تجنيد الأطفال في الصومال..قصص واقعية!! -الجزء الثاني

بعد التوغل الإثيوبي في مقديشو عام 2006، ثارت حفيظة الصوماليين كباراً وصغاراً، حيث كانت القوات الإثيوبية تفخر على الصوماليين وتبرز عضلاتها أمامهم في دليل واضح أنها دخلت إلى مقديشو بعضلاتها وبقوتها، وتمركزت في مراكز عسكرية استراتيجية في مقديشو.

وكانت حماسة الشعب الصومالي آنذاك مدفوعة إلى دخول حرب مع المحتل الإثيوبي، وبدأت المقاومة الإسلامية تبحث عن رجال (أطفال + كبار) يقومون بمهام القتال، وكان الأطفال الذين تتراوح أعمارهم مابين 15 ـ 18 هم الذين ينضمون إلى حركات المقاومة، ولقد فتحت مراكز عسكرية في مناطق متفرقة من الصومال بشكل سري دون أن يعلم الجميع سوى المجندين الأطفال والكبار، وكانت مدة الدورة التدريبية العسكرية ستة شهور، ينضم بعدها المجندون إلى ساحات القتال في مقديشو، ثم يتم نقل عدد آخر من الأطفال إلى المراكز العسكرية ليتم تدريبهم هناك وينضموا إلى ساحات القتال.. وهكذا دواليك.

ولقد استمر العنف فى مقديشو لمدة عامين تقريباً بعد التوغل الإثيوبي يدور بين المقاومة الإسلامية والقوات الإثيوبية حتى انسحبت القوات الاثيوبية من الصومال عام 2009. وبعد الانسحاب الإثيوبي واختيار شريف أحمد رئيساً للصومال، أبدى كثير من الأطفال المجندين رغبتهم في الخروج من المعترك السياسي والعودة إلى المدارس وحلقات العلم فى المساجد إلا أن الأوامر لم تسمح لهم، حيث أجبروا على البقاء في الوحدات التي كانوا ينتمون إليها قبل رحيل القوات الإثيوبية من البلاد.

فالطفل عبد الرحمن (15 عاماً) كان في صفوف الجماعات المعارضة حاول ترك المعترك السياسي والخروج من العنف الدائر، وخرج من مقديشو بشكل سري دون أن يعلم به أحد ووصل إلى مدينة هرجيساً (شمال الصومال)، وبعد أن مكث هناك لمدة شهور توهم أن الجماعة التي كان ينتمي إليها نسيت أمره واستغنت عنه لكنه كان مخطئا في ظنه.

عاد إلى مقديشو وهو يحمل هذا الظن، ورحبت أسرته بفكرة الخروج من الجماعة والقتال، وعرضت عليه الخروج من مقديشو حتى لا يقع مرة أخرى في أيدي الجماعة التي كان ينتسب إليها، وفعلا بدأ عبد الرحمن يستعد للسفر هارباً من مقديشو، وذهب إلى سوق بكارة المركزي ليتسوق ويشتري مستلزمات السفر ليودع المدينة، لكن كانت الأعين بالمرصاد فألقي القبض عليه من قبل عناصر الجماعة المسلحة التي كان ينتمي إليها، وطاروا به إلى مكان مجهول، وغاب عبد الرحمن عن الأسرة لمدة أيام دون أن تستطيع الأسرة المنكوبة التمسك بخيط قد يوصلهم إلى مكان تواجد فلذة كبدهم.

وأعطى القائد أوامره لعبد الرحمن والتي تقضي بالانضمام إلى وحدة عسكرية ستستهدف قوات حكومية قي مركز عسكري بمقديشو.

ولم يكن يعلم القائد ولا عبد الرحمن بما يخبئه القدر، فقد سقط عبد الرحمن قتيلا في هذه المعركة ووصل خبر مقتله إلى أسرته، حيث وصلتهم جثة ابنهم ليدفنوه، وتم دفن عبد الرحمن، والحزن والكآبة يعمان أركان الأسرة .

أما أسد أحمد (16) عاماً، فقد أنضم إلى إحدى هذه الجماعات أيضا في مقديشو، وصال وجال وهو يخوض المعارك الشرسة مع القوات الحكومية واحدة تلو الأخرى، وبعد فترة وجيزة أيقن أسد أحمد أنه كان مخطئا، وأنه يحرق نفسه بدون أجر مسبق له في الدنيا وربما بدون جزاء أخروي أيضا لأنه عصى والديه، وترك أمه وهي تناديه، وأوحي له أنه يخسر أخرته ودنياه معا، عندها فضل أسد الخروج من رحم الجماعة التي يمثلها، وخرج من الخندق الذي كان يقيم فيه، لكن اكتشف أنه ليس هو الوحيد الذي يطمع بالفرار من هذه الجماعة، فهناك اثنان من أصدقائه يفكران بنفس تفكيره وفي نفس اللحظة، فاجتمع شملهم وخرجوا تحت جنح الظلام من المعسكر الواقع في شمال مقديشو.
وبعد أن وصلوا إلى الحي الذي كانوا يقطنون فيه ومكثوا لمدة أيام فقط، خيل لهم أنهم في سلام ونسوا أنهم فارين من ثكنات عسكرية وأنهم تحت المجهر.

بعد ثلاثة أيام فقط وصل ثلاثة رجال يحملون المسدسات، وألقوا القبض على أسد وأصدقائه وحذروهم ثم أمهلوهم ثلاثة أيام للعودة إلى المعسكر، وخيّروهم بين الموت أو البقاء جنودا ضمن أفراد الجماعة بالقوة العسكرية.

وبعد أيام أيقن أسد أن حياته في خطر فاجتمع مع أصدقائه وقرروا العودة إلى المعسكر تحت واقع الرصاص والبندقية، ولكن سرا أيضا سراً كما فعلوا سابقاً، وبعد وصولهم للمعسكر تم نقل ثلاثتهم إلى الصفوف الأمامية للقتال، وألقيَ على عاتقهم حراسة ثلاثة خنادق متباعدة في زاوية واحدة، وبقوا هناك لمدة أيام يتجرعون العناء والشقاء.
حاول أسد الفرار مرة أخرى بمفرده دون أن يُعلم أصدقاءه، وخرج من الخندق هارباً، وعاد إلى ناحيته التي يسكنها وحيداً هذه المرة. لكن خبر خروجه شاع بين أفراد الجماعة.

وحاول أفراد من الجماعة إقناعه بالعودة إلى المعسكر لكن عزيمته وقراره الذي اتخذه حال دون ذلك، وفضل البقاء في منزله ليستمطر دعوات والديه.

وبعد أيام قليلة سمع أسد خبر مقتل أحد أصدقائه في المعسكر بنار صديقه أيضا، حيث أطلق مقاتل من المعسكر النار على صديق أسد بعد أن شك أنه ينوي الهروب من الثكنة العسكرية.

وفى خبر نشرته إذاعة الجمهورية الصومالية فى مقديشو لم يكن فى حسبان أحد من الصوماليين حول تعذيب مقاتل مسلح من إحدى الجماعات المعارضة، ويمكننا القول بأن المقاتل كان طفلاً فضل الخروج من الجماعة المسلحة والعودة إلى المدرسة النظامية، لكن ألقي القبض عليه أثناء ذهابه إلى المدرسة.
ضربه أفراد من الجماعة بشكل بشع حتى سقط على الأرض مغشيا عليه بسبب الضربات التي تلقاها على أجزاء حساسة من جسمه الغض، فحسبوه ميتا فأهالوا عليه التراب في خندق صغير.

وبعد دقائق أفاق الطفل من الإغماء وخرج من التراب وهو يعاني من شدة اللكمات والطعنات التي أصابته في أنحاء متعددة من جسده، وهرع عدد من المدنيين إلى الطفل ونقلوه إلى مستشفى المدينة (جنوب مقديشو) وما زال في المستشفى يتلقى العلاج.

أما عبد الرحمن محمد (18 عاماً) فقد كان من القوات التابعة للمحاكم الإسلامية بين عامي 2007 و 2008، وشارك في معارك كثيرة في مناطق متفرقة وخاصة جنوب الصومال، وبعد عام 2009 قلّت أهمية عبد الرحمن في البقاء ضمن قوات المحاكم الإسلامية التي تلاشت آنذاك وانضم عدد كبير منها إلى القوات الحكومية الصومالية بقيادة الشيخ شريف أحمد بينما ذهب عدد أخر إلى الحزب الإسلامي بقيادة د.عمر إيمان أبوبكر الذي ترك هذا المنصب لصديقه حسن طاهر أويس.

في نهاية عام 2009 كان يتفرج عبد الرحمن على الواقع المر بين الصوماليين لأنه لم ينضم إلى القوات الحكومية ولا إلى الحزب الإسلامي.

وخلال معركة وقعت بين القوات الحكومية وجماعة مسلحة تنتمي إلى الحزب الإسلامي أسقط العنف عدداً من المقاتلين بين قتيل وجريح، وكان من الذين لقوا حتفهم جراء المعارك العنيفة عبد الرحمن محمد، وكان عبد الرحمن يعارض سياسة الحكومة الصومالية بشدة مما أدى إلى أن يشارك في القتال مجدداً في وجه القوات الإفريقية والحكومية في مقديشو.

عبدي جيدي أب لطفل يناهز عمره (14) كان ينتمي إلى جماعة مسلحة بعد أن أقنعته بأن يقاتل معهم ضد القوات الأفريقية التي تعتبرها الجماعات المعارضة بأنها قوات غازية حلت محل القوات الإثيوبية، وكان الطفل يحمل بندقيته ويتجول في شوارع مقديشو، إلا أن أبوه عبدي جيدي رفض أن يكون ابنه مقاتلا ضمن الجماعات المسلحة، وأمسك بيد أبنه يحثه بالعودة إلى المنزل والمدرسة القرآنية، لكن الطفل رفض نصيحة الوالد الرحيم، ودخلاً في شجار عنيف بسبب ذلك.

عندها شعر الأب بأن ابنه أفلت من يده، ولا بد من حيلة أخرى تعيده إلى صوابه، وبعد عناء وجهد من قبل الأب بتواصله وإقناعه لقائد الجماعة المسلحة التي كان ينتمي إليها الطفل وبعد إلحاح شديد لبى القائد رغبة الأب، وتمكن عبدي جيدي من إعادة الطفل إلى البيت.

2 تعليقان

  1. الإستاذ الفاضل كاتب المقال (الشاهد)

    من الطبيعي جدا بأن يتعاطف كل من لديه حس وطني وإنساني مع مقالكم فشكرا على كشف هذه المعلومات والطريقة القذره التي يستغل فيها الملشيات الإسلامية المعارضة للحكومه الأطفال…وللعلم بأن استغلال الأطفال لا يقف على إجبارهم على حمل السلاح وترهيبهم باليمتد الى أبعد من ذلك بحيث يتم إستغلالهم جنسيا ، فأنا لا أستبعد أي شيئ من رجال غلاض القلوب همهم فقط إهلاك الحرث والنسل في الصومال، تربوا في كنف واقع الادولة ولا نظام، القوي فيه يأكل الضعيف.

    ولكن بما أنك إستشهدت في أسماء وأعمار لأطفال رويت معاناتهم مع الملشيات لماذا لم تقم بذكر الفصيل الذي عانو منه ماعنوه حتى تكون الروايات واقعية اكثر، كما أن من واجبك الوطني كإعلامي تريد فضح أفعال تلك الملشيات أن تذكر أسمائهم، فهناكل ثلاثة فصائل إسلامية مسلحه.
    1. حركة الشباب
    2. الحزب الإسلامي
    3. أهل السنة والجماعه (لديها قطاء قانوني من الحكومه)

  2. يا الله … !!

    يا رب عليك بالظالمين…. أليس من الظلم أن يعبث بعض العصابات بمستقبل الصومالين؟

    الله يحمي أطفال الصومال من مكرهم وكيدهم.

    سمية

%d مدونون معجبون بهذه: