلف مجالاتها-، فالجريمة التي تستوجب العقاب إمّا أن تكون تعدّياً على البدن (الجنايات) مما يوجب قصاصاً أو مالاً أو عفواً، أو تعدّياً على حدود الله مما يوجب عقوبات مقدّرة شرعاً هي الحدود كحد الزنا والسرقة والردّة، أو تعدّياً على جنس الحدود ونوعها مما يوجب عقوبة التعزيز كالتعدي على عرض الإنسان وماله، أو غير ذلك.

إنّ النظام الرأسمالي والشيوعي على طرفين متناقضين فيما يتعلق بنظام العقوبات، فالأول يرى أنّ الفرد يتأثر بالمجتمع من حوله ويستقي سلوكياته من الواقع الذي يعيشه تماماً وبالتالي يسعى إلى تخفيف العقوبة إلى أدنى حدّ على حساب المجتمع خاصة في الجوانب الخُلقية، بينما الثاني يرى أنّ ارتكاب الجريمة يكون نتاجاً للواقع الاقتصادي المرير أو المختل فبالتالي لا يُعاقب الفرد إذا كان في ظل أنظمة اقتصادية مختلة ; من هنا نستطيع أن نقول أنّ الإسلام جاء بنظام العقوبات الذي راعى جوانب الفرد والمجتمع على حد سواء. يقول تبارك وتعالى: ( وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً…). لا أقصد طبعاً من ذلك أن أقارن تلك الأنظمة بالنظام الربّاني، وإنما ليقيني التام على أنّ من يهتف اليوم بشعارات العلمانية أو الديمقراطية ليسوا إلّا ولداء النظام الشيوعي وحدثاء العهد بالنظام الرأسمالي.

يقرر الإسلام عقوباتٍ رادعة تراعي حقوق المعتدي والمعتدى عليه مع غلبة مصلحة المجتمع على مصلحة الفرد عند التعارض، وتبدو هذه العقوبات لمن أخذها أخذاً سطحياً بدون دراسة أو تفكير قاسيةً غليظة كما هو حال العلمانيين الذين لا يعرفون من الإسلام إلّا اسمه ولا من العقوبات سوى ما سمعوه من اتهامات من أقرانهم، تتهم بدون سلطان أو برهان. أتعلمون أيها اللادينيون أنّ الإسلام لا يطبّق هذه العقوبات الرادعة حتى يضمن أن الفرد الذي ارتكب الجريمة قد ارتكبها دون مبرر أو شبهة اضطرار؟؟!! فهو يقرر مثلاً قطع يد السارق إذا لم تنشأ السرقة من جوع، ويقرر رجم الزاني والزانية إذا كانا محصنين وشهد عليهما أربعة شهودٍ بالرؤية القاطعة، وهكذا في باقي العقوبات كان الإسلام دائما الوسط لأنّه شريعة ومنهاج أنزله الله ليكون هدايةً للبشر، أفمن يهدي أحق أن يُتبع أمّن لا يَهدّي؟!!

إن الفرد حينما يرتكب جرماً يُوجب العقوبة فهو إما أن يكون فعله نتيجة للواقع الاقتصادي الذي يعيشه أو نتيجة للانحلال الخلقي والاجتماعي في المجتمع الذي يعيش فيه أو يكون تعدّيا أنانياً بالمرة، ولذلك قام الإسلام بوقاية المجتمع من الأسباب التي تؤدي إلى ارتكاب الجريمة فأوجب توزيع الثروة توزيعاً عادلاً، وجعل واجباً على الدولة كفالة كل فرد بصرف النظر عن مكوّناته السلوكية، وبذلك يكون قد منع الدوافع الاقتصادية التي قد تؤدي إلى وقوع الجريمة ; ومن ناحية أخرى، اعترف الإسلام بقوة الدافع الجنسي وحاجة البشر إليه ولكن يعمل على إشباع ذلك بالدعوة إلى الزواج المبكر وإعانة المتزوج من بيت مال المسلمين إن كان عاجزاً، كما يمنع وسائل انتشار الفتنة وإثارة الشهوات في المجتمع الإسلامي. يقول الأستاذ محمد قطب: “وأول ما يتبادر إلى الذهن هو أن الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والخلقية الموجودة اليوم،كلها تباعد بين الشباب وبين الزواج،وتقرب بينهم وبين الجريمة.وذلك صحيح.والإسلام ينبغي أن يؤخذ كله وإلا فهو غير مسؤول عن انحرافات الجاهلية.وحين يحكم الإسلام فلن تكون هذه المثيرات الجنونية التي تدفع الشباب دفعاً إلى الهبوط. لن تكون السينما العارية والصحافة الخليعة والأغاني المبتذلة والفتنة الهائجة في الطريق.ولن يكون الفقر الذي يمنع الناس من الزواج.وعندئذ فقط يطالب الناس بالفضيلة وهم قادرون عليها وتوقع عليهم العقوبة وهم غير معذورين”(1)

ولذلك عندما يكون المجتمع المسلم خالياً من الخلل يصبح الأمر هيّناً، فالذي يرتكب السرقة مثلا بدون مبرر يستحق أن تُقطع يده حتى لا يعود إلى ذلك ويكون عبرةً لمن تحدّثه نفسه بالسرقة. نعم هذا هو التشريع الإلهي فإن كنت معارضاً أو غير راض عنه فلا تجادلْني ولا تتهمني بالتشدد وجادل من سنّ ذلك لحكمةٍ يعلمها ولأمر لا يكون إلا لسداد ومصلحة المجتمع، وإن كنت مؤمناً فما عندك الخيرة من أمرك!!! علاوةً على ذلك أيعلم هؤلاء اللادينيون أنّ فقيه الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يُنفّذ حد السرقة عام الجوع-عام الرمادة- لاضطرار بعض الناس للسرقة بسبب الجوع؟!! لقول النبي صلى الله عليه وسلّم: إدرأوا الحدود بالشبهات. بل أيعلمون أنّ حد السرقة مثلا لم ينفذ إلا ست مرات قرابة أربعمائة سنةٍ سادت فيها الدولة الإسلامية؟؟!!

من الواضح أنّ الحرب والغزو الإعلامي اللاديني على الأمة ليست مهمته أن يحافظ على الإنسان مما يسميه “العقوبات الغليظة” التي يفرضها الإسلام، ولكن الهدف واضح ومعروف وهو هدم مبادئ الإسلام وخلخلة المجتمع الإسلامي حتى لا تقوم له قائمة، وهؤلاء بالفعل ينفّذون أجندات ليسوا على علمٍ بها، وإنما تأثروا بالشعارات البراقة التي ينادي بها الغرب اللاديني نتيجة لتجربته مع سلطة رجال الدين في أوروبا، فنسأل الله لهم الهداية والرشد.

هل يصلح للواقع ما صلح لعصر النبوة والخلافة؟؟!!!

يقولون اللادينيون “أنّ الشريعة ثابتة والحياة متطورة والثابت لا يفي بمتطلبات المتطور ومن ثم كان لا بدّ من إيجاد نظام آخر يتواكب مع التغيرات مع الاحتفاظ للدين بدائرة التوجيه الروحي” وهذه الشبهة لا يطرحها إنسان مسلم في رأيي فبدل أن نردّ عليه ينبغي أن نعرّفه بالإسلام وقدر الله، فالذي يتهم الشريعة الإسلامية أنها لا تصلح للواقع فإنما يتهم أن واضعها لم يراع ذلك مما يدلّ على القصور تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

أرى أن ادعاءهم هذا ينبني على فرضيتين خاطئتين هما:-

  • الشريعة ثابتة بمعنى أنها أحكام جامدة لا تقبل المرونة ومحدودة لا تقبل التوسع.
  • الحياة البشرية متطورة لا ثابت فيها على الإطلاق.

والتصور الإسلامي لا يقرّ الثبات المطلق ولا التطور المطلق بل ينفرد بأن الحركة داخل إطار ثابت ومحور ثابت، وهذا هو قانون سيرة الحياة الذي انفرد باعتباره النظام الإسلامي (2) فشريعة الإسلام لها ثوابت وأعطت المرونة في بعض الأشياء، ويمكن تصنيف ذلك على ثلاثة أقسام رئيسية (3):

1: جوانب ثابتة ومتعلّقة بحقيقة الإنسان ذاته لا تتغير ولا تتبدل على الإطلاق كالشعائر التعبّدية من صلاة وصيام وغير ذلك، والمحرّمات كالزنا والخمر.

2: جوانب ثابتة الهدف والجوهر ولكن متجددة الوسائل والأساليب كنوع الحكم حيث يقوم الحكم على أصول مثل الحكم بما أنزل الله، مراعاة الشورى وجلب المصالح ودرء المفاسد، وتُترك التفصيلات بعد ذلك إلى اجتهاد الأمّة كتنظيم الولايات والقضاء وتحديد المصلحة والمفسدة ; وكذلك الحال في الاقتصاد وبقية المجالات المماثلة.

3: الأمور الدنيوية المحضة، وهي متروكة للجهد البشري مثل العمارة والصناعة والزراعة.

فيا أيها اللادينيون أي نظام تريدونه غير هذا؟! أتريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؟؟ أتريدون نظاما بلا ردع كما هو حال الأنظمة المُلحِدة ليكون النتاج تفككا أسريا ومعدلات جريمة تفوق 100 حالة قتل كما في بعض الدول الغربية؟؟! بالله عليكم فقط أعطونا مثل ذلك القانون الإسلامي وأتوا بنظام من مثله إن كنتم صادقين، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فكفوا عن المجتمع الإسلامي الأفكار التي تستوردونها بدون مراجعة أو تدقيق، وحرّروا عقولكم من التبعية والإمّعة العمياء، فعلى الأقل هاتوا نظاما من صنعكم ولن تأتون به!!!

حرّية الفكر والتعبير أم حرية الإلحاد!!!

قضية “حرّية الفكر” بدأت في أوروبا- يعني تاريخيا- بعد تحرّرها من السلطة الكنسية التي سبق الحديث عنها في المقالات السابقة وما كانت تفرضه على الناس من إتاوات وضرائب بحكم “سلطان السماء” كذباً وبهتاناً، وخنقها لحركة العلم والعلماء، مما جعل الأوروبيين ينفرون عن الدين ويطالبون بحرية الفكر!!! فحرية الفكر عندما بدأت إنما كانت في حقيقتها حرية الإلحاد!! ثم تطورت ليقول معتقدوها “بإيمان الطبيعة” و”الدين أفيون الشعوب” وأن الإنسان لا بد أن يتحرّر من المفاهيم الدينية حتى يكسر حدود الفكر والإبداع!!! وفي واقعنا المعاصر يدعي العلمانيون أو الديمقراطيون بضرورة حرية الفكر والتعبير وطبعاً يطبقون ذلك فقط على الشعوب المسلمة وإلّا فلينظروا إلى واقع دول الغرب، من الذي أسقط الإمارات الإسلامية في مختلف مناطق العالم الإسلامي بحجة الإرهاب رغم أنها كانت تحظى بدعم الأغلبية؟؟ إذا كنتم بالفعل منصفين بأفكاركم الحرة! فنددوا بذلك، أم أنّ فكركم حر عن الإسلام فقط؟؟!!

أتطلقون انتهاك أعراض المسلمين والتكلم في حدود الله وفي الله حرية فكرٍ وتعبير؟؟! بل وفي أحداث غزة التي نشهدها هذه الأيام لم يستطع بعض هؤلاء أن يقولوا عليه عدواناً بل دفاع عن النفس ما دامت أمريكا تقول هكذا، وبعض آخر استفاد ذلك للطعن في علماء المسلمين، اختلت الموازين وغابت البراهين وذهب العقل مع ريح صرصرٍ عاتية! نحن في الإسلام أفكارنا حرة ولنا حرية التعبير في حدود ما أجازه الله للمخلوق فهل لكم من كلام منطقي بدل سرد القصص واتهام الناس بالباطل؟! بل بعيداً عن ذلك، من خلقكم؟!! من الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً؟؟!! من الذي يرزقكم؟؟؟!! أليس له الحق في أن ينزل لكم كتاباً تحكمونه فيما بينكم؟!! أم حالكم كحال العبد الذي تمرّد على مولاه؟!! مثلكم كمثل الذي يستخدم دليل الثلاجة لصيانة التلفزيون!!!

كلمة أخيرة

إلى كل من تحدّثهم نفوسهم بفكر لا ديني، أقول لهم: كفاكم، فوالله إن فهمتهم الإسلام على حقيقته لما تأثرتم بالغزو الفكري، ولما انهزمتم بالدعوات البراقة التي تحمل في باطنها الكفر والضلال. ويا أيها اللادينيون الصوماليون لا تفسروا الإسلام وأحكامه في ظل ميزان التجربة الغربية فإن الواقع مختلف تماماً. أطالبكم فقط أن تنظروا إلى الأمور بمنظاركم الخاص لا بذاك الذي استوردتموه، نحن في الإسلام لنا دينٌ يحكمنا، وثقافة تضبط تصرفاتنا أرادها الله سبحانه وتعالى أن تكون منهاجاً لنا فإن لم ترضوا بحكم الله والنظام الذي جعله شرعة للبشر فاذهبوا إلى مجتمع غير مجتمعنا الإسلامي، فنحن نقول لكم كما قال الشاعر:

تهون الحياة وكل يهون  *   ولكنّ إسلامنا لن يهون

وأخيراً أعتذر عن التقصير في تناول الموضوعات إذ كانت تحتاج إلى كتب وآلاف من المقالات ولكن حاولت فقط أن أنبّه الغافلين لحقيقة الإسلام وفي ما فيه خير الأنام.

فما جاء في هذه المقالات من صواب فمن الله، وما جاء فيها من خطأ فمني ومن الشيطان.

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،،،،،

 …………………………………………………………………….

الهوامش

1: راجع باب “الإسلام والعقوبات” من كتاب شبهات حول الإسلام” لمحمد قطب رحمه الله

2: راجع كتاب “خصائص التصور الإسلامي ومقوماته” لسيد قطب رحمه الله

3: راجع كتاب “العلمانية” لسفر بن عبدالرحمن الحوالي

2 تعليقان

  1. بارك الله فيك اخي خالد وهدانا جميعا‘ لا أريد أن أعيد الكلام ولكن العلمانية في أساسها تعارض شريعة الإسلام كما حال الشيوعية وغيرها من الأنظمة البشرية.

  2. رمضان كريم أخي سعيد أحمد صلب, أطلعت على مقالاتك الأربعة بشأن العلمانيون الصوماليون…خطر قابل للاشتعال, وكنت أود مشاركتك والتعقيب ولكني لسببين أحجمت عن ذلك الأول الانشغال إلى حدا ما,والثاني هو عملا بالمثل المقدشاوي Caqliigaga oo bata macarifadada yararta , ولكني أقول أن العلمانية المعتدلة حاجة ماسة يحتاجها المجتمع الصومالي وليس له فكاك عنها, والفقه الاسلامي الذي أشرت له في محطات عديدة من مقالتك, هو محصلة علمانية وان حسب على الفكر الديني ولكونه فكر انساني لعلماء الأمة الاسلامية وغير منزل.

    أما العلمانيين الصوماليين فمنهم المغالطين والذين لا يدركون ما يريدون وعدم الادراك ذاته ينطبق على كثير من أبناء الفرق الاسلامية الصومالية.

    شخصيا أتفق وأختلف معك في العديد مما ورد في مقالاتك, واؤكد أن كل مسلم صومالي في المحصلة بعلماني, نعم علماني, أنطلاقا من أن كل مسلم صومالي لا يتبع الاسلام حرفيا وفي ظل أتباعه أهوائه الشخصية, وذلك أحد أهم مضامين العلمانية والاحتكام إلى الشان الدنيوي, أكان في ظل تنحية الدين أو عدم تنحيته, والعلمانية في الصومال في اعتقادي الشخصي يمكن ان تتعايش مع الاسلام وهذا ينطبق بدوره على الدين أيضا, المهم هو الابتعاد عن حالة التخندق الايديولوجي بين الصوماليين.

%d مدونون معجبون بهذه: