قراءة في المشهد السياسي والأمني بجيبوتي

 (مختارات الشاهد … من مجلة المجتمع الكويتية):

مقدمة :

تعد جمهورية جيبوتي كانت جزءاً مما سمي في التاريخ بأرض الحبشة (أوهضبة الحبشة)، وقد اشتهرت تاريخياً بساحل الصومالي الفرنسي نظراً لأنّ غالبية سكانها من أصول صومالية، وقد نالت استقالها من فرنسا في 27 من شهر يونيو من عام 1977م، على أن تكون دولة مستقلّة عن الصومال لكنّ هذا الاستقلال فرّغ من مضمونه، إذ نصت الاتفاقية المبرمة بين الدولة المستعمرة (فرنسا) والدولة المستقلّة الوليدة (جيبوتي) على بقاء أكبر قاعدة لفرنسا خارج حدودها، وألا يحاكم أي فرنسي يجرم في حق جيبوتي في داخل جيبوتي حتي قال المراقبون: إن هذا الاستقلال كان مجرّد منح علم لقبيلة بدوية على أن ترعى الغنم في أرضها برعاية الغرب وقواته الحامية لها (استقلال ناقص)

هذا وقد تصدّر المشهد السياسي إبّان الاستقلال أناس لم تكن لديهم ثقافة سياسية، بل كان لديهم نزوع ورغبة في التحرر من الاستعمار أسوة بدول العالم الثالث، فكان هناك فقر كبير في الثقافة السياسية، ولا زال هذا الفقر سائداً حتى في زمن انفجار الثقافة العالم، وفي هذا التقرير نتناول الحالة السياسية والأمنية الراهنة بالإضافة إلى آفاق المستقبل لهذا البلد وأهم أهداف تحالف الإنقاذ الوطني فإلى التفاصيل

نبذة مختصرة عن تاريخ البلد والتحوّلات السياسية:

جمهورية جيبوتي كانت جزءاً مما سمي في التاريخ بأرض الحبشة (أو هضبة الحبشة) وهي الوريث الحضاري لمدينة زيلع الحاضرة التاريخية الواقعة على بعد 50كم من العاصمة جيبوتي، وقد وصلت أول طلائع استعمارية إلى جيبوتي في سنة 1862م عن طريق مدينة أبخ في أقصى الشمال، على الحدود الإريترية، ثم توسعت حتى استولت على جميع الأراضي المشكلة حالياً لجمهورية جيبوتي بعد التفاهم مع زعماء العشائر القاطنين فيها، على أنّهم سيعمرون لهم الأرض وسيحصلون على وظائف ورواتب لأولادهم (الرشوة السياسية).

وقد اشتهرت تاريخياً بساحل الصومالي الفرنسي نظراً لأنّ غالبية سكانها من أصول صومالية، بل إنّ جمهورية الصومال كانت تعتبرها جزءاً من أراضيها المقسمة بين القوى الاستعمارية؛ حيث كانت جيبوتي من نصيب فرنسا، وجنوب الصومال من نصيب إيطاليا، وشمال الصومال والجزء الشمالي الشرقي من كينيا من نصيب بريطانيا، وإثيوبيا أخذت الجزء الغربي من الصومال، ثم عمل الفرنسيون على إبعادها سياسياً واقتصادياً عن الصومال وحتى ثقافيا، فاللغة السائدة فيها هي اللغة الفرنسية واقتصادها مرتبط كلياً بفرنسا، والبعثات الطلابية كلّها كانت لفرنسا حتى نهاية التسعينيات، فنالت استقالها من فرنسا بعد نضال وتضحيات جسام في 27 من شهر يونيو من عام 1977م، على أن تكون دولة مستقلّة عن الصومال، لكنّ هذا الاستقلال فرّغ من مضمونه، إذ نصت الاتفاقية المبرمة بين الدولة المستعمرة (فرنسا) والدولة المستقلّة الوليدة (جيبوتي) على بقاء أكبر قاعدة لفرنسا خارج حدودها، وألا يحاكم أي فرنسي يجرم في حق جيبوتي في داخل جيبوتي وإنّما تنقل قضيته إلى فرنسا فيكون القضاء الفرنسي هو الفيصل فيه، على عكس المواطن الجيبوتي الذي يحاكم في فرنسا في حال ارتكابه أية جريمة في داخل الأراضي الفرنسية، واتفاقيات تجارية وثقافية جائرة، حتى يرى المثقف ومن لديه أدنى قراءة سياسية بأنّ هذا الاستقلال كان مجرّد منح علم لقبيلة بدوية على أن ترعى الغنم في أرضها برعاية الغرب وقواته الحامية لها (استقلال ناقص).

لأنّ من تصدّر المشهد السياسي إبّان الاستقلال لم تكن لديه ثقافة سياسية، بل كان لديهم نزوع ورغبة في التحرر من الاستعمار أسوة بدول العالم الثالث، فكان هناك فقر كبير في الثقافة السياسية، وما زال هذا الفقر سائداً حتى في زمن انفجار الثقافة العالمية.

وبعد الاستقلال وبدل أن تؤسس دولة وطنية قائمة على قيم التعدّدية وتحقق التنمية لمواطنيها حدث تفاهم مريب بين فرنسا والقيادة السياسية آنذاك، على أن تكون السياسة في البلد مغلقة بحيث يسيطر على مقاليد السلطة حزب واحد، وعلى التخلّص من المناضلين التاريخيين الذين قادوا حركة التحرر الوطنية وأجبروا فرنسا على القبول بمنح الاستقلال للشعب الجيبوتي، فتم إقصاء المناضلين إمّا بالتصفية الجسدية أو بالاغتيال السياسي أمثال: آدم روبله عواله الذي أطلق عليه عشرات طلقات الرصاص لكنّه لحسن الحظ لم يمت وإنّما أصيب بإصابات بالغة، والدكتور: عمر عثمان رابي – يرحمه الله – والمناضل: عمر علمي خيري، ونتيجة للحرب الباردة أغدقت على جيبوتي معونات خليجية وغربية للنأي بها عن المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي سابقاً علماً بأنّ غالبية دول جوار جيبوتي (إثيوبيا، الصومال، اليمن الجنوبي) كانت من ضمن حلف وارسو (الكتلة الشرقية)، غير أنّ هذه المعونات السياسية لم تدخل في التنمية وإنّما وجهت للثراء الشخصي والظفرة المؤقتة لدخل الفرد فحسب، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي قطعت جلّ هذه المساعدات لزوال أسبابها، فباتت جيبوتي كسمك بلا ماء، فدخلت البلاد في أزمات اقتصادية وأخرى سياسية لاحقة، إذ تفجرت في وجه الحكومة ثورة مسلحة في شمال البلاد قادتها قومية العفر، وهي المكوّن الثاني للبلد بعد القومية الصومالية، تحت مبرر أنّها همشت بعد الاستقلال، ومورس ضدها الإقصاء السياسي والاقتصادي وهذا إلى حدّ ما صحيح.

وفي عام 1994م تم التوصل إلى اتفاق مع المعارضة المسلّحة على تقاسم السلطة والثروة دون تحقيق الديمقراطية في البلد، ولم يتغير شيء في سياسة الحكومة، وإنّما تم منح زعماء الجبهة مناصب وزارية فقط، وضم بعض المقاتلين إلى القوات المسلّحة، ولم تحظ جيبوتي بنظام ديمقراطي منذ الاستقلال مع أنّها دولة قليلة الموارد تعتمد في دخلها على الميناء الذي يخدم إثيوبيا بشكل رئيس وإيجار القواعد العسكرية والخدمات الأخرى، أي أنّه اقتصادي خدماتي.

 الموقع والوضع الإقليمي المحيط بجيبوتي:

جمهورية جيبوتي تقع في البوابة الجنوبية لمضيق باب المندب مقابل مدينة عدن اليمنية، وهذا الموقع الحيوي للتجارة الدولية جعلها محط أنظار القوى العظمى سواء إبّان الحرب الباردة أو بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر، إذ تدفقت القواعد العسكرية الغربية والشرقية وتقاطرت كالمطر إذ يوجد حالياً خمس قواعد عسكرية (الفرنسية، الأمريكية وهي الأكبر، الأسبانية، الألمانية، اليابانية) وكان الرئيس صرّح قبل عدة شهور استعداده بمنح روسيا قاعدة في مدينة أبخ أقصى الشمال، والصين قاعدة في مدينة تاجورة في شمال البلاد أيضاً مما أغضب الولايات المتحدة الأمريكية، وتمّ دعوة الرئيس للبيت الأبيض في الخامس من شهر مايو الماضي 2014 م، حيث تمّ تجديد مدة بقاء القاعدة العسكرية الأمريكية وزيادة رسوم الإيجار لها من 38 مليون دولار سنوياً إلى 63 مليون دولار سنوياً، وبمعني آخر جيبوتي مجمع للقواعد العسكرية مع الأسف الشديد.

ومعلوم أنّ دول الجوار لجيبوتي لم تستقرّ سياسياً منذ عقود، فالصومال دخلت في حرب مدمرة وخاسرة مع إثيوبيا بين عامي 1977- 1978م، انتهت بإجبار الصومال من الانسحاب من جميع الأراضي المتنازع عليها في الإقليم الغربي (الصومال الغربي) صوماليا، والإقليم الخامس (إثيوبيا)، ثمّ قيام ثورة مسلّحة في إثيوبيا نجحت في الإطاحة بنظام منجستو هيلا مريام في عام 1991م، بعيد انهيار الدولة الصومالية، ثمّ نشوب حرب بين اليمن الجنوبي المطالب بالانفصال من الوحدة الطوعية مع دولة اليمن الشمالي، وحرب بين أريتريا المنفصلة عن إثيوبيا ودولة إثيوبيا في عام 1998م، والحرب المستعرّة في السودان بين شماله وجنوبه والتي انتهت بانفصال الجنوب، ثمّ نشوب حرب ضروس في الجنوب النّاشئ قبل أن يقف على أقدامه.

فجيبوتي تعيش في وسط شديد التوتر والاضطراب، وتعتبر الدولة الأكثر استقراراً في المنطقة بفضل وجود القواعد العسكرية الغربية فيها، ورعاية هذه الدول لمصالحها في المنطقة، وليس استقراراً ذاتياً، أو نتيجة لاستقرار سياسي واجتماعي فيها، ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أنّ الشعب الجيبوتي يتميّز عن بقية شعوب المنطقة بأنّه لا ينزع نحو الحروب، والنّزاعات ربّما لأنّ المناخ حار جداً وموارد البلد محدودة فغياب الاستقرار يعني بالنّسبة له الموت الجماعي، ولهذا أحياناً يضطر لتفضيل الاستبداد من عدم الاستقرار.

الحالة السياسية والأمنية الراهنة:

كما قلنا سابقاً فإنّ نشوء الدولة في جيبوتي لم تصاحبها تعددية سياسية ولا انفتاح سياسي واجتماعي، وإنّما تمّت الحيلولة دون وصول المجتمع إلى مكاسب الاستقلال من الحرية والتعددية، والاستثمار الأفضل لهذا الموقع الحيوي، وبعد حراك شعبي في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات وافقت الحكومة على التعددية الحزبية، ولكنّها كانت تعددية شكلية إذ كوّنت عدة أحزاب، لكن لم تكن الانتخابات التي تلتها نزيهة فعادت الأمور إلى مربعها الأول، مما حدا بالبعض إلى حمل السلاح ضد الحكومة.

وقد نصّ الدستور المستفتى عليه الشعب في عام 1992م على أنّ تكون ولاية الرئيس فترتين انتخابيتين كلّ واحدة منها ست سنوات، فانتهت العهدة الأخيرة للرئيس السابق: حسن جوليد أبتدون في عام 1999م، فقرر المغادرة لثلاثة أسباب موضوعية:

أولا: أنّه كبر في السنّ إذ قارب التسعين سنة.

ثانيا: عمل الرئيس الحالي على الضغط عليه لترك السلطة حتى يكون هو الوريث له وهو ما حدث فعلاً.

ثالثا: الظرف المحلّي لم يكن يسمح له، إذ كان الشعب معبأً نفسياً على مغادرته السلطة، وأنّ التلاعب بالدستور ستترتب عليه عواقب وخيمة.

غير أنّ الخطيئة الكبرى التي ارتكبها الرئيس جوليد – يرحمه الله – أنّه عهد للسلطة بطريق ملتوية إلى الرئيس الحالي: إسماعيل عمر جيله، بحكم قرابة النسب التي تجمع بينهما، وأنّ الحالي كونه في عهد الرئيس السابق مديراً للأمن القومي قد عزز سلطته في مفاصل الدولة مستغلاً الحالة الصحية للرئيس جوليد في أيامه الأخيرة وثقته به بحكم القرابة، هذه الأمور أملت عليه أن يفسح المجال للرئيس الحالي على أنّها كانت في الظاهر تركاً للسلطة واحتراماً للدستور وفي الباطن توريثاً للسلطة لابنه المدلل.

وفي الانتخابات التي جرت في أبريل من عام 1999م وتنافس فيها الرئيس الحالي: إسماعيل عمر جيله، والمرشح المستقلّ رجل الأعمال: موسى أحمد، فاز فيها المرشح المستقل: موسى أحمد، وبعد معرفة النتيجة قبل النهائية قام الرئيس الحالي بالانقلاب على نتيجة الانتخابات واعتقل المرشح الفائز بحكم كونه الحاكم الفعلي للبلد والمسيطر على أجهزة الأمن، بل أريد اغتياله وأطلقت عليه عشرات الأعيرة النّارية في بيته، حتى ظنّوا أنّه قتل، والسبب في انتخاب الشعب لرجل الأعمال أنّ الشعب كان يرى أنّ: إسماعيل عمر جيله رجل اغتصب السلطة في ظلّ رمح عمه الرئيس السابق من ناحية، ومن ناحية أخرى أنّه رجل إقصائي له ملفات إجرامية في الاغتيالات السياسية، وأنّه لا يصلح لقيادة دولة مدنية.

ومنذ ذلك التاريخ عزف النّاس عن المشاركة في الانتخابات رئاسية كانت أم برلمانية، لقناعتهم أنّ صوتهم ليس له أيّة قيمة، لأنّ النتيجة تعلن لاتجاه واحد دوماً، وحسب الدستور فإنّ العهدة الأخيرة للرئيس الحالي كانت تنتهي في أبريل من عام 2011م، لكنّه في عام 2010م عمل على تعديل بنود في الدستور المستفتى عليه الشعب دون العودة إلى الشعب نفسه ليتسنّى له الاستمرار في السلطة إلى مدد غير محددة حتى يصل عمر الرئيس إلى 75 سنة، وخطط أنّ آخر فترة انتخابية له وعمره 74 سنة ثم يستمرّ في الحكم خمس سنوات إلى عمر 79 سنة، وبهذه الطريقة تمّ التلاعب بالدستور، وعليه قررت المعارضة – التي حاربها بلا هوادة وجعلها لا تقوى على الوقوف بأقدامها، لأنّ قيادتها إما أنّها ماتت في السجون، أو كانت خارج البلد، أو مطاردة في داخل البلد –أن تخوض الانتخابات البرلمانية التي كانت مقررة في 22 من شهر فبراير من عام 2013م، مستفيدة من الظروف الإقليمية بعد اندلاع الثورات في دول الربيع العربي، ولكن تشارك في هذه الانتخابات بتحالف يضم جميع الأحزاب السياسية المعترفة والممنوعة من قبل الحكومة الحالية تحت اسم (التحالف من أجل الإنقاذ الوطني) وهو مكوّن من سبعة أحزاب، وفاز في الانتخابات البرلمانية بنسبة 57% والحكومة بنسبة 39%، وحزب الوسط المنضم للمعارضة بعد الانتخابات بنسبة 2 % والبقية كانت أصواتاً ملغية، وفي يوم الصمت الانتخابي تحدث الرئيس للشعب عبر التلفزيون الرسمي وقال شيئاً لم يكن متوقعاً شعبياً ولا حتى دولياً، قال: لن نقبل أن نسلّم البلد لهذه الفئة المتحالفة من أجل الشرّ والفتنة، وصوّتوا للحزب الحاكم، وكانت صدمة النّاس كبيرة، رئيس في يوم الصمت الانتخابي يحرض النّاس على التصويت لحزبه ويرفض مسبقاً نتائج الانتخابات، وحسب القانون المعدل فإنّ من يفوز بنسبة تزيد عن 50% تتحوّل نسبته إلى 80% وكان الهدف من هذا التشريع أن يقول الرئيس للخارج: إنّنا في طريق الديمقراطية والتعددية بدليل أنّ المعارضة لها نسبة 20% في البرلمان، لكنّه لم يكن يتوقع أنّ نسبة 20% ستكون من نصيب تحالفه الحاكم، وبعد فرز نتائج الانتخابات في اللجان الفرعية وتم توقيع المحاضر من مندوبي التحالفين المتنافسين ومندوبي لجنة مراقبة الانتخابات التابعة لوزارة الداخلية والشرطة الوطنية ونشرها تباعا في الفيسبوك، وقرار وزير الداخلية بإعلان النتائج كما وردت إليه من لجنة الانتخابات جاء الرئيس إلى المركز الرئيس وقال لوزير الداخلية: إما أن تعلن النتيجة لصالح الحكومة أو …؟

فمنذ هذا اليوم وجيبوتي دخلت مرحلة شديدة الخطورة، إذ تلت في اليوم التالي من إعلان رفض الرئيس لنتائج الانتخابات وليس تزويرها مظاهرات واحتجاجات لم تتوقف إلى يومنا هذا اعتقل على إثرها أبرز علماء البلد كالمفكر الشيخ: عبد الرحمن سليمان بشير، والدكتور: عبد الرحمن برخد جود، والشيخ: جيرة ميدل جيله، حيث حكم عليهم بالسجن لمدة سنتين نافذتين، واعتقل كذلك مفتي الجمهورية الشيخ: عثمان حسن محمود، وأقيل من منصبه، كما اعتقل المناضل السياسي: طاهر أحمد فارح (طاف) عدة مرات، وما زال معتقلاً حتى اليوم رغم أنّ المحكمة قضت ببراءته، ويقال: إنّ الرئيس اتصل بمدير السجن المركزي وطلب منه عدم الإفراج عنه رغم حكم المحكمة ببراءته، وعشرات الشباب والسيدات معتقلون في مخافر الشرطة وقوات الدرك الوطني، لأنّ السجن المركزي وهو معدّ لحولي 350 نزيلاً، والذي يقضي فيه حالياً حوالي 700 أحكاماً مختلفة كثير منهم سجناء الرأي، في ظروف قاسية ومزرية، حتى إنّ النّائب الثاني للسجن المركزي هرب إلى فرنسا وأذاع أخباراً تقشعرّ له الأبدان، وأخذ جميع الخطابات التي كان يرسلها لمسؤولي وزارة العدل عن وضع السجن وردود مسؤولي الوزارة، وهو يذيع أوضاع السجناء كان يبكي، وختم بقوله خشيت من الله أن أكون في صفّ القتلة، لأنّه ذكر أنّ النّاس يموتون دون إسعاف.

هذه هي الأوضاع السياسية، أمّا الأوضاع الأمنية، فقد حدثت عملية انتحارية في شهر مايو الماضي وقتل فيها أحد المواطنين الأتراك، وعدد 15 جريحاً أكثرهم من القوات الفرنسية كانوا في المطعم المستهدف، وقد تبنّته حركة الشباب المجاهدين في الصومال، وعقب هذا الحادث أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية وكذلك البريطانية على عدم السفر إلى جيبوتي لوجود مخاوف أمنية حقيقية، وطالبت كلّ منها رعاياها بعدم السفر إليها، وعلى الموجودين فيها الابتعاد عن الأسواق ومراكز التجمعات.

ثمّ إنّ التضييق الأمني والقمع البوليسي سيولّد لدى الشباب رغبة الانتقام من جلاديهم وهذا سيقود إلى التطرّف الفكري والقبلي، كما أنّ حركة الشباب المجاهدين قد تنجح في تجنيد شباب جيبوتيين للقيام بأعمال إرهابية ضد القوات الأجنبية والمصالح الحكومية، وهذا سيؤدي بدوره إلى كارثة اقتصادية ويقوّض الاستقرار الهشّ.

والأخطر من ذلك أنّ الرئيس مريض منذ عدة شهور، ولم يمارس عمله منذ شهر تقريباً، ونوع مرضه مجهول للشعب، وحتى مكان وجوده الحالي، وإذا ما حدث فراغ سياسي دون أفق حلّ للمعضلة السياسية، فإنّه قد يكون بداية الانهيار للدولة الجيبوتية، لأنّ الرئيس دمّر النظام المؤسساتي، وزرع الخلافات بين مؤسسات الدولة الهشة، فمن الصعوبة بمكان الاهتداء إلى طريقة علمية لملء الفراغ الرئاسي في حالة شغوره، وهنا مكمن الخطر في المستقبل الأمني والسياسي في البلد، لأنّه يوجد من حزبه شركاء متشاكسون ومتنافسون غير راشدين سياسيا، والمجموعة الأمنية المحيطة به وهي من قبيلته القريبين منه نسباً همهم الأول هو الحفاظ على المكاسب والامتيازات التي كانوا يتمتعون بها في عهده.

كما سيسعى الآخرون الذين يشعرون أنّهم أقصوا من مؤسسات الدولة في عهد الرئيس جيله ملء هذا الفراغ، وهنا ربما يقع الاصطدام بين الفريقين، أضف إلى ذلك المعارضة التي تؤمن بأنّها حازت ثقة غالبية الشعب وعليه يحق لها قيادة المرحلة القادمة، أو على الأقل أن تكون الشريك الأبرز في أيّ وفاق وطني إن قدر له أن يحدث.

آفاق المستقبل:

الطريق إلى الاهتداء بحلّ سلمي والوصول إلى وفاق وطني يخرج البلاد من الأزمة المعقدة وعرة جداً لتصحّر عقول القيادة الجيبوتية منذ أربعة عقود التي كان الإقصاء وإغلاق كلّ منافذ الحوار الوطني سلوكا سياسيا، مما عمّق فكريا ثقافة عدم الحوار، والنّظر فقط إلى المكاسب المادية، والاستحواذ على السلطة والثروة معا، ولذا يصعب التكهن بمآلات الأمور مستقبلا، لأنّ الوضع ضبابي بامتياز، فالمعارضة قدمت ثلاث مبادرات للحوار الوطني منذ أقلّ من سنة، وكانت الرؤية جيدة وتوافقية، واتفقت اللجنة الفنية المشكلة من الحكومة والمعارضة لمناقشة مبادرة المعارضة غير أنّ الرئيس رفض بنود الاتفاقية وألغى اللجنة الحكومية الفنية المشكلة لهذا الغرض، ولهذا فإنّ الشهور القادمة حبلى بالمفاجآت والمخاوف نتيجة غياب رؤية وطنية لمعالجة الملفات الشائكة، إلا أن يحدث الآتي أن تتدخل الدول ذات المصالح الحيوية في البلد (الدول الغربية وإثيوبيا) بالضغط على أطراف النّزاع للوصول إلى حلّ ما للمعضلة.

أهداف تحالف الإنقاذ الوطني:

نظراً لانغلاق الآفاق السياسية في البلد بعد أن قام الرئيس بتعديل بعض بنود الدستور للاستمرار في السلطة، وكاد البلد أن يدخل في نفق مظلم قررت قيادة المعارضة – التي كانت مشتتة بفعل ضربات النّظام وقلّة وعي بعض رموز المعارضة التقليدية – أن تخوض الانتخابات البرلمانية التي جرت في 22 من نوفمبر 2013م، وأهداف المعارضة من العملية السياسية الراهنة ما يلي:

1 . كان الهدف من المشاركة في الانتخابات البرلمانية كسر احتكار النّظام لكلّ مؤسسات الدولة.

2 . الحيلولة دون تدهور مؤسسات الدولة التي أصبحت هياكل شكلية فاقدة لأي مضمون، لأنّ الرئيس اختزل مؤسسات البلد في شخصه.

3 . الضغط على النّظام لقبول حوار وطني شامل ومعمق يخرج البلاد من أزماته المتعددة.

4 . تحقيق مقاربة سياسية في ولادة حراك شعبي حقيقي.

المصدر : موقع مجلة المجتمع الكويتية

  • 22:30 2014-06-23
  • الكاتب : عباده السيد

تعليق واحد

  1. مقال رائع مع إني لا اتفق مع كاتب المقال بأن جيبوتي كانت تاريخيا جزا من أرض الحبشة بل العلماء العرب ينسبوها الى بربر السودان ألا وهم الصوماليين

%d مدونون معجبون بهذه: