في نقد الإخوان

في نقاش جرى بين بعض الإخوة الزملاء في الفيسبوك حول بعض المسائل المتعلقة بالحركة الإسلامية الأم “الإخوان” أردت أن أضيف إليه بعض التعليقات، وحتى تكون الفائدة أعم أردت أن أنشر التعليق في شكل مقال عام يستفيد منه الكل.

مجريات النقاش

كان النقاش محتدما بين الإخوة حول بعض ما ورد في أدبيات الإخوان وخاصة المسألة المتعلقة بأهداف الحركة المتسلسلة والمتمثلة في إعداد الفرد المسلم ثم في إعداد الأسرة المسلمة ثم المجتمع المسلم ثم الدولة أو الحكومة المسلمة ثم الخلافة الإسلامية وأخيرا تحقيق الأستاذية.

كان النقاش متعلقا حول مدلول تلك المفاهيم، حيث ذهب بعض الإخوة أن الحركة الإسلامية حركة تكفيرية ترى أن الفرد المسلم الموجود حاليا فرد كافر يجب أسلمته!، وأن الأسر والمجتمعات والدول الإسلامية ماهي إلا أسر ومجتمعات ودول كافرة وفق قناعة الحركة، وأنه يجب إعادتها للحظيرة الإسلامية من جديد!.

وفي الطرف المقابل تمسك الإخوة المدافعون عن الحركة أن الحركة تقر للفرد المسلم إسلامه وكذا للأسر وللمجتمعات وللدول الإسلامية، وأن تلك المصطلحات والمفاهيم ماهي إلا مصطلحات ومفاهيم أريد لها أن تدل فقط على النموذج الراقي والمنشود للفرد والأسر والمجتمعات والدول المسلمة، وأنه لا تلازم بين إطلاق تلك المصطلحات وبين تقرير أو إرادة تكفير المجتمعات والدول المسلمة.

وفي خضم هذا النقاش أردت أن أوضح جملة من الأمور:-

أولا: فيما يتعلق بالحركات الإسلامية دائما ما نواجه أطرفا متباينة الى حد التناقض أحيانا، فهناك عادة طرف يؤيد ويدافع عن كل ما جاء عن الحركات الإسلامية أو عن حركة إسلاميه بعينها ويدافع عن كل صغيرة وكبيرة تتعلق بتلك الحركة / الحركات، يرى هذا الطرف بلسان الحال طبعا أن الحركات الإسلامية حركات نموذجية ولا يمكن أن توجد فيها أخطاء ولهذا قلّ أن ترى هذا الطرف يتحدث ولو ربما لمرة واحدة عن أخطاء كثيرة متراكمة للحركات الإسلامية وبدلا من ذلك يعتبر نفسه حارسا منتدبا ومجندا للدفاع عن أفكار الحركات الإسلامية، وربما يستنطقك هذا الطرف ليسمع منك كلمة أو نقدا واحدا موجها للحركات ليوجه لك بعدها كل السهام المسمومة التي في جعبته، وفي الطرف المقابل هناك الطرف الذي يشيطن ويؤبلس الحركات ويرى أن هذه الحركات تمثل الشر المطلق وهو مثل صاحبنا السابق يرى نفسه حارسا مجندا ومنتدبا لتفنيد وتفكيك وتوضيح تهافت أفكار الحركات الإسلامية وفق رأيه هو، وفي رأيي يحسن بنا أن نقف الموقف الوسط الذي يرى مثالب ومفاسد الحركات مثل ما يرى مناقبها.

ثانيا: فيما يتعلق بالمسألة محل النقاش يجب أن نقرر الحقيقة المتعلقة بالشأن والتي تتمثل في رأيي أن واضع تلك المفاهيم الذي هو الشيخ المؤسس حسن البنا رحمة الله عليه عرف به وعنه التوسط والاعتدال ــ على الأقل في مسائل التكفير واستحلال الدماء ـ فلا شك أنه كان يرى وجوب الجهاد والمجاهدة من أجل ترقية المسلم الحالي إلى درجة تجعله مسلما نموذجيا وفق تصور كان في مخيلته هو، ومن يطالع أدبيات الشيخ عن كثب أو حتى أدبيات الإخوان الأخرى لا يمكن أن يتصور عن الشيخ وعن الإخوان غير هذا الموقف الذي وضحناه هنا “ترقية المسلم الحالي إلى مرتبة نموذجية وفق تصور معين” دون نفي الإيمان والإسلام الأصلي عنه، مع العلم أنه لا يؤثر في هذا التقرير بعض المواقف الشخصية داخل الإخوان والمخالفة لهذا التصور والتي لا يمكن أن تؤثر في الموقف العام للحركة.

ثالثا: الإشكال الوارد هنا في المسألة يكمن في التصور الإخواني للفرد المسلم النموذجي فلا شك أن الإخوان كانوا يسعون ولا زالوا يسعون إلى الجهاد من أجل إيجاد وتكوين فرد مسلم نموذجي ولكن من هو الفرد المسلم النموذجي عندهم؟، من يتابع أدبيات الإخوان يتضح لديه أن الفرد المسلم النموذجي عند الإخوان هو الفرد المنتظم في الحركة وليس فقط منتظما بل يلزم أن يكون مؤيدا ومقتنعا ببرامج ومشاريع الحركة، هذا التقرير يمكن استنتاجه من عدة أمور:-

1. بما أن الهدف من وراء إيجاد وتكوين الفرد المسلم هو إيجاد وتكوين الخلافة الإسلامية ــ ينتهي إليه التسلسل الهرمي للأهداف وما بعد هذا الهدف أي الأستاذية يمثل نتيجة ضرورية له وليس مرحلة مستقلة بذاتها ــ فالفرد المسلم النموذجي هو الفرد الذي يمثل النواة الحقيقية لتكوين الخلافة الإسلامية.

2. يجب أن توجد محاضن حقيقية تهيئ الفرد لهذه المهمة، وبما أنه يجب أن تكون هناك محاضن فيجب أن تكوّن تنظيمات حركية تقوم لهذه المهمة، وعليه ترى الحركة نفسها أنها تمثل تلك المحاضن الضرورية لتحقيق الهدف الرئيس (إعادة الخلافة الإسلامية) بل ترى الحركة نفسها أنها تمثل إحدى الوسائل الرئيسية الكبرى لتحقيق هذا الهدف فهناك ثلاث وسائل أو أساليب كبرى للوصول إلى ذلك الهدف هي الإيمان العميق “موجه للفرد” والتكوين الدقيق “الذي هو الحركة” والعمل المتواصل “السعي لتحقيق الهدف العام الذي هو تكوين الخلافة الإسلامية”

3. بما أن الحركة تمثل المحضن الرئيسي للأفراد الذين يشكلون النواة الرئيسية للخلافة الإسلامية فيجب أن يكون فرد الحركة وحده وليس فردا آخر هو الفرد النموذجي “أي الفرد المؤهل لتكوين الخلافة الإسلامية لكونه النواة الأساسية لها” وفي هذا يقول الإمام حسن البنا عليه رحمة الله (وفي الوقت الذي يكون فيه منكم ـ معشر الإخوان المسلمين ـ ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسيا وروحياً بالإيمان والعقيدة، وفكرياً بالعلم والثقافة، وجسمياً بالتدريب والرياضة، في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء. وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإني فاعل إن شاء الله، وصدق رسول الله القائل ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة).

رابعا: من هذا المزلق الخطير نشأت متوالية من الأخطاء المتراكمة والتي أصبحت عائقا حقيقيا يثقل كاهل الحركة،  ويمكن أن نذكر من هذه الأخطاء ما يلي:-

1.  لغة استعلاء مستبطنة في الحركة وفي أفرادها، فالحركة هي التكوين النموذج، ومشروع الحركة هو المشروع النموذج، وفرد الحركة هو الفرد النموذج، والباقون إن كانوا من التيار الإسلامي فهم إما مغفلون لا يفهمون عن الواقع شيئا، أو إما متطرفون، أو إما سطحيون لا يفهمون الإسلام وفق تصوره الشامل حسب ما يراه الإخوان، وإن كانوا من غير التيار الإسلامي فهم إما خائنون أو هم أعداء للمشروع الإسلامي النموذجي، وعليه تصبح الحركة النموذج الأوحد الوحيد الذي لا يضاهيه في الواقع أحد، وبما أن الحركة تمثل النموذج الأوحد فلابد أنها الخير المطلق، وعلى هذا الغرار يأتي النشيد المعروف في أوساط الحركة والذي يقول (إنللإخوان صرح ******** كل ما فيه حسن!!!) نعم كل ما فيه حسن؛ لأنه الصرح النموذج والوحيد الأوحد!!.

2. النقطة الثانية والخطيرة في الحركة هي أنها تريد التمكّن لا التمكين، فالحركة تريد أن تتمكن على المجتمع لا أن تمكّنه، الحركة يهمها المجتمع ما كان يخدمها في أهدافها، أي ما كان يسعى في تمكينها للسلطة، وغير ذلك يجب أن تواصل الحركة جهدها من أجل التمكّن عليه حتى يصبح صيدا سهلا يخدم أهداف الحركة ولكي يتحقق ذلك يجب تجنيد أكبر عدد ممكن من المجتمع ــ أحد المفكرين قال مازحا الحركة تريد أن تأكل المجتمع!!ــ، وليس فقط المجتمع الخارج عن الجماعة هو من تريد الحركة أن تتمكّن عليه بل تريد كذلك أن تتمكّن على أفرادها المنطوون تحت لوائها، فالفرد داخل الحركة يجب أن يكون فردا مطيعا مقتنعا بأدبيات الحركة وغير ذلك يجب إقناعه وان لم يتأتى ذلك يجب إبعاده، وقد ابتدعت الحركة صيغة مثلى للوصول إلى هذا الهدف “التمكّن على أفراد الحركة لا تمكينهم” وهي صيغة البيعة، فيجب أن يأخذ كل فرد على عاتقه واجب الطاعة لمراقب الحركة، هذا الواجب لن يكون فقط واجبا تنظيما بل يتعدى الى واجب شرعي ليصبح بذلك عصا سحرية تخيف به الحركة أفرادها، فكل فرد يتسنى له الخروج عن الطاعة يجب تذكيره بهذا الواجب الإلهي!!، وقد أصدر مراقب الحركة في الصومال قبل أيام قريبة منشورا يحذّر فيه أفراد الحركة عن مغبة الخروج عن الطاعة في المسائل التي تتعلق بنشر أسرار وأخبار الجماعة، ولم ينس المراقب عصاه السحرية تلك فقد نبّه أفراده المبايعون له عن مغبة الوقوع في شرك المعصية والخروج عن الطاعة!!.

3. أخيرا وليس آخرا في سبيل سعي الحركة للتمكّن على أفرادها المنتسبين لها تستخدم عدة وسائل متنوعة من بينها الشحن العاطفي المستمر ثم وضع برنامج تربوي سطحي ليس من ورائه طائل سوى تكريس فقه الطاعة في قلوب أتباعها، وعليه تخّرج الحركة أفرادا مقلدين مطيعين لا يعرفون من الدنيا سوى تمجيد أعمال الحركة وترديد إنجازاتها الضخمة التي لا يستهان بها وفق رأيهم ــ يستثنى من هذا الأفراد الذين يبنون أنفسهم بأنفسهم وفق جهودهم الخاصة والذين هم في الغالب يخرجون من الحركة والقليل الذي يبقى منهم في الحركة يبقى في الغالب من أجل الحفاظ على مصالح شخصية ـــ ولكي يكون الفرد طائعا مقلدا يجب الابتعاد عن كل البرامج والأفكار التي من شأنها أن تحرر الفرد ليصبح فردا مستقلا برأيه وفكره، الحركة تشحن الأفراد سنوات عديدة لتصبح النتيجة الرسمية لهذا الشحن قبول البيعة، فالفرد بعد أن يأخذ برنامجا تربويا مطولا يصل في النهاية لمرحلة معمقة وعالية الشأن هي مرحلة التأهل للبيعة والمبايعة! “تمخض الجمل فولد فأرا!!”.

كنت أتساءل مرارا وتكرارا لماذا حركة عالية الكعب مثل الإخوان يتسنى لها أن تهدر كل أوقات أعضائها المكرّمين بأن تكرّر لهم المكرّر (نعرف أن الإخوة الأعضاء في الحركة يدرسون في الأسر المغلقة والتي كوّنت خصيصا من أجل إعداد الفرد المسلم النموذجي وفق تصورهم يدرسون في هذه الأسر بالضبط ما يدرس في حلقات المساجد منذ قديم الزمان أو ربما ما يقل عن هذا المستوى!) ـ بالمناسبة غالب من ينتسبون للحركة ينتسبون وهم قد فرغوا مسبقا عن تلك المسائل في خارج ميادين الحركة ــ ، كنت أتساءل حينها أيعود هذا الأمر لنقصان كامن في وعي الحركة أم هو أمر متعمد ومقصود؟، وبعد تأمل عميق وصلت لقناعة تامة توحي بأن الأمر مقصود لذاته، فالحركة ما دامت تسعى للظفر بأعداد غفيرة يكنّون كل الطاعة للسيد المراقب فلا ضير في تكرار المكرر مادام أن المقصود هو تربية الفرد المطيع وفق إيحاءات مصاحبة لهذا التكرار!!.

وفي الختام لا يفوتني أن أنبه أن في الحركة مناقب جمة وجميلة تفوق ما فيها من مثالب بدرجات ومراتب بل إنني أعتبر أن فرص الحركة في الاستمرار في التاريخ أكثر وأكبر من فرص غيرها من الحركات والتيارات الإسلامية المنافسة، وذلك لما في الحركة من انفتاح على التغيير وتقبل واسع للنقد، وهذا ما يجعلنا نعقد النية والعزم عليها أكثر من غيرها.

2 تعليقان

  1. السلام عليكم
    أولا، الحركات والأحزاب التي تدعي انها إسلامية باطلة والدليل ان الإسلام ضد التحزب وما بني على باطل فهو باطل
    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول عليكم بسنتي ،

  2. السؤال الجوهري، الذي يوجه لحركة الاخوان ولغيرهم من الحركات الاسلامية؛ هل أنتم حركة سياسية اجتماعية مثل بقية الحركات والاتجاهات السياسية والاجتماعية ، قابلة للنقد والتغيير والاندثار؟ أم انكم حركة إلهية دينية مقدسة ، معارضتها أو الانسحاب منها تترتب عليها أحكام شرعية دينية ؟

%d مدونون معجبون بهذه: