إما الوحدة الوطنية … أوالطوفان!!

وجهت الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبيّ والهيئة البيئية الحكومية للتنمية (الإيجاد) نداء مشتركا إلى السلطات الصومالية المعنية في 27 مايو الماضي، تدعوها فيه “إلى التحلّي بالمسئولية، وحلّ الأزمة السياسية. وأضافت أنها على أهبة الإستعداد لتقديمه للمحاسبة أيا كان الذي يشكل عقبة أمام التقدم”.

وأعرب النداء “عن قلق حول عدم الاستقرار الذي لايخدم مصلحة وشعب الصومال، وأن البلاد لا تتحمل العودة إلى دوّامة المواجهات والصراعات الداخلية بين الأطراف الصومالية التي شلّت الحكومات منذ عام  2000”.

وأشارت إلى “أنّ تطور النظام الفدراليّ وتطبيقه وإنجاز إعداد الدستور والتحضير لانتخابات 2016 لاتسير على مايرام، ولن تنفذ في الإطار الزمنيّ المحدد لها”.

“ولقد حدد الدستور بشكل واضح أدوار ومهمات كلّ المؤسسات الفدرالية، بما فيها البرلمان والسلطة التنفيذية والرئاسة. إنّ الصومال في حاجة إلى الاستمرارية والاستقرار، ولكنّه في حاجة أيضا إلى أداء أحسن وأسرع من الجميع”.

وعلّق النداء على الاعتداء الّذي شن على البرلمان في 24 مايو قائلا “إنّ هذا الهجوم يثبت الحاجة إلى مضاعفة الجهود نحو بناء السلام وبناء الدولة”.

وفي إيجاز أمام مجلس الأمن في الأسبوع الماضي، قال الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس البعثة الأممية في الصومال (يونيصوم) “إنّ التقدم نحو بناء الدولة لم يكن سريعا بالدرجة المطلوبة”.

رغم الكلمات المعسولة التي صيغ بها هذا البيان في إطار دبلوماسيّ منمق، فإنه يكشف بوضوح إدانة بالغة لكل مؤسسات السلطة الراهنة، الرئاسية والتنفيذية والتشريعية، وتهدد بإنزال أقسى العقوبات على كلّ من يشكل عقبة أمام التقدم.

إنه بمعنى آخر، إعلان عن فقدان الثقة في النظام الحالي الذي طالما سعى المجتمع الدولي إلى إغداقه بالإطراء والمديح لتشجيعه على المضي قدما في تحقيق الآمال المعلّقة عليه لتحقيق السلام والاستقرار وبناء الدولة ومؤسساتها وتطلعات الشعب في التقدم والرفاهية والرخاء.

إنّ دمغ النظام بأنّه يرتد إلى دوامة المواجهات والصراعات الداخلية الّتي شلّت الحكومات منذ عام  2000، وبالسير في اتجاه عدم الاستقرار وبعدم الوفاء بالعهود المقطوعة لتكملة إنشاء مؤسسات الدولة في المواعيد المقررة، كلمات قاسية تنم عن يأس مستطير.

وتصريحات النائب المحترم والوزير السابق للشئون الدستورية عبد الرحمن حوش جبريل المتشنجة والذي تحدث باسم البرلمان التي تشجب البيان المشار إليه، والّتي تتلخص في رفض وصاية المجتمع الدولي، تدلّ على أنه لم يستوعب الرسالة بعد. بل ويبدو أن دفن الرأس تحت الرمال كما تفعل النعامة، هي ثقافة سائدة في بلادنا نلجأ إليها كلما دخلنا في أزمة.

كثيرا ما يردد المجتهدون في بلادنا بأن المجتمع الدولي لم يتدخل للمساعدة في حلّ أزمة انهيار الحكم في الصومال في 1990، كما فعل في إثيوبيا عندما سقط نظام منغستو في أديس أبابا في أعقاب حرب أهلية طاحنة، و كادت البلاد أن تغرق في أتون الفوضى والتفكك. وكما تدخل في كينيا في أعقاب تزييف الإنتخابات قبل الأخيرة في ظلّ عهد الرئيس كيباكى التي سببت مواجهات دامية أودت بحياة الالآف وهددت بزوال الدولة، بإصلاح ذات البين بين الأطراف المتصارعة والتوفيق بينها، وهي القضية التي لا زالت حتى اليوم محل نظر المحكمة الجنائية الدولية والمتهم فيها رئيس الدولة الكينية الحالي أوهورو كينياتا بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

لقد حاول المجتمع الدولي في الهزيع الأخير لحكم الرئيس محمد زياد برى التدخل، ولعبت الولايات المتحدة وإيطاليا ومصر والسعودية مجتمعة دورا محمودا للمصالحة بين السلطة المأزومة حينئذ والمعارضة المدنية المسالمة. لاحظت هذه الدول أن حركات التمرد المشتتة كانت تحمل توجهات قبلية وأنها مقبلة على التصادم فيما بينها، وأن النتيجة الحتمية لهذا الصراع هي الحرب الأهلية وانهيار الدولة.

أصدرت هذه المعارضة الوطنية المستنيرة التي عرفت بحركة “مانيفستو” بيانا جامعا مانعا استعرضت فيه بدقة الأزمة الراهنة حينئذ وطريقة الخروج منها. ولقد لاحظ المجتمع الدولي أنّ هذه المعارضة الّتي كان يقودها رئيس الجمهورية الاول آدم عبدالله عثمان تتمتع بالمصداقية وبتأييد شامل لكل مكونات المجتمع الصومالي الإثنية والقبلية والمناطقية.

ورأت هذه الدول عقد مؤتمر مصالحة في القاهرة تحت رعايتها، وتم تحديد ميعاد لهذا الغرض، للتوفيق بين الطرفين. وتم الإتفاق على صيغة التصالح، إذ أنه بعد الانتهاء من عملية التفاوض ستنشأ حكومة مشتركة  وتغييرات دستورية ستفضي إلى منح الرئيس زياد برى رئاسة شرفية بينما السلطة الحقيقية ستؤول إلى رئيس للوزراء، وبذلك يزول سبب السخط العام وتجنيب البلاد خطر زحف المليشيات القبلية المتصارعة على مقديشو ومن ثم ويلات الحرب الأهلية وانهيار الدولة الذي كان ظاهرا لكل ذي عينين.

وبعد أن قبل الطرفان هذا الطرح، تراجع الرئيس زياد برى في آخر لحظة، ربما بضغط من أعوانه ومساعديه الذين كانوا يخشون من فقدان مراكز السلطة والجاه. وقام باعتقال كل الموقعين على البيان من كافة زعامات البلاد الوطنية والمستنيرة، وكان على رأسهم الرئيس آدم عبدالله عثمان، وهو الرجل الطاعن في العمر والذي يضرب به المثل في النزاهة وسداد الرأي والحزم والكفاءة في إدارة دفة الدولة.

بهذه الاعتقالات انهارت عملية التفاوض والمصالحة، وفلتت فرصة العمر لإنقاذ البلاد من كارثة حرب أهلية أكلت الأخضر واليابس التي استمرت أكثر من عشرين عاما.

وبدلا من التجاوب مع النقد الموجه بروح الجدية وممارسة النقد الذاتي لإصلاح الخلل في حياتنا السياسية والعقبات التي تعوق مسيرتنا نحو بناء الدولة ومؤسساتها وبعث روح الأمل في شعبنا وكسب تأييد وتضامن المجتمع الدولي حتى نضمن إيصال سفينة النجاة إلى برّ الأمان، إذ بنا ننكر كلّ شيء، ونتشدق بأنه ليس هناك أحسن مما كان.

إن ما يجري في بلادنا بمقدار ما يؤثر فينا يؤثر أيضا على العالم حولنا، فالقرصنة والنزوح والهجرة والقحط والكوارث الطبيعية والإرهاب قضايا تهدد الاستقرار والسلام في العالم أيضا، لذلك كان اهتمام العالم بالمساعدة في حل الأزمة الصومالية.

وفي تقديري، أنّ بيان المنظمات الدولية والإقليمية يعكس خيبة الأمل فيما يجري حاليا في بلادنا، ومحاولة لحث المسئولين بأن يرتفعوا إلى مستوى المهمة التاريخية المعلقة على أعناقهم.

ولنلقي نظرة على الأحداث المروعة التي أزعجت الجميع، وأشاعت مشاعر الإحباط لكل من يريد الخير للصومال.

أولا : قدرة الإرهابيين على ارتكاب أعمال رهيبة والوصول إلى أعلى مراكز السلطة بسهولة ويسر، كالاقتحام الذي تم في مقر رئاسة الجمهورية المنيع والمحصن جدّا، والذي كاد أن يصيب الرئيس في مقتل، لولا إرادة الله الّتي شاءت أن يفلت من هذه المحنة بأعجوبة.

ثانيا: الهجمة الدموية الجريئة المنظمة والمعقدة جدّا التي وجهت ضد البرلمان، والّتي كادت أن تفتك بجميع من كان فيه، تمثل صورة أخرى من الانفلات الأمني والعجز في توفير أبسط ضرورات الحيطة والحذر لأهم مؤسسات الدولة بعد الرئاسة.

ثالثا: إعفاء قائد سجن مقديشو الرئيسي من العقوبة الّتي كان يقضيها لإدانته بحكم قضائي من محكمة عسكرية على إطلاق مجموعة من الإرهابيين من حركة الشباب الذين كانوا رهن الاعتقال تنفيذا لحكم القضاء العسكري، وإدانته أيضا في حوادث أخرى مماثلة لتواطئه مع حركة الشباب.

رابعا: ثبت بالدليل القاطع طبقا لتقرير مرفوع إلى مجلس الأمن من لجنة مراقبة الحظر على تصدير الأسلحة إلى الصومال بأنّ بعضا من السلاح المستورد للصومال بترخيص من مجلس الأمن تم بيعه وتسليمه إلى حركة الشباب وإلى مليشيات قبلية  من قبل عناصر ذات نفوذ مرتبطة بالسلطة.

ومن الحوادث المروعة والّتي صدمت الجميع في الرأي العام الوطني والدولي استقالة محافظ البنك المركزي حتّى قبل أن تستقر في عملها احتجاجا على التدخل في عملها والضغوط الّتي مورست لإجبارها على ارتكاب أعمال تتناقض مع المصلحة العامة،، الأمر الذي أحبط الجميع بما تعكسه هذه الحادثة من انهيار الأخلاق وانتشار الفساد في المستويات العليا في الدولة وعدم الرغبة في بناء البنك المركزي على أسس من المهنية والكفاءة والمصلحة العامة.

وليس سرّا أنّ الإدارة الحالية حتى الآن تماطل أو تغض الطرف عن القيام بالإصلاحات الإدارية المطلوبة وبناء هياكل الدولة  وإنشاء المؤسسات اللاّزمة لتسيير حاجات الدولة المتنوعة وسن القوانين الأساسية المنظمة للإدارة، وهو الأمر الذي أثار ذعر الدول والمنظمات الدولية التي وعدت بتقديم المساعدات المالية والاقتصادية لدعم البلاد لكي تقف على قدميها، وأقرب مثال على ذلك هو امتناع الاتحاد الأوربيّ عن البدء في صرف المساعدات الموعودة التي تصل إلى ملياري دولار ونصف، في الوقت الّذي لم توقف تدفق هذه المساعدات عن صوماليلاند وبونتلاند.

أنا أعلم أنّ التحديات جسيمة، فالدولة لا تسيطر على البلاد، وليست هناك الموارد المالية اللّازمة لتسيير الإدارة، وأنّ التشتت القبلىّ بلغ أقصى مداه، وأنّ الحركة الإرهابية المعروفة “بالشباب” استفحلت وتضرب بعنف في كلّ الاتجاهات، ولكن المشكلة أنّه ليست هناك خطة عمل وبرنامج واضح المعالم وإرادة قوية لمواجهة التحديات. وليس هناك إدراك بالأخطار المحدقة الّتي تحيط بالبلاد. وهناك خوف حقيقيّ من انتكاسة عملية بناء الدولة، والرجوع إلى المربع الأول (الحرب الأهلية). وهذا ما أكدته السيدة “ويندي شارمان” وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية للشئون السياسية في بيانها الأخير في 6 يونيو حول سياسية الولايات المتحدة تجاه الصومال، حيث قالت “أنّ الطريق أمام الصومال للخروج من مازقه وعر وصعب، إنه يتقدم مرّة خطوتين إلى الأمام، لكي يرتد سريعا ثلاث خطوات إلى الوراء. وليس هناك ضمان بأن البلاد اجتازت خط اللّارجعة إلى الانتكاسة.”

من المؤسف أنّه بعد سنة واحدة فقط منذ تدشين مؤسسات النظام، أن قامت قمة السلطة بحشد كل الطاقات والإمكانيات والصلاحيات لمعركة حامية الوطيس لإسقاط رئيس الوزراء ومجلس وزرائه برمته تقريبا، استنزفت كثيرا من العرق والدماء والدموع والوقت والمال في مشهد أصاب الجميع بالذهول والخوف. وما أن تعين رئيس الوزراء الجديد حتّى احتدم الصراع بينه وبين الرئاسة من جديد حول الصلاحيات بشكل أدّى إلى فتور العلاقات بينهما، وهو الأمر الذي أدّى إلى شلل في دوائر الحكم.

وفي خضم هذا الصراع نشأت مشكلة جديدة حيث اجتمع مائة وأربعون نائبا برلمانيا في مكان ما خارج البرلمان الّذين أصدروا بيانا يتهمون فيه رئيس الجمهورية بتهم شتّى ما أنزل الله بها من سلطان، ويطالبونه فيه بالاستقالة، وفي حالة عدم الامتثال يهددونه بإجراءات العزل عن طريق البرلمان.

وفي هذا الجو الدرامي الّذي ينم عن عدم الاستقرار وينذر بأوخم العواقب، ويرسل إشارات الإنذار إلى المجتمع الدولي بأنّ البلاد مقبلة على الهاوية، يتشدق بعض المسئولين بأن هذه التصرفات الرعناء، هي من مظاهر الديمقراطية والحوار الصريح البنّاء.

هل هذا الّذي يجري في بلادنا يحدث في أيّ مكان في العالم؟!

ما أودّ قوله هو أن نقبل النقد من الصديق والعدو بترحاب قلب، وأن نراجع تصرفاتنا على ضوء ما يراه الآخرون عنا، وأن نرتب أمور بيتنا بكل جدية وصرامة.

وقد سارت السيدة “وندي شارمان” على نفس النهج بكل ما في بيانها السالف الذكر من النوايا الحسنة والوعود السخية، إذ أنها قالت “إنّ الخوف من الانتكاسة ليس أمرا مستبعدا”. وقالت أيضا في معرض التبرير للوهن الواضح في جميع مفاصل الدولة والاستقرار المتزعزع “بأن الحكومة في مرحلة الطفولة” أي أنها غير ناضجة.

فلنعتبر كل هذه البيانات صيحات إنذار مخلصة. ونغير النهج إلى طريق العمل الجاد المخلص والتوافق الوطني، وتجنب الصغائر نحو بناء الدولة العصرية.

وكما قالت السيدة ويندي شارمان السالفة الذكر “إنّ على الصومال الخيار بين تحديين… إمّا أن يكون وطنا متحدا، يأخذ مكانه في المجتمع الدولي للعمل من أجل التقدم والرفاهية، أو أن تكون قبائل متناحرة فيما بينها خارج المجتمع الدولي”.

تعليق واحد

  1. عبد الرحمن عيسى

    نداء من قلب محب لبلده، آمل أن يلامس آذان من يهمه الأمر ، يجب علينا أن لا نيأس وأن نسمر في التذكير والتحذير من عواقب الأمور الوخيمة إذا لم نقدم مصلحة الوطن العليا فوق أي اعتبار وإلا فإن الطوفان قادم لا محالة وأعتقد أن الطوفان هو الحماية الدولية وإنهاء ما تبقى من السيادة الصومالية (إذا كانت هناك سيادة أصلا )
    أشكر سعادة السفير على تألمه للقضايا الوطنية ومما يزيد في الألم قلة الوعي لأهمية وإستراتيجية هذا البلد بحيث يصر الأجانب على التدفق والإهتمام بالبلاد أكثر من المواطنين وأكبر دليل على ذلك عزم الولايات المتحدة فتح سفارتها في مقديشو في الوقت الذي ينشغل المسئولون في هذا البلد بمصالح ذاتية بحتة.

%d مدونون معجبون بهذه: