العلمانيون الصوماليون… خطر قابل للاشتعال (2)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، وبعد:-

في المقال السابق تحدثنا عن الدافع الرئيسي الذي أدى إلى ظهور العلمانية مع بعض التلميحات لخطر العلمانيين في الصومال وبعض الشبهات التي يثيرونها ضد الإسلام وإن اختلفت حججهم وبراهينهم في ذلك. وفي هذا المقال بإذن الله سنتكلم عن مفهوم الفكر العلماني وموقف الإسلام منه، وسنناقش قضية الحكم بما أنزل الله ودعاوى فصل الدين عن الدولة بشيء من التفصيل. وسنوضح بطلان هذه الدعاوى التي ينادي بها كل علماني بغض النظر عن جنسيته، ولكن سنرّكز في هذه المجموعة من المقالات خصوصاً على ما نسمعه ويثيره العلمانيون الصوماليون رغم أنهم فقط يترجمونها وينقلونها من أصحاب الفكر. ويفهم القارئ الكريم-من واقع ما عرضناه سابقاً- أنّ الغلطة التي ارتكبها هؤلاء أنهم لم يقرأوا التاريخ أو لم يفهموه، وهم بذلك حاولوا تفسير الإسلام في ميزان التجربة الأوروبية المريرة مع السلطة الكنسية!!!.

أصل كلمة العلمانية 

كلمة العلمانية Secularism تعني “لا دينية” ولا علاقة لها بالعلم ومشتقاته على الإطلاق، وإنما أطلق عليها وترجمها المنحرفون العرب بهذا الاسم تضليلاً للشعوب العربية والإسلامية حتى لا تنفر منها، ثم إن زيادة الألف والنون لكلمة “العلم” غير قياسية في اللغة العربية. والترجمة الصحيحة لهذه الكلمة هي “اللا دينية” أو “الدنيوية”.

تقول دائرة المعارف البريطانية أنّ اللادينية أو الـSecularism “هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالدنيا وحدها” كما يقول قاموس كامبردج المتقدّم أن العلمانية هي “اعتقاد أنه يجب فصل الدين عن الحياة الاقتصادية والاجتماعية لمجتمع ما”. ويقول المستشرق “أربري” –شارحا لكلمة العلمانية نفسها- “إن المادية العلمية والإنسانية والمذهب الطبيعي والوضعية كلها أشكال للّادينية، واللادينية صفة مميزة لأوروبا وأميركا، ومع أن مظاهرها موجودة في الشرق الأوسط فإنها لم تتخذ أي صيغة فلسفية أو أدبية محددة، والنموذج الرئيسي لها فصل الدين عن الدولة في الجمهورية التركية”(1) ولذلك نرى أن العلمانية لا تسعى فقط إلى فصل الدين عن الدولة بل إلى فصل الدين عن الحياة، ولذلك الإسلام والعلمانية-من واقع الترجمة الصحيحة لهذه الكلمة- نقيضان لا يجتمعان أبداً كما لا يستطيع واحد منّا أن يقول “أنا مسلم” وفي نفس الوقت يقول “أنا نصراني”!!

دعاوى فصل الدين عن الدولة… سابقةٌ بحُجة أم بادئةٌ بصُدفة؟؟!

إن الكنيسة-كما ذكرنا في المقال السابق- نشأت واستمدت قوتها من التحريفات التي أدخلتها على النصرانية وأصبحت تؤلّه رجال الدين على أنهم معصومون وممثلو الله في أرضه وهم بذلك خلقوا نوعاً من الهيمنة على الشعوب الأوروبية الضعيفة آنذاك وفرضوا سلطاناً فكرياً لا يسمح للعلماء التفكير إلا بإذن الكنيسة كما فرضت الكنيسة العشور والإتاوات وأصبح الكاهن يكتب “صكوك الغفران” التي-بزعمه- تُدخل حاملها الجنة بدون حساب!! ثم بعد أن دخلت العلوم إلى أوروبا من العالم الإسلامي عن طريق الترجمة بدأت الكنيسة بحرق كل من يتبنّى الاكتشافات العلمية الدخيلة –بمفهومها- على المجتمع النصراني وكانت تسمّيه “الغزو الفكري الإسلامي” فمثلاً قامت الكنيسة برفع شعارات مثل “آمن ولا تناقش” وهدر دم كل من يقول بكروية الأرض أو أنّها مركز الكون!! وهي الحقائق العلمية التي وجدها واكتشفها المسلمون منذ القرن الثالث الهجري- التاسع الميلادي- وهي لم تصل إلى أوروبا إلا في القرن الثاني عشر وما تلاه بعد حركة الترجمة. ولهذا نقول أنّ أوروبا رأت أنّ العلمانية هي المخرج الوحيد الذي يمكّنها من العلم ويخلّصها من سطوة رجال الدين أو الدين، وبالفعل نفرت أوروبا من كل ما يتعلق بالدين وأصبحت-كما نرى- تدعوا إلى التحرّر من سلطان الشرائع السماوية لأن المفهوم الفكري الذي تكوّن لديها كان نتاجا لتجربةٍ مريرة خاضتها مع سلطة الكنيسة ورجال الدين!!! وهنا نتساءل مرة أخرى ما الذي يدعو أبناءنا على تقليد هذا المفهوم؟؟ أهم بدورهم حُرقوا ومُنعوا من الاكتشافات العلمية؟؟! أم فرضت عليهم المساجد عشوراً وكتبت لهم صكوك غفران؟؟!!

كان أبرز ما ينادي به العلمانيون والمبدأ الأصيل لدعوتهم “فصل الدين عن الدولة” وهو الذي تتفرع منه المبادئ والأسس الأخرى التي تقوم عليها العلمانية، وقد بيّنّا أساس وبداية هذه الدعوة حتى نستطيع أن نفهم الواقع ونربطه بسهولة بتلك الأحداث التي أنتجت هذا الفكر. ويختلف العلمانيون في دعوتهم باختلاف دوافعهم ولكن دعونا نناقش القضية بموضوعية بعيداً عن مميزاتهم ودوافعهم السلوكية لأننا نركز على أفكارهم وليس على شخصياتهم.

يقول أحد العلمانيين الصوماليين في إحدى مواقع التواصل الاجتماعي ” نحن إذا تحرّرنا من الدّين وجعلناه مقتصرا على الجانب الروحي بعيداً عن السياسة والاقتصاد ستنعم أمتنا الصومالية بالسلام والأمان وستتقدّم كما تقدّم العالم الغربي” ويقول آخر ” أقول لنفسي في بعض الأحيان: إذا اختلفت أدياننا وعقائدنا وأبعدنا الدين عن الحكم والسياسة لكان الحال أقوم وأصلح” ليس هذا فحسب بل يقولون أشياء إن تُبد لكم تسؤكم وينفر منها الإنسان المسلم وإن لم يكن ملتزماً بدينه، ولكن مفادها إقصاء الدين عن الحياة إلا في الجانب الروحي بحكم أنّ الدين كان مصدر الفوضى في الصومال والاستبداد السياسي على الشعب!!!

ركز العلمانيون في نظريتهم ودعوتهم لفصل الدين عن الدولة على “الاستبداد السياسي” الذي حدث على فترات من تاريخ المسلمين، ونحن لا نرفض ذلك إذ قد يرجع ذلك إلى الشخصيات وليس إلى مصادر الحكم والتشريع. ولكن الضجة والشبهة التي يثيرها العلمانيون تحمل عدّة مغالطات لا بدّ أن نبيّنها حتى نزيل الإشكالات التي تثار حولها(2):

1. المغالطة الأولى: يقولون أنّ الاستبداد السياسي نتيجة حتمية للحكم الديني وما حدث في تاريخ المسلمين هو نفسه ما حدث في تاريخ الحكومة “الثيوقراطية” –حكومة رجال الدين- في أوروبا. وهذا غير صحيح إذ أنّه أصلا لا يوجد في الإسلام حكومة ثيوقراطية لأنّه ابتداءً ليس فيه هيئة تسمى ب “رجال الدين” بالإضافة إلى أنّ حكومة رجال الدين في أوروبا لم تحكم بما أنزل الله وإنما حكمت بالقانوني الروماني الذي لا علاقة له بالشريعة التي أنزلت عليهم، يقول الله تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) وهي بذلك لم تكن-الحكومة الثيوقراطية- حكومة “دينية” وإنما كانت حكومة “رجال الدين” يحكمون بأهوائهم لكي يفرضوا على النّاس سلطاناً باسم الدين.

2. المغالطة الثانية: رجال الدين في أوروبا كانوا طبقة مقدّسة في ظل النصرانية المحرّفة وكانوا يستقون من قداستهم أنهم خلفاء الله في الأرض. أما الخلفاء الراشدون ومن خلفهم من حكام المسلمين لم يكونوا على هيئة هذا النوع ولكن جعلوا الحياة كلها لله، وأعطوا الشعوب حرية التفكير والتنظير في المجالات العلمية المختلفة ولم يفرضوا لأنفسهم سلطاناً جبريا ًعلى النّاس، بل كان مثلهم كمثل أبوبكر الصدّيق الذي كان يقول: (أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم) وكعمر ابن الخطاب -في العدالة- الذي قرر ضرب ابن عمرو ابن العاص حين ضرب شابا قبطيا بل كاد أن يضرب عمراً وهو الحاكم الموقّر. فشتان من كان حاله هكذا ومن كان يستعبد الشعوب باسم الدين كما فعل رجال الدين في أوروبا.

3. المغالطة الثالثة: الاستبداد باسم الدين لم يكن هو الوحيد الذي حدث في التاريخ الأوروبي وغير الأوروبي حتى يُعالج الدين باستقصائه عن مناحي الحياة وعن الحكم والاقتصاد وغير ذلك. ومن المعلوم أن الأمراء والملوك المستبدين في التاريخ الأوروبي لم يكونوا فقط من الذين فرضوا سلطانهم على النّاس باسم الدين فقد كان هنالك ملوك استبدوا واستعبدوا الشعوب ولكن ليس باسم الدين بل كانوا مناوئين لحكم الكنيسة والسلطة الجبرية التي كانت تزاولها في أوروبا. ومن أمثال هؤلاء هنري الرابع في فرنسا الذي خلع أحد البابوات من منصبه رغم أنّهبعد ذلكتراجع واستغفر البابا وكان واقفا عاري الرأس حافي القدمين في الجليد المتساقط ثلاثة أيام بلياليها أمام بيت البابا للحصول على صك الغفران!!!!. وقد كان هنالك بعض الحكام الذين استخدموا نفس دعوة الكنيسة واستفادوا من التجربة الكنسية لفرض السلطة على النّاس واستعبدوا الناس بأنّ الله استخلفهم في الأرض لحكم النّاس. وعلى النّاس أن يخضعوا أمور الدنيا للحاكم وأمور الآخرة للبابا، وهو نفس المبدأ الذي قامت عليه السلطة المستبدّة “أدّ ما لقيصر لقيصر وما لله لله” ونتساءل هنا هل حكم هؤلاء بالدين أم أنّهم كانوا مناوئين للحكم الديني الصحيح؟؟ ألم يستخدموا الدين لمجرد فرض آراءهم وسلطانهم على الشعوب الضعيفة؟؟ بالإضافة إلى ذلك يمكن أن نستشهد بواقع الشعوب العربية التي كانت ولا زال بعضها تحت حكم الجبابرة والطواغيت المستبدين ونقول: هل كان هؤلاء الحكام يحكمون بشريعة الله؟؟ بل أكانوا على قرب منها؟؟ ألم يعذبوا العلماء وأصحاب الفكر القويم ومن عارضهم أشدّ التعذيب؟؟ وهل بعد ذلك كلّه يأتي علينا بعض العلمانيين ليقولوا أنّ ذلك كان استبداداً سياسياً باسم الدين.

وننوه هنا أنّ الاستبداد والطغيان السياسي الذي حدث في تاريخ المسلمين والذي استخدم الدين كستارٍ له تم تحت ستار “علماء السلطة” التي يفتون فتاوى على حسب طلب الحكام!! وهو بالتأكيد في الإسلام معصية تستوجب عقاب الله، أمّا الحكام فقد كان معظمهم عصاة من الأصل لم يردعهم الدين عن الظلم ولهم في ذلك معصية لأوامر الله تجلب غضب وعقاب الله تعالى. بالإضافة إلى أنّ الشعوب التي وقع عليها هذا الطغيان رضت بأن تكون مع الخوالف وفرطت في دينها يوم أن تقبلت ذاك الوضع ولم تقاومه. رغم أنّ رسول الله صلى الله وسلم أمرنا بعدم الخروج على الحاكم ما حكم بكتاب الله بين النّاس كما في البخاري :” اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة،ما أقام فيكم كتاب الله تعالى “ لكن شرع لنا حق النصيحة وقال فيما رواه الشيخان: ” الدين النصيحة ” قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : ” لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم “

أظن أن هذا السرد الذي يقوم على منهج فكري يقبله العقل يكون كافياً لإقناع من قلّدوا الغرب في أفكارهم ومصطلحاتهم التي حاولوا تفسير الإسلام في ظلها. وقد وضح لنا أنّ هذه الدعوة لم تبدأ صدفةً بل كان لها سلف هي تجربة أوروبا مع رجال الدين، والأوروبيون في ذلك محقون وغير محقين. محقون في أن ينفروا من ذاك النهج السلطوي الذي فُرض عليهم باسم الدين، وغير محقين في أن يعمّموا المشكلة على الدين وينفروا منه لأنّ السلطة الكنسية ذاتها في أوروبا لم تحكم بالدين النصراني الصحيح ولكن حكمت بالقانون الروماني- كما ذكرنا سابقاً-لفرض رغباتها وأهوائها الهمجية على الشعوب. وسنترك المجال للمقالات القادمة لنتكلم عن مقتضيات دعاوى فصل الدين عن الدولة مثل قضية تحرير المرأة، وحرية الفكر، ونظام العقوبات في الإسلام.

إنّ حالة الصومال-أعزائي القراء- غنية عن السرد والتذكير لأننا نعرف تماماً أنه لم يسمح للإسلاميين أن يحكموا البلاد بشريعة الله، وخير مثال في ذلك نموذج المحاكم الإسلامية التي حكمت البلاد لمدة 6 أشهر فقط ورغم فترتها القصيرة حققت ما شهد لها العالم من تحسّن في مستويات المعيشة ومحاربة الفساد واستبداد أمراء الحرب ومنذ ذلك ولم يُسمح للحركات الإسلامية أن تقوم لها قائمة. نعم حكموا بالدين ولم يحكموا بأهوائهم!!! أنشأوا دولة ونظاماً إسلاميّاً بحيث يتساوى الكل في الحقوق والواجبات. ولهذا السبب دخلت ولا زالت قوات الاحتلال في صومالنا الحبيبة وخرّبت العباد والبلاد لأنها أنعمت بالسلام والأمان ولم يُسمح لها ذلك. أستغرب حين يقول العلمانيون أنّها جاءت باستدعاء من العصابة التي كانت ولا تزال تدّعي حكم البلاد، وأتذكر في هذا المقام برنامجاً نقاشياً جمع بين واحد من العلمانيين والأستاذ محمد الأمين حيث كان يستهزئ العلمانيّ بالنظام الإسلامي القويم الذي طبقته المحاكم في الصومال في تلك الفترة ويقول أن قوات الاحتلال جاءت بأمر من الحكومة الصومالية!!! نعم كان يدّعي هذا الشخص بأنه ديمقراطي يقتنع برأي الأغلبية، ولما سُئِل قال بأنّ ذاك النظام مثّل تهديداً على الأمن القومي الإقليمي والعالمي رغم أنّه يتمتع بتأييد غالبية الشعب لحكمه. وبهذا يتضح لنا أنّ العلمانيين ليسوا سوى مجرّد ألعوبة على يد النظام العالمي الجديد حتى أنّهم في تناقض مستمر مع ما تقرره مبادئ الديمقراطية.

يستدلّ العلمانيون في نقاشاتهم مع أولي الألباب حالة الحكومة السعودية وأنّها تحكم بالدين ورغم ذلك تكبت أفواه الأحرار ولا تعترف بالتعديل والتقويم بل إن مجرد التكلم عن آل سعود خطأ وجريمة كبرى. ويدل مزعمهم هذا في حد ذاته أنهم لا يتابعون الواقع وخير شاهد في ذلك القضية المصرية وما قامت به هذه الحكومة من تأييد ودعم للعلمانيين وإسقاط بل ومحاربة من ينتمي إلى الإسلام بكل الطرق. وفوق ذلك كله هل يعلم هؤلاء العلمانيون كم عدد علماء المسلمين المسجونين في سجون آل سعود؟؟ أكثر من أربعة آلاف عالم ومحدّث. وينطبق عليهم طبعاً نفسحكم ذلك النوع من الحكماء الذين استبدوا على الشعوب المسلمة باسم الدين.

الحكم بما أنزل الله … أمرٌ ربَانيٌّ لا يقبل النقصان ولا التعديل

من جانب آخر، من المعروف أن المشركين يرفضون وحدانية الله والبعث وغيرها من أمور الاعتقاد، ويعبدون مع الله آلهة أخرى، ويشرّعون بغير ما أنزل الله وهم بذلك وقعوا في أنواع الشرك الثلاثة : شرك الاعتقاد، شرك العبادة، وشرك التشريع. وينبني الفكر العلماني على شرك التشريع لأنه يقرّر أنّ الشعوب مصدر السلطة ولا يؤمن بحكم الله. ويقول تعالى ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم…)

وكانت قضية الحكم من أهم القضايا التي أثير الجدل حولها في هذا الزمن والواقع الذي نعيشة. وظهر بذلك فئتان خالفت منهج أهل السنة والجماعة: فئةٌ تقول أنّ من قال لا إله إلا الله وأن محمّداً رسول الله مؤمنٌ ولو لم يعمل من أحكام الإسلام شيئاً وهي بذلك تحكم على النّاس بالنية دون الأعمال;وفئة أخرى تقول أن الأصل في الناس الكفر في هذا العالم المعاصر الذي نعيشه ما لم يثبت عكس ذلك. والحكم على الناس بالكفر أو الإيمان لا يحل القضية ولذلك يجب على دعاة الإسلام أن يُعلِّمُوا الناس حقيقة الإسلام وأحكامه لأنّ جهل المسلمين هو الذي جعلهم يتقبلون حكم القوانين الوضعية التي تحكم فيما بينهم، وقد قال الشيخ الشهيد بإذن الله حسن البنّا في رسالة “بين الأمس واليوم” مخاطباً جموع الدعاة إلى الإسلام: سيقف جهل الشعب بالإسلام عقبةً في طريقكم. وبذلك نرى الآن من الشعوب المسلمة من يتنكر على نظام العقوبات ونظام الحكم الإسلامي. فلم يكن من الغريب أن يقول أحد قيادات الفصيل العلماني في الصومال أنّنا في عصرٍ تحرر ولا نريد أن نرجع إلى العصور المظلمة التي كان يُقتل فيها المرتد ويُقطع فيها يد السارق ويُرجم فيها الزاني المحصن!!!!.

وتوحيد الحكم لله وحده مثله مثل أنواع التوحيد الأخرى، ومن وقع في شرك الإتباع-عدم التشريع والتحاكم إلى شريعة الله- فهو كالذي يعبد مع الله آلهة أخرى أو لا يؤمن بالبعث والآخرة وغيرها. يقول تعالى: ( فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويُسلّموا تسليماً)  ويبين الله سبحانه أن من لم يحكم بما أنزل الله خارج من دائرة الإيمان إلا إذا رجع وتحاكم إلى شريعة الله وقبلها مطمئنا بها وأنها هي الحق والنهج الصحيح. ونلاحظ من هذه الآية القسم مع النفي في قوله “فلا وربك لا يؤمنون” والتوكيد في قوله “ثم لا يجدوا…” ثم استخدام المفعول المطلق في قوله “ويسلّموا تسليماً” ، واستخدم الله سبحانه وتعالى كل ذلك لتوضيح جرم من يتحاكم إلى غير شريعة الله، ويبيّن أن الإيمان ينتفي عنه تماماً.

وفي التاريخ الماضي لم يحدث التحاكم بغير شريعة الله إلا مرة واحدة حين حكم التتار بدستور من صنع البشر، وحكم عليهم العلماء بالكفر الصريح حتى يرجعوا عن ذلك ويحكموا بشريعة الله في القليل والكثير. يقول الإمام إبن كثير في تفسيره لقوله تعالى “أفحكم الجاهليّة يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون”: ” ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر ، وعدل إلى ما سواه من الآراء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بأهوائهم وآرائهم ، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم الياسق ، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والإسلامية وغيرها ، وفيها كثير من الأحكام أخذها بمجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلـى الله عليه وسلم . فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير”(3).

وفي الدول الإسلامية والعربية أُجبرت الشعوب بما لا تريده من تشريع وضعي مخالف للفطرة وهي بذلك غير راضية بهذا الحكم الجاهلي. ولكنّ نصر الله قريب إن شاء الله وإن استعجل ذلك المستعجلون.

يتساءل البعض ويقول: لماذا لم ينصر الله المؤمنين هنا أو هناك وهو الذي وعدهم بذلك وقال: ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً…) نجيب على ذلك ونقول أنّ الله سبحانه وتعالى حقق للمسلمين ذاك الوعد وفتح لهم كنوز كسرى وقيصر حين كانوا على النهج القويم والطريق المستقيم، ولن يتحقق هذا الوعد إلا إذا أصبح المسلمون مسلمين حقاً!!!!! وتحرّروا من الأفكار الهدّامة والأحكام الجاهلية التي يتحاكمون إليها.

 الهوامش

(1) راجع كتاب العلمانية للدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي

(2) راجع كتاب العلمانيون والإسلام للأستاذ الشيخ محمد قطب رحمه الله

(3) تفسير ابن كثير الجزء الثاني ص 68

%d مدونون معجبون بهذه: