الرحيل نحو المجهول (3-4)

 وصلت المدينة حين رسم الأصيل لونه القرمزي على جبين السماء، وشفق المغيب نثر على الأفق جمالا وبهاء كغانية رومية تتبختر على البلاط البيزنطي الوادع في وسط الإمبراطورية القيصرية، كنت منهكا للغاية بطول الطريق ومشقته، والتفكير المضني الذي صاحبني منذ بداية الرحلة في أعتاب مدينتنا العريقة، وكانت تتسابق إلي وجداني أفكارا جنونية، وخلجات متناقضة، وتصورات غريبة للمدينة ونمط حياتها، والواقع المغاير، والبيئة الجديدة التي تنتظرني وأتساءل: تُرى ماذا يمكن أن تكون المدينة؟ وكيف تستقبل المدينة شخصية غامضة ومبهمة مثلي، لا تحمل سوى الذكريات الأيقونية وأملا كبيرا تداعب حدقاته، ويقينا قويا بأن الأفضل قادم لا محالة، وأن فجرا مشرقا قد دقّ الباب هذه المرة وبطريقة غير تقليدية. حقيقية كانت أسئلتي في محلها وتخميني في مكانه، حيث كانت المدينة تحتضن الأوكار الإجرامية الأشهر في البلد، ومجتمعا متحضّرا يختلف عن بيئتي الريفية ومدينتي الصغيرة التي كان جميع سكانها يعرف بعضه البعض، كما كانت المدينة تعج بمتناقضات فكرية وأنثروبولوجية ومعيشية، ومجتمع مجهول لا أعرفه ولا يعرفني.

 وعندما توقف القطار في محطته الأخيرة كان التعب قد أغرز أنياب ماكينته المؤلمة على جسدي، وبدأ يحطن كل خيط وعصب من جسمي، ورغم ذلك لم ينل شئيا من عزيمتي، حيث الرغبة المتوحشة ورابطا غير مرئيا من الشوق والمغامرة الجرئية وحب الفضول والاستطلاع، كان يربطني إلي المدينة التي لا تنام، بل تنتصب شامخة وسط الكثبان الرملية المتاخمة لعنفوان الطبيعة وصخبها الهادر. نزلت عن القطار وفي سككه المتقاطعة جلست مقعدا على يمين الشارع مصنوعا من العيدان العجفاء المربوطة مع بعضها، انتظرت ربع ساعة من الزمن رشفت فيها القهوة على عجل وتحت وقع أنغام الزحمة وهدير المسافرين الغادين والرائحين، ولكن لم أجد التاكسي التي تقلني إلي الفندق،! فمشيت إلي الجهة الغربية التي كانت تقع محطة للسيارات حسب ما قال لي شخص سألته عن المحطة، وصلت المحطة بعد عشرين دقيقة قطعت فيها متأملا ومفكرا. ركبت سيّارة التاكسي أمام الميدان الرئيس للمدينة، وعلى يمين المستشفي العسكري للسلاح الطبي، ذاك المبني الفخم الذي لم أر في حياتي مبني أكبر منه وأكثر جمالا، بنايات متقاطعة ومتوازية بني على شكل هندسي بديع، وشرفات واسعة مصنوعة من الرخام الأخضر، وبلاطا من الزبرجد الأبيض، وأطبّاء على ملابسهم الأنيقة والسماعات تتدلي على أكتافهم، وممرضات أنيقات في زيهم الطبي المستوحاة من الملابس العسكرية، وحركة دؤوبة لا تنقطع، ومصاعد آلية لا تتوقف، ونوافذ زجاجية ذات الطراز المغولي الجميل.

 اتجهت إلي الجنوب الغربي للمدينة، وحقيقية لم أكن أدرى إلي أين تسير السيارة ومن أين جاءت! كما كنت جاهلا هل وقعت في أحضان السطو وبراثن الاحتيال؟، ولكن ما أعرفه هو أن نبضات قلبي كانت تتسارع وترتفع بسرعة كبيرة، وفي خضم الخوف والترقب لمآلات الحكاية تماسكت وتناولت حبوب الشجاعة، وساعدني كثيرا الهدوء الغريب للنفس وشعوري العام الذي كان يوحي بأمن وأمان وأن الطريق يؤدي إلي حيث أريد لا إلي أوكار الإجرام ولا إلي أزقات السطو والسرقة. كانت السيارة صفراء فاقعة اللون موديل عام 1978، أكل الدهر على نضارتها وشرب، وأعتقد أنها من مخلفات الاستعمار ، أبوابها نخر الزمان، والمكابح تتحرك وهي لاهثة أوتصرخ وهي تئن، وكانت تترنح وكأنها ترقص في ليلة حمراء جماعية، كما أن عادم السيارة كان يلوث البيئة الطبيعية بطريقة تدعوا إلي الشفقة والدهشة!. السائق الغريب الذي كان يسابق الريح كان كهلا أربعينيا طويل القامة، كث الشوارب، ضخم الجثة، جاحظ العينين، أسمر اللون، يبدو كمن يصل إلي شيء قبل فوات الأوان، يقود بسرعة لا تتحملها السيارة المهترئة، سرعته التي لا تهدأ على طول الطريقة ونظراته العدوانية القاتلة وبحته الخفيفة تزيد للصوت ترنما ولشخصيته غموضا وللسيارة رعشات متواصلة، أو قل إن شئت رقصات عنيفة مجلجلة، وكأنك في وسط مهرجان غنائي في الدكار عاصمة السنغال والفن الصاخب في الغرب الراقص من قارتنا الحميلة.

 بعد ربع ساعة من المصاحبة والصمت الرهيب كسر حاجز الصمت بطريقته الخاصة، أشعل سيجارة فخمة تعود جذورها إلي أمريكا اللاتينية أو هكذا اعتقدت من طولها وعرضها المشابه للسجائر الفاخمة التي تنتجها الكولومبيا دولة المافيا والدخان، أرسل سحابة من الدخان الكثيف إلي الزجاجة الأمامية للسيارة بدون مبالاة، تضايقت كثيرا من تصرفاته ولم أتكلم، ولكن وصلتْ رسالتي بطريقتي الخاصة ولغة الجسد التي لا تخطئ. نظر إليّ وقال بخبث ودهاء: لماذا أنت متضايق يا رجل ؟ ولماذا تفسد متعتي الآنية؟! طريقة كلامه وتعابيره لم تخلو من الدهاء والخبث وسبر غور الشخص الذي معه؟، وأردف في كلامه وهو يرمي السيجارة عبر النافذة أنت ريبوت ولست إنسانا حيا!، قلت: لماذا وعلامات الدهشة تبدو على ملامحي؟! قال: كنا معا أكثر من ثلث ساعة ولم تتكلم كلمة واحدة معي أو مع غيري ولم تغير الوضعية التي جلست عليها. قلت: هذا طبيعي يا هذا، صحبتنا كانت أقل عن أن نكون أصدقاء يتجاذبون أطراف الحديث، نظر إليّ بغرابة شديدة وبدأ سيل من النصائح والكلمات الساذجة، كنت مستمعا جيدا لحديث الرجل وهو يرغو ويزبد!،وكنت أتذكر وأنا متعرض لموجة طولية من الكلمات التي لا تحمل سوى نصائح يعرفها الطفل في مهده قصة مماثلة وقعت عليّ قبل سنوات عدة وفي وضعية مشابهة لهذا الحالة الحرجة.

 كان شخصا ضليعا بالقانون والمبادئ الأساسية للحياة الكريمة، كما كان شيوعيا من الدرجة الثالثة ينتمي إلي المدرسة السوفيتية اللينينية فكريا، معرفته الجيدة وخبرته المتراكمة وشواربه الكثيفة وقبعته اليسارية وتجاربه الكثيرة أهلته أن يكون خطيبا فصيحا يدافع آرائه وأفكاره وباستماتة عجيبة وسرد بديع. وفيما كان السائق يواصل إرشاداته المجانية كنت أتأمل كل صغيرة وكبيرة تمر عليّ، ومعالم المدينة التي لا أعرف واحدا من سكانها، وعن خباياها وأنماط الحياة فيها إلا ما سمعت عن أصدقائي الذين عاشوا فيها، وبعض الأخبار والأساطير التي يتناقلها الأجيال جيلا بعد جيل. اكتشفت وأنا أسير بين أزقاتها وطرقها المزدحمة أنها مدينة يتمتع سكانها ترف هائل ووجاهة واضحة مقارنة مع سكان البلد الآخرين، كما هي مدينة مضيافة لجميع السحنات والشرائح المختلفة من المواطنين، والفسيفساء النادر من البشر جعلها محط الأنظار ومدينة يحبها الإنسان مع مسير الزمن، لجمالها الفائق وكثرة مرافقها وفرصها المتعددة، ولا تخلو من الفقراء والمعوزين والمحتالين والمتسولين وممن يرسلون شباكهم لاصطياد الجديد الذي لا يعرف البلاد والعباد. عموما كانت المدينة أجمل مما كنت أتصور، بيوت جميلة تغفو على أحضان الجمال، وعمارات متلاصقة ومتراصة تتسابق إلي عنان السماء، ومصانع وشركات عملاقة ومطاعم مزدحمة تعمل كخلية النحل، وأسواقا مكتظة بالباعة المتجولين وأنواع الخضروات والفواكه، مولات عالمية وعمارات شاهقة تناطح السحاب، وخضرة داكنة تضاهي المروج والطبيعة العذراء، ونظافة للشوارع والطرقات والواجهات الرئيسة للمباني تجعلها من أنقى المدن التي زرت في حياتي.

 الأحياء العتيقة للمدينة تشبه وبحد كبير بيوتنا الطينية في قريتنا التي تنام ليلا على حضن الجمال والأراضي الخصبة على ضفاف الأنهار والسهول الفيضية، والنهار على أعتاب الفقر والبؤس والشقاء، والبيوت الصفائحية التي تتلاصق داخل الأزقات والأحياء الشعبية الفقيرة المكتظة بالسكان على ضواحي المدن الإفريقية الخانقة. وفي الأحياء الراقية التي تشبه الأحياء الأوروبية في العواصم الإفريقية كانت أرقى مما كنت أتصور،ورغم أني لم أدخل العمق الحقيقي للمدينة إلا أن مظهرها العام وهدؤها النادر في طرقها وكثرة التشجير وحفيف الأوراق المشوبة بزقزقة العصافير توحي بأنها مدينة للأغنياء وأصحاب الثروات والمال. بطبعي أعشق البساطة وأحب التنقل والتعايش مع الغلابة الترمومتر الحقيقي للمجتمع وللمدينة، وعن طريقهم أراقب نبض الشارع، وأدرك ما يجيش في صدر ساكنيها والتناقضات الحياتية والمعيشية الموجودة فيها، ودائما ما يقودني الفضول وحب الاستطلاع إلي عمق الأشياء ومتاهات محيرة وأمور كنت في غني عنها. نزلت فندق وابري الواقع في حي المطار، وخلف المحطة الكهربائية التي توزع الكهرباء لجنوب المدينة أو نبضها لكثرة المرافق الحكومية والمباني التجارية والأحياء الراقية الموجودة فيها، كان فندقا من الدرجة الثالثة أو في لغة العصر ثلاثة نجوم، مظهره الخارجي بسيط وأنيق لم تمد يد الزخرفة عليه، وعندما تدخل في داخله تحيط بك الخدمة الجميلة والموظفين الرائعين الذين يحبون عملهم ويقومون بتفاني كبير.

 الفندق يتكون من طابقين، وأكثر من مائة غرفة، وصالات للحفلات والعرائس، وقاعات للمؤتمرات والندوات، ويقع فوق ربوة بسيطة مطلة على منطقة ريفية مغطاة بالأشجار، الهواء البليل والخادمات اللائي يوزعن الابتسامة والأجواء التي تطرب المشاعر وتهز القلوب جعلتني أشعر براحة كبير في أول لليل بت في الفندق. نمت ليلتي وأنا أسبح بنوم عميق يتخللها تفكير عميق لأجزاء المدينة وكيفية حياتها ومن أين أبدأ فأنا غريب الدار وفي مدينة تتصارع فيها المتناقضات والثنائيات المرعبة في الحياة. صحيت مبكرا وقد عزمت العقد أن لا أدخل إلي عمق المدينة الصاخب ريثما أفهم ما يدور حولي وطبيعة المدينة والناس، ولم أسكن أو أقترب كثيرا إلي شريان المدينة وشوارعها الرئيسة، لأني دائما ما أفضل البساطة على الفخامة، لكوني لم لم أتخل بعد عن الطبائع الأصيلة التي تأقلمت في صغري عندما كنت في القرى والبوادي السحيقة، وداخل الحقول الزراعية البساتين المترامية، ومرابع الإبل في أدغال وطني وأحراشه البعيدة، والفلوات المتاخمة على الروابي الممتدة والجبال الشاهقة.

 ولا غرو فالإنسان يحن دائما إلي ماضيه وتقوده النوستالجيا إلي التعلق بالماضي الفخيم، أما أنا وقلبي المرهف وشخصيتي الضعيفة أمام الماضي بكل تفاصيله فلم أستطع أن أتحرر من حبائل الماضي، وأقول دوما: كيف لقروي مثلي أمضي صدر عمره في مرابع قومه البعيدة عن أضواء العواصم وضجة المدن وتلوين المتمدنين أن يفهم زحمة العواصم وأضوائها، وما يدور في المدن من الشهرة والموضة والإعلام والضجة، والكيد السياسي والنفاق الدبلوماسي، والقتل الجماعي، والانحراف الأخلاقي، والتخطيط الهمجي لإبادة البشر، والتلذذ باضطهادهم بسبب الأطماع والجري وراء سراب الثروة وشهوة السلطة ! وكيف لعاشق الزهور ومتيم الورود الذي كانت رأته تتنفس عبير الود الصافي، وجسده ينتعش بشذي عطر المحبة في وسط الحدائق والغابات والمزارع أن يرتاح ويتأقلم هذا الجنون الكوني، نحو التلوث البيئي وتغيير معالم الأرض والتصحر، والأكوام النتنة من القمامة ومخلفات الصناعة، والاختناق بسبب الاكتظاظ السكاني والعمراني في كبريات المدن وفي عشوائياتها! وكيف يكون لسارح مثلي ترعرع في أكناف المواشي ولازم مبارك الإبل منذ نعومة أظفاره، وأعتاد السمر على أعتاب مرابض الغنم تحت ضوء القمر الخافت وفي هدأت السحر، وامتلأت بطنه الصغيرة بحليب طازج قرب مراح البقر، أن تسكن نفسه وترتاح للحليب المعلب والبدرة المصنوعة من الأشجار ذات النكهة الحليبية الزائفة، والجنوح نحو ترك ونسيان هذه الثروة وإيجاد ثروة بديلة بداعي التكلفة والزمن!؟ أحن وأشتاق إلي بساطة حياتنا، وجمالية تفاصيلها، وحميمية أجزائها، وبريق كنهها، وإخلاص أهلها، والحب الأصيل الذي كان يفيض لتزدهر الحياة وتستمر بسلاسة افتقدناها ضمن هدير الحداثة وبريق المدينة وحقد الناس لبعضهم البعض.

%d مدونون معجبون بهذه: