موائد الإفطار الرمضانية في السودان

يمتاز شهر رمضان الكريم بأنه شهر التكافل والتضامن والوحدة والتآزر والتعاضد بين جميع المسلمين ، شهر يسعى كل مسلم إلى إعطائه حقه ، وتأدية الصوم فيه بأفضل طريقة ممكنة.

وفي هذا الشهر العزيز تكثر الصدقات ، ويسعى الإنسان المسلم إلى الإنفاق حتى تضاعف له الدرجات ويحصل على الأجر العظيم.

وتختلف عادات الشعوب الإسلامية في كيفية استقبالها لهذا الشهر الكريم ، وتبرز فيه عادات وتقاليد ترسخت لدى أذهان كل قطر من أقطار المسلمين.

شاءت الأقدار أن اكون طالبا في وطن السودان الحبيب ، الوطن العزيز على الصوماليين جميعا ، الوطن الذي احتضنهم وفتح الأبواب لهم .

وقد لفتت انتباهي العادات الطيبة التي يمتاز بها السودانيون ،ومن بينها عادة مائدة الإفطار الرمضانية أو ما يسميه السودانيون بعادة (الضرا).

وهذه العادة تتجسد في الإفطار الجماعي لسكان الحي وخاصة الرجال منهم والمارين عليهم، حيث أن أماكن التجمع مختلفة تحرص على هذا الإفطار الجماعي ، سواء كانت في بيت كل سوداني أو في الأماكن العامة مثل المساجد والطرقات. في جميع الأحياء السودانية هناك مكان مخصص لمثل هذه الإفطارات الجماعية ، وهذه الإفطارات الجماعية ليست من رعاية جمعيات خيرية متخصصة أو شركات ، بل هي من سكان الحي القاطنين فيها ، وهي صورة مستمرة في جميع أيام هذا الشهر الفضيل.

عند اقتراب موعد الإفطار وقبل آذان صلاة المغرب يبرز رجال الأسر السودانية خارج المنازل والى أماكن الإفطار الجماعي يحملون معهم المأكولات والمشروبات البلدية ـــ كل باستطاعته ــــ وبأطعمة أهل السودان المختلفة مثل العصيدة ، والطعمية ، وملاح الروب ، البليلة ، التقلية ، البامية ، وبأنواع المشروبات مثل الكركدي والعرديب وحلو مر ، فترى الرجال يحملون على أكتفاهم الأطعمة التي صنعت في بيوتهم للمجيء بها إلى خارج المنزل وإلى الأماكن العامة ، كل هذا حبا لإفطار الصائمين والمشاركة مع الجميع في هذا الإفطار الجماعي ، ويجيء شباب الحي حيث يفرشون البساطات في هذه الأماكن حتى يتمكن الصائمون من الجلوس عليها .

وفي هذا الجو الكريم يفطر جميع الصائمين بمختلف درجاتهم لا فرق بين غنيهم وفقيرهم ، مشهد عظيم ترى فيه مساواة الناس جميعا خلال هذا الشهر الفضيل.

في عام 2012م تمكنت من الخروج إلى خارج عاصمة الخرطوم وذلك ضمن القوافل الدعوية التي تسيرها جامعة إفريقيا العالمية ، وذهبنا إلى مدينة جياد الصناعية في ولاية الجزيرة.

في مدينة جياد العظيمة تعرفت على هذه العادة الطيبة وتعايشت مع الأخوة السودانيين وشاركت معهم ، حيث كنا مجموعة من الطلبة تسكن في مكان معين من المدينة ، وقد كان سكان هذه المدينة يتسابقون إلينا، كل يريد إفطارنا في يوم من أيام هذا الشهر العزيز .

وفي بعض الأيام كان لنا مكان معين نشترك مع سكان المدينة في هذه المائدة الرمضانية ، حيث كان المشهد عظيما ، تحس فيه بالتآلف و حب الأخوة السودانيين فيما بينهم وحرصهم على المشاركة في هذه المائدة الرمضانية ، وحبهم للجميع بالمشاركة معهم ، وبما أن المدينة تقع على الشارع الرئيس الذي يربط الخرطوم بالمدن الأخرى ، كان بعض الأخوة يقفون على الشارع الرئيس لتوقيف المارة في هذا الطريق ودعوتهم إلى مشاركتنا معنا في هذا الإفطار ، كانوا يوقفون العربات والسيارات التي تمر على هذا الطريق ، مشددين عليهم للمشاركة معهم في الإفطار الجماعي.

هؤلاء الأخوة الذي كانوا يقفون على الشارع الرئيس لم يكونوا يفطرون كما نفطر نحن، بل كانوا هم حريصين على مشاركة المسافرين معنا في هذا الإفطار ، يبذلون كل جهدهم لإقناع هؤلاء المارة بالمشاركة في الإفطار الجماعي، وبعد هذا الإفطار الجماعي يصلي الناس صلاة المغرب ، وبعد الصلاة يشربون القهوة والجبنة .

ما أطيب الشعب السوداني… ما أطيب عاداته … ما أطيب ثقافته الأصيلة والمحبة للتكافل والتعاون.

بكل تأكيد أثرتني هذه العادة الطيبة والتي تقوم على مبدأ التكافل والتحاب والإيثار ، فالناس جميعهم سعداء كل السعادة خلال هذا الشهر الكريم ، حيث يجتمع الناس جميعا خلال هذا الشهر في هذه الإفطارات والموائد الرمضانية ، ويشتهر أهل السودان بحبهم للونسة أو المحادثات ، حيث يتبادلون الأخبار ويتعارفون فيما بينهم.

أرى أن السودانيين طبقوا الشعار الرئيس لهذا الشهر الفضيل ، وهو مبدأ التكافل بين المسلمين جميعا ، وقد حث الإسلام على الحرص على إفطار الصائمين ، ووعد لمن يعمل بهذا العمل الأجر الجزيل والثواب العظيم ، يقول صلى الله عليه وسلم (من فطر صائما كان له مثل أجرة ، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء).

%d مدونون معجبون بهذه: