حركات …. انتهى عصر الحركات!!

هل ما زلت أخي الكريم تؤمن بأن المستقبل وربما الحاضر للحركات.. إسلامية كانت أو علمانية؟، أولم يتحقق لديك أخي الكريم أن الحركات الشمولية بنت الأيدلوجيا وأن الأيدلوجيا منظومة أفكار مترابطة وشمولية تدّعي وتنظّر للحل الشامل ومن ثم تسعى للهيمنة، وأنها أي الأيدلوجيا تنتج التماثل والتقليد بينما الحضارة علم ومعرفة وأن العلم ابن الوعي وأن الوعي ينتج الفردانية والاستقلال، وأنه لا حضارة بدون علم، ولا علم بدون وعي، ولا أيدلوجيا في ظل وعي، ولا وعي في ظل أيدلوجيا؟، أو ما عرفت أن أكبر حركتين في العالم الحالي ــ إحداهما يهودية والأخرى إسلامية ـ لا يوجد في تاريخ عمرهما المديد عالم واحد حقيقي ساهم في افتتاح عصر جديد للبشرية؟، أولم تلاحظ أن غيرنا ينهض بالعلم والمعرفة بينما نحن نجيد الكلام المنمق والتنظير الفارغ الذي لا طائل وراءه ولا تحته.

 أخي الكريم ثبت في الواقع عبر التاريخ أن التقدم ابن العلم وأن العلم ضد الأيدلوجيا، الأيدلوجيا يقين والعلم شك، الأيدلوجيا مطلقات والعلم نسبي، الأيدلوجيا كلام والعلم تجربة، الأيدلوجيا شمول والعلم جزئي، الأيدلوجيا تأكيد والعلم نقد، الأيدلوجيا تقليد والعلم إبداع.

 إن من حرك تاريخ البشرية هم الأنبياء والعلماء وكلاهما لم يأت بأيدلوجيا، أتو بالوحي الرباني والعلم الإنساني، الأيدلوجيا ضيف ثقيل على البشرية فلاهي وحي ثابت ولاهي علم مجرب بل هي بنت الأوهام، وهي البضاعة الرائجة لمن قطعت بهم السبل، لتعلم حقيقة مفادها “أن تسعة أعشار الحضارة علم والباقي قيم تنشأ من الثقافة السابقة للأيدلوجيا التي هي الشخصية الطبيعية للمجتمع بينما الأيدلوجيا أفكار الحركة الغريبة عن المجتمع”

 إن القيم بطبيعتها فطرة مغروسة في أعماق الإنسان ولا تحتاج إلى إنشاء، فقط تحتاج إلى توفير الواقع المناسب الذي يمكن أن تظهر فيه بسلاسة وبغير تكلف، هذا الواقع يوفره العلم، لقد صدق ملك أسبانيا حين أكد للمنظّرين والمتكلفين الدّاعين للديمقراطية في بلاده أن الديمقراطية ستنشأ في بلاده بسلاسة تلقائية حين يصل معدل الدخل الشهري للمواطن الإسباني إلى الرقم المناسب ليقرر بذلك حقيقة احتياج القيم إلى توفير البيئة المناسبة والداعمة لها.

 ان مئات الأيدلوجيا التي مرت بالعالم لم تنشئ وليس باستطاعتها أن تنشئ قيمة واحدة ولا معرفة واحدة للبشرية، القيم مركوزة في أعماق الإنسان ولا تحتاج إلى تنظير، فقط تحتاج إلى توفير واقعها المناسب، ولتعلم كذلك أنه وبتقريرنا لهذه الحقيقة ـ القيم فطرية ـ نقرر بالطبع أن الثقافة الإنسانية تجاه القيم واحدة.

 إن القيم الكبرى للإنسانية ليست قيما شرقية ولا هي غربية، إن قيما مثل الحرية والعدالة والمساواة ليست قيما تملكها ثقافة ما وإنما هي قيم إنسانية عالمية، وإذا عرفت أن الحضارة علم وقيم وعرفت كذلك أن العلم يسبق القيمة ويمهد لها، وعرفت كذلك أن الأيدلوجيا تمثل أكبرعائق لانبثاق العلم ــ لادعائها الحل الشامل الذي لن يدع بعدها أية مساحة لظهور العلم في ظل هذا اليقين ــ ومن ثم لانبثاق القيم ؛ فما المبرر الذي يبقى بعدها للحركات؟ ماذا في جعبة الحركات غير تلك الأيدلوجيات؟ هل هنالك علم حركي أو قيمة حركية ؟ كلا وألف كلا، انهم يكذبون عليك حين يؤكدون لك مرارا وتكرار أن أيدلوجية ما سائدة في الحضارة البشرية الحالية وأنهم يجتهدون من أجل إنتاج البديل المنافس لهذه الأيدلوجيا.

الحضارة البشرية الحالية وليدة العلم وليست وليدة الأيدلوجيا، والعلم هو العلم في كل مكان ولا بديل للعلم، مجتمعاتنا تفتقر وتحتاج لاستبطان العلم والمعرفة، ولا استبطان للعلم والمعرفة بدون نبذ الأيدلوجيا، إن العلم في تاريخه لم يكن ابن التقليد ولا ابن الجماعة، العلم في تاريخه ابن الإبداع والإبداع تفرد وتمرد واستقلال، لتخرج من الصندوق المغلق للحركات ــ الذي لا يوجد فيه سوى الكلام المنمق الذي يسمونه فكرا، والواقع ماهو إلا تبرير للعجز والفشل ــ لتخرج من هذا الصندوق ولتبحث عن الوعي، أخي الكريم الكلام الذي نؤكده هنا حقيقة يساندها الواقع عند البعض، أما عند الحركات فهو هذيان وكلام فارغ، وما السبب في ذلك سوى أنه يُظهر خداعهم المستمر وتغيبهم المتعمد للعقول، هذه نصيحة لله من أخ لك كريم “ابحث عن الوعي والمعرفة ولتدع ولتفارق الأيدلوجيا”

تنبيه:- ما نقصده بالحركات هنا هو أي تنظيم يدّعي امتلاك الحل الشامل لكل مجالات الحياة “أيدلوجيا” ومن ثم يسعى للهيمنة على كل هذه المجالات في المجتمع ــ بكتل بشرية طبعت وأشربت في قلوبها حب تلك الأيدلوجيا ــ وذلك من أجل تطبيق هذا الحل الشامل.

3 تعليقات

  1. يا زميلنا في الكتابة أبعدت النجعة وذهبت بعيدا إلى حكاية الأيدلوجيا ( تعابير اشتراكية) والعلم ( والعلم في مفهوم الحضارة الغربية هو نقيض الغيب- الميتافيزيقيا- ومن بنات أفكار أصحاب المدرسة الوضعية مثل ديكارت الفرنسي وغيره،،،) وظاهرة التجمعات الدينية تطرأ بين المسلمين مادام هناك إسلام ومسلمون لأسباب ناشئة من النصوص نفسها ومن اختلاف واقع المجتمعات وأعرافها، وبسبب الظروف السلمية والحربية ،، وغيرها… ولم تتوقف في عالمنا الإسلامي منذ عهد الصحابة حيث تشكل فكر الخوارج والشيعة والخط العام ( أهل السنة والجماعة تمييزا لهم عن الخطوط الفرعية) ثم ظهرت المدارس الفقهية واللوبيات الأخرى ( المعتزلة،، الأشعرية، أهل الحديث) ثم ما زالت الحركات الجهادية والتجديدية والصوفية تظهر بين الفينة والأخرى وبأثواب متجددة وطبعات متتالية…فهل تدعي أن التقدم في المجال العلمي ( الطبيعي البحت) والارتقاء في التصنيع والتكنولوجيا كل ذلك سيمهد لانمحاء الأيدلوجيا ( مثل الإخوان المسلمين والسلفية والصوفية والتبليغ) لو قلت: يمكن زوال تلك المسميات الحالية مع إمكان تكررها في أثواب اخرى ، وأسماء أخرى لأن كثيرا من الأسماء الشائعة التي تملأ فضاء الإعلام لم تكن لها وجود قبل قرن تقريبا مثل ( الإخوان المسلمون) وكثير من الأحزاب الأخرى….لكان هذا مقبولا…وأيضا فإن تلك الحركات الأيدلوجية لم تنته في الغرب الذي عبد فترة العلم المادي ثم أخذ الخط في التراجع

  2. في الحقيقه مقالك أكثررر من رائع مشكووور عل الجهود يا عبدالله

  3. ما أروع المقال شكر لك يا شيخ عبد الله أجاس و جزيت خيرا و كثر الله من أمثالك

%d مدونون معجبون بهذه: